أميركا في الشرق الأوسط: هل من استراتيجية جديدة؟

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

تمهيد
طالما شكّلت منطقة الشرق الأوسط أهمية متقدمة على المستوى الجيوستراتيجي للولايات المتحدة الأميركية، نظراً إلى أهمية موقعها الجغرافي ابتداءً، ومن ثم لولادة عاملين طارئين شغلا حيزاً وازناً في المشهدين السياسي والاقتصادي الإقليمي والدولي، وجعلا أنظار القوى العالمية مشدودة إليها، وهما اكتشاف النفط، واختراع الكيان الإسرائيلي. وهذان الحدثان جعلا وراثة المنطقة المنتقلة من بريطانيا وفرنسا إلى الولايات المتحدة أولوية، وهي المتلهّفة لأداء دور قيادي للعالم أولاً، وبهدف قطع الطريق على المعسكر الاشتراكي في الحرب الباردة ثانياً. واستغلال ثروات المنطقة، والسيطرة على قرارها السياسي ثالثاً. لذا بقيت هذه المنطقة البؤرة الأكثر توتراً في العقود السبعة الماضية في الكرة الأرضية، وشهدت حروباً ونزاعاتٍ خطيرة، ومنها بدأ تبلور شكل النظام الدولي الأخير، بعد هزيمة الاتحاد السوفياتي في أفغانستان وانهياره السريع بعدها.

ولكنّ الولايات المتحدة الأميركية استغرقت أيضاً في ملفات المنطقة ووحولها الكثيرة، فاحتلت ودمرت وهجّرت وغيّرت أنظمة ورؤوس أنظمة، وحاولت تغيير أخرى عنوة، ولكنها لم تستطع تطويع شعوب المنطقة التي قاومت وجود الولايات المتحدة وجيشها وحلفاءها. وعجزت، برغم قوتها العسكرية والتكنولوجية الأسطورية، الأقوى في تاريخ البشرية، أن تسيّل احتلالها وتفوّقها، حكوماتٍ سياسيةً، وأنظمةً تعمل في خدمة مشروعها السياسي، حتى وصل الأمر إلى انسحاب سريع ومهين من أفغانستان، تحت عدسات مصوري الكرة الأرضية، وأقمارها الاصطناعية.

لقد أوصت استراتيجية الأمن القومي في مستهل عهد الرئيس دونالد ترامب في العام 2017 بتوجيه الاهتمام الأميركي، وتوحيد الجهود في العقود المقبلة نحو الصين والمحيط الهادئ، لذلك فإنّ التخفّف من أحمال الشرق الأوسط، أصبح ضرورياً للتفرغ لمواجهة الصين. وحاول الرئيس السابق دونالد ترامب أكثر من مرة الانسحاب من سوريا، ولكن وزارة الدفاع الأميركية رفضت ذلك، وأصرّت على بقاء قواتها هناك. ما حدا بترامب إلى التصريح بأنّ منطقة الشرق الأوسط هي منطقة رمل وموت، ولا فائدة من البقاء فيها.

فقد أجهدت الحروب المتتالية التي خاضتها الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية جيشها وميزانيتها وشعبها وسمعتَها، لذا “تحاول واشنطن، منذ أكثر من عقدٍ من الزمن، خفض تدخّلها في حروب الشرق الأوسط، وتحويل انتباهها إلى آسيا. وقد تعثّرت المحاولات الأخيرة لتحويل الموارد العسكرية الأميركية بعيداً من الشرق الأوسط، بما في ذلك الانسحابات التي لم تتحقق، والحضور المعزَّز للقوات العسكرية بهدف “إعادة إرساء الردع”. الآن، تنوي الإدارة الأميركية الجديدة برئاسة جو بايدن إعادة النظر في الوضعية العسكرية الأميركية التي تعتبرها بائدة في الشرق الأوسط بغية تحرير الموارد الضرورية للتنافس مع الصين على نحوٍ أفضل. ويبدو واضحاً بصورة متزايدة أن البصمة العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط سوف تتغيّر. ولكن ليس واضحاً تماماً كيف يجب أن تتغيّر الوضعية الأميركية، وما هو السبيل لتغييرها بطريقة مسؤولة تصون المصالح الأميركية الجوهرية.

ويمكن القول بأن جذور الاهتمام الأميركي في الشرق الأوسط ظهرت خلال الحرب العالمية الثانية، حين تسببت العمليات العسكرية المتوسِّعة، بزيادة الحاجة إلى مصادر نفطية جديدة ووافرة. وقد فتح ذلك الباب أمام المقايضة، أي السماح للولايات المتحدة بالوصول إلى مصادر الطاقة في المنطقة، مقابل الحصول على الأمن. ولكن، في تلك الفترة، لم تكن هناك حاجة إلى حضور عسكري كبير للحفاظ على هذه العلاقة. ففي مرحلة طويلة من الحرب الباردة، كان الحضور الأميركي في غرب آسيا محدوداً، وكان الهدف منه الحد من النفوذ السوفياتي المتوغِّل، والتحوّط في مواجهة اجتياح سوفياتي محتمل. ولكن عقيدة كارتر للعام 1980، والهجمات على ناقلات النفط خلال الحرب الإيرانية-العراقية، والحاجة إلى احتواء العدوان العراقي في أعقاب احتلال الكويت، وحرب الخليج الأولى؛ فرضت مجتمعةً أن يكون للولايات المتحدة حضورٌ دائم أوسع نطاقاً، وهو ما شكّل جذور التموضع الأميركي الراهن في الشرق الأوسط. وبعد الهجمات الإرهابية في 11 أيلول/سبتمبر 2001، والنزاعات المتتالية في المنطقة، استمرت هيكلية القواعد العسكرية في النمو على نطاق واسع. وهكذا تضخّم حجم بعض المنشآت على غرار “قاعدة العديد” الجوية في قطر، ومعسكر “عريفجان في الكويت”، وهي تحوّلت إلى قواعد عمليات أساسية ودائمة.”

وقد كتب فرنسيس فوكوياما في 18 أغسطس من العام 2021 في أثناء انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان، في مجلة الإيكونيميست حيث قال: “لا شك أن الصور المُرعبة التي انتشرت هذا الأسبوع للأفغان وهم يستميتون للخروج من كابول، في أعقاب انهيار الحكومة التي كانت تدعمها الولايات المتحدة، مَثَّلت لحظة فارقة في التاريخ، وبداية لحقبة نأي أميركا بنفسها عن العالم… لقد استغرقت حقبة هيمنة السيادة الأميركية على العالم أقل من عشرين سنة، من لحظة سقوط جدار برلين في العام 1989 إلى لحظة الأزمة المالية في الفترة من 2007-2009 خلال تلك الفترة، فرضت أميركا هيمنتها على العديد من المجالات، العسكرية والاقتصادية والسياسية والثقافية. وقد شكَّل غزو العراق في العام 2003 ذروة الهيمنة والغطرسة الأميركية في العالم، حيث كانت تأمل أن تتمكَّن من وراء تلك الخطوة ليس فقط من إعادة تشكيل العراق وأفغانستان (التي اجتاحتها قبل عامين من غزو العراق) فحسب، بل إعادة تشكيل الشرق الأوسط بأكمله.

ومن الواضح أن أميركا قد بالغت في تقدير فاعلية قدرتها العسكرية في إحداث تغيير سياسي جذري في المنطقة، في حين قلَّلت من شأن أثر نموذج اقتصاد السوق الحر على التمويل العالمي. ولهذا انتهت هذه الحقبة بتعثُّر جيوشها في حربين، وحدوث أزمة مالية عالمية، زادت الفوارق الهائلة التي أحدثتها العولمة التي تتزعَّمها الولايات المتحدة”.

إشكالية الدراسة
تتمثّل الإشكالية الأساسية لهذا البحث في سؤال مركزي: لماذا تتمسك الولايات المتحدة بالبقاء في منطقة الشرق الأوسط، مع عدم قدرتها على تطويع شعوبه، وإخفاقها في إنشاء حكومات موالية لها، تنفّذ أجنداتها وبرامجها؟ وما هي العوامل التي تجعل واشنطن مشدودةً إلى هذه المنطقة، رغم الخسائر الفادحة التي تكبدتها، على المستويين البشري والمادي، وما هي الاستراتيجية الجديدة التي ستتبعها واشنطن في المنطقة؟

مفهوم السياسة الخارجية:
يمكن تعريف السياسة الخارجية لأي دولة بأنها ” الخطة الاستراتيجية العامة التي ترسمها دولة ما، وتنفذها بواسطة وسائل عديدة أهمها العسكري والدبلوماسي” وهناك تعريف آخر يعرف السياسة الخارجية بأنها “مجموع العلاقات الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية والثقافية لدولة ما مع دول أخرى، وهي كذلك سلسلة المواقف التي تتخذها حكومة إزاء مشكلات أو قضايا إقليمية أو دولية “

“تهدف السياسة الخارجية لكل دولة بصفة عامة إلي حفظ استقلالها وأمنها وحماية مصالحها الاقتصادية، ولتحقيق هذه الأهداف، فإنّ الأجهزة المسؤولة عن السياسة الخارجية في الدولة تضطلع بمسؤولية صنع هذه السياسة، وتبدأ عملية صنعها عندما يواجه المسؤولون بهذا الصدد موقفاً يدخل في نطاق السياسة الخارجية، كأزمة دولية مفاجئة تتطلب موقفاً إزاءها، أو سلوكاً لخصم ما، يتطلب رد فعل تجاهه، أو تنبئ بوقوع حدث دولي مهم، يستدعي الاستعداد له، وفي كل الأحوال فإنّ صانعي السياسة الخارجية يبحثون في موضوعات تخص دراسة المدى المتضمن للموقف الذي يواجه الدولة، ومدى ملاءمته للمصالح المعنية لدولتهم، وهل المصالح المطروحة حيوية أم ثانوية؟ وهل يتوقع للتطورات المتعلقة بهذا الموقف أن تمس هذه المصالح؟ فإذا انتهوا إلى ما يفيد ضرورة تحرك الدولة لحماية مصالحها؛ بدأوا في استعراض البدائل المختلفة لهذا التحرك، على ضوء إمكانيات الدولة المتاحة، بما في ذلك إمكانيات حلفائها المحتملين والمؤكدين، وكذلك إمكانيات التحركات الدولية المضادة، والخبرات الماضية لتحرك الدولة في مواقف مماثلة إن وجدت، والنتائج المتصورة لكل من البدائل المطروحة، حتى يصلوا إلى اختيار البديل الأنسب بينها؛ فيكون هو القرار المتخذ”

“وتعمل المؤسسات السياسية الضالعة بأمور السياسة الخارجية على العمل على تحديد الأهداف وتحقيق المصالح التي تهم الدولة، وهذه المؤسسات تسير على هدى مجموعة من القوانين والمبادئ المترابطة مع بعضها البعض. وهذه المبادئ توضح الدور الذي يجب أن تقوم به هذه المؤسسات، وما هي الالتزامات المتوقعة من تنفيذها لهذا الدور، وهذه المؤسسات تدرك تماماً الدور الذي تقوم به، كما أنها لا بدّ أن تتسم بالمرونة والانسجام والاستقرار من جهة، والواقعية والتنبؤ من جهة أخرى.”

تشخيص الموانع وتحديد البدائل
تتمثّل الموانع التي قد تقف حائلاً أمام تحقيق النتائج المرجوة لأهداف السياسة الخارجية بعقبتين: الأولى داخلية والثانية خارجية. تتعلق الأولى بالرأي العام وجماعات الضغط. فقد تشكّل هذه العوامل حدوداً يتعذّر على القائمين بالتخطيط، من تجاوزها.ومثال ذلك جماعات الضغط اليهودية على السياسة الخارجية الأميركية تجاه منطقة الشرق الأوسط.

أما الثانية فتتعلق بعوامل منها، قوة الدول الأخرى المواجهة (عدد سكانها، قوتها الاقتصادية والعسكرية) وتوازن القوى في هذا المجتمع، والرأي العام العالمي“وفي الإمكانيات التي تتوافر لدى القائمين على اتخاذ القرار في تقديم مجموعة من البدائل لتحقيق أهداف السياسة الخارجي. وهنا تظهر أهمية توافر الإبداع لدى المخططين، أي قدرتهم على تقديم بدائل جديدة لمعالجة المشاكل التي قد تنشأ عند هذه المواجهة، وتتوقف قدرة المخطط على الابتكار على مجموعة من العوامل منها استعداد المجموعة، والقدرة على العمل في ظل ظروف غير ملائمة، والقدرة على الحصول على أكبر قدر من المعلومات في أقصر وقت ممكن”

استخدمنا هذه المقدمة للإشارة إلى أن الولايات المتحدة تقف منذ سنوات على مفترق طرق لترتيب أولوياتها الملحّة في العالم. ومنذ تشكيل إدارة باراك أوباما تقدّم الهمّ الصيني على ما عداه، لأنّ الصين، بحسب الاستراتيجيين الأميركيين من الحزبين، تشكّل الخطر الأكبر على نفوذ الولايات المتحدة ومصالحها في العالم. لذا، شرعت الإدارات الأميركية العمل على الدفع من أجل تقديم الملف الصيني إلى صدارة المشهد، وتنحية الملفات الأخرى إلى مراتب متأخرة في لائحة الأولويات. فشهدنا الاتفاق التاريخي بين إيران وبين المجموعة السداسية الدولية، بالتوقيع على اتفاقية العمل الشاملة المشتركة في العام 2015 باحتفاء دولي وأميركي وإيراني، وشهدت علاقات إدارة أوباما مع كل من “إسرائيل” والسعودية توتراً واضحاً على خلفية الاتفاق، ولشعور الطرفين السعودي والإسرائيلي برغبة أميركية في التراجع عن الاستغراق في مشكلات المنطقة، وتوجه نحو مهادنة إيران أو احتوائها، للتوجه نحو الصين، وتركهما شبه منفردين في مواجهة الصعود الإيراني. وما إن خرج باراك أوباما من البيت الأبيض، حتى أعاد الرئيس دونالد ترامب الأمور إلى دائرة التوتر مع إيران، وهو الذي كان يحمل أيضاً مشروع الانسحاب من منطقة الشرق الأوسط، أفغانستان وسوريا، ولكنه وجد نفسه يتورّط مجدداً في وحول المنطقة التي قال عنها إنها بؤرة موت ورمال. فأعاد تزخيم المشكلات، لينسحب من الاتفاق النووي، ويتقدّم نحو معاقبة إيران عبر حملة الضغوط القصوى، وتصفير صادراتها، والدعوة العلنية إلى إسقاط النظام في طهران، وقام باغتيال اللواء سليماني وأبو مهدي المهندس أمام أعين العالم. وردت إيران بقصف قاعدة عين الأسد في العراق، ومن ثم فتح اشتباكاً كبيراً مع الحشد الشعبي في العراق، ونقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، وانخرط في صفقة القرن، وفي الضغط على بعض الدول العربية لتطبيع العلاقات بينها وبين إسرائيل، ووصلت المنطقة في نقطة ما إلى حافة الحرب الكبرى.

ومع وصول الرئيس جو بايدن إلى البيت الأبيض، وضع في أولوياته تبريد الملفات الساخنة في منطقة الشرق الأوسط، وإيقاف حرب اليمن، ووقف بيع الأسلحة إلى دول المنطقة، ولكن بعد مرور أكثر من نصف عام على توليه الرئاسة، نجد إدارته تتخبط في مشكلات المنطقة ووحولها، فلا الحرب على اليمن توقفت، والعودة إلى الاتفاق النووي لم تتحقق بعد، وبيع الأسلحة ما زال قائماً (صفقة أسلحة لمصر بـ 735 مليون دولار) وانخراط سياسي واضح ومنحاز إلى إسرائيل في معركة غزة الأخيرة، ومنع إدارته لثلاث مرات من اتخاذ قرار بوقف إطلاق النار.

الشرق الأوسط المعضلة المتجددة
لقد أفصحت استراتيجية الأمن القومي في كانون الأول/ديسمبر للعام 2017، واستراتيجية الدفاع القومي العام 2018، وفي إدارة باراك أوباما، عن رغبة الولايات المتحدة في خفض التموضع الأمني الأميركي في الشرق الأوسط. إذ تدعو استراتيجية الدفاع الوطني إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى “توسيع آليات التشاور الإقليمي” و”تعميق قابلية العمل البَيني” لتقاسم أعباء الدفاع عن حلفاء أميركا حول العالم ومصالحهم. وتتطابق هذه الاستراتيجية في الشرق الأوسط مع تصميم الرئيس السابق دونالد ترامب على تقليص المساهمة الأميركية في الأمن الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط، وجعل الدعم الأميركي مساوياً لما تدفعه الدول الخليجية. وقال: من الآن وصاعداً، سيكون على الدول الخليجية أن تدفع أكثر لتأمين نفسها، بالإضافة إلى “تعويض” الولايات المتحدة عن كلفة الدفاع عنهم طيلة العقود السابقة. كما تتوقّع إدارة ترامب من البلدان العربية، بقيادة السعودية، أن تواصل، وأن تدعم السياسات الأميركية ضد روسيا والصين في مقابل الرعاية الأميركية لمشروع التحالف الجديد”.

في الرابع من شباط/فبراير2021، أعلن وزير الدفاع الأميركي الجديد لويد أوستن أن وزارته ستباشر بمراجعة وضع القوة العالمية للبصمة العسكرية الأميركية ومواردها واستراتيجيتها ومهامها. وفي السابق، ركزت “الاستراتيجية الأمريكية للدفاع الوطني” للعام 2018 لإدارة ترامب على التنافس مع الصين وروسيا كأولوية قصوى، وقد يتمكن البنتاغون أخيراً من تحقيق هذه النية في ضوء إطار العمل الراهن في الشرق الأوسط، ورغبة إدارة بايدن في تحويل التركيز بعيداً عن المنطقة.

وفي السياق نفسه تقول الكولونيل كريستين ماكفان، وهي من “القوات الجوية الأمريكية”، وزميلة في معهد الشرق الأدنى للدراسات في واشنطن “يجب على واشنطن أن تعطي الأولوية الآن لمهام ملحّة أخرى – وتحديداً طمأنة الحلفاء، وردع إيران، ودعم الديمقراطية وتقليص درجة الانكشاف وخفض التكاليف، مع الهدف الرئيسي المتمثل في تحرير الموارد اللازمة من أجل التحوّل الاستراتيجي للإدارة الأمريكية إلى منافسة القوى العظمى. وقد بدأت بالفعل الجهود لزيادة الخيارات غير العسكرية لواشنطن، مثل تعزيز السلك الدبلوماسي، وإصلاح العلاقات مع الشركاء، وإعادة تأكيد التزام الولايات المتحدة بالمنظمات الدولية. لكن لا يزال من الضروري أن يفكر البنتاغون في كيفية تطوير وضع قوته من أجل تحقيق جميع الأهداف الأخرى”.

نقل المقرات الأمامية إلى الوطن
علم الأميركيون أنّ الانفتاح الزائد أدى إلى خسائر كبيرة في الأرواح وفي الميزانيات، وكان في غير مكان منه غير مفيد، بل كان مضراً وخاسراً. “ربما يتضمن التغيير الأكثر جذرية لتقليل البصمة العسكرية الأميركية تقليص عدد موظفي المقرّات الرئيسية في الشرق الأوسط، وإعادة دمجها في الولايات المتحدة خلال العقد المقبل، مع الحفاظ على عدد كافٍ من الأفراد لتلبية الاحتياجات العملياتية. فالتحسينات الراهنة على مستوى تبادل المعلومات والتكنولوجيا تسمح للمحاربين، ولعناصر الدعم بمشاهدة الصور التشغيلية لساحة المعركة في وقتها الفعلي تقريباً مهما كان موقعها. ولا تترك هذه القدرة سبباً يُذكر للاحتفاظ بعدد كبير من الموظفين المنتشرين في المراكز الأمامية في قطر أو الكويت أو البحرين – خاصةً عندما يَعتبر المرء أن وجود قوة كبيرة في الخليج معرض دائماً للهجوم الإيراني، وأن التهديدات الوجودية المحتملة للولايات المتحدة تلوح في الأفق في أماكن أخرى. تضيف الكولونيل “ماكفان.

ولهذا التحول فوائد عديدة ممكنة. فالمقرات الرئيسية بوضعها الحالي تتضمن تمركز عشرات الآلاف من القوات وأفراد أسرها في الخليج، ما يعني أن إعادتهم إلى الوطن ستقلل إلى حد كبير من التهديد الإيراني على أرواح الأمريكيين، وستلغي فائض المهام المنجزة في المقرات الأمامية والخلفية، في حين أن دمج مراكز التحليل والمراقبة من شأنه أن يسمح ببناء قوة أصغر، وأكثر فعالية. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ نقل القيادة المركزية للقوات البحرية الأمريكية من البحرين، يعني أنّ جميع القيادات الفرعية المركزة على الشرق الأوسط ستصبح ضمن المنطقة الزمنية نفسها – وهذا عامل لا يُستهان به عند محاولة الحفاظ على الكفاءة، وإبقاء جميع القوات على اتفاق وتفاهم. ومن المؤكد أن هذا التحول قد يُعتبر ضربة كبيرة لشراكات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، حتى لو كان هذا التحول تدريجياً. ومع ذلك، فهي الطريقة الممكنة الوحيدة لتخصيص المزيد من الموارد لأولوية الولايات المتحدة المتمثلة في المنافسة بين القوى العظمى”.

في هذا السياق، يقول الكاتب والأكاديمي الأميركي عزيز رنا مناقشاً العقيدة الخارجية لإدارة الرئيس الأميركي جوزيف بايدن في مقالة في دورية “فورين بوليسي”: عندما يعلن بايدن أن “أميركا عادت” وهي “مستعدة لقيادة العالم”، فإنه يشير إلى تحوّل في اللهجة، وليس في الجوهر. فالرؤية الأميركية المانوية Manichean المعهودة منذ زمن طويل للعالم – مع حلفائها “الثابتين” والدول “المارقة” – لا تزال راسخة. والمشكلة أن هذه الرؤية هي التي تفاقم الأزمات ذاتها التي يتصور بايدن أنّ بإمكانه حلّها الآن بمجرد العودة إلى البئر (المصدر).

فوزير الخارجية، أنتوني بلينكن، كان قد خدم في وزارتي خارجية كل من الرئيسين بيل كلينتون وباراك أوباما. وفي عهد بوش (الابن)، تولى منصب المدير الديموقراطي للجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، وهي اللجنة التي أشرفت على قرار موافقة الكونغرس على حرب العراق. أما جيك سوليفان، مستشار بايدن للأمن القومي، فقد عمل في البيت الأبيض في عهد أوباما، وعمل كذلك في حملة هيلاري كلينتون للعام 2016. الرجلان (بلينكن وسوليفان) أدّيا دوراً مركزياً في تشكيل نهج ديموقراطي معيب أساسه التدخل في الشرق الأوسط.

في النهاية، فإنّ المصالح الأميركية لا تخدمها الشراكات الجيوسياسية القائمة، ولا الأرخبيل المترامي الأطراف من القواعد العسكرية، ولا السعي المستمر للسيطرة المسلحة. ولكن مراجعة المبادئ الأساسية للأولويات الأميركية ستتطلب تحولات ديموقراطية شبيهة بما بدأنا نراه على الجبهة المحلية. وما لم يتم تعيين مفكرين جُدّد في مؤسسة السياسة الخارجية للحزب الديموقراطي، فإنّ بايدن ومن سيخلفه سوف يروّجون حتماً للنموذج الذي كانت تعتمده القيادة الأميركية في القرن العشرين، وهو نموذج غير مناسب لتحديات القرن الحادي والعشرين العالمية.

وفي مقابلة مع أناتول ليفن ناقشه فيها مايكل يونغ حول المسار الذي اتخذته الولايات المتحدة بخصوص مشروع الشرق الأوسط الكبير، وكيف أخطأت فيه، نشره مركز مالكوم كير- كارنيغي للشرق الأوسط. يقول إنه كان بإمكان الولايات المتحدة بالتأكيد أن تتعامل مع انسحابها من التدخل المفرط أثناء رئاسة جورج دبليو بوش بشكل أفضل بكثير. وفوق كل ذلك، كان من الممكن أن ينطوي هذا على محاولة مبكرة وأكثر عزماً للتقارب مع إيران. كان سيشمل أيضاً جهوداً أقوى للحد من نفوذ المملكة العربية السعودية وسلوكها، وبالطبع كان يمكن أن يستبعد انسحاب ترامب من المعاهدة النووية مع إيران. ترتبط أسباب هذا الفشل الأمريكي بالسياسة الداخلية للولايات المتحدة، وتأثير اللوبي المؤيد لـ”إسرائيل” أكثر من ارتباطها بالمصالح القومية الأميركية، أو احتياجات الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط.

إدارة الخصوم، إعادة تشكيل الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط
في دراسة أعدّها مجموعة من الباحثين أبرزهم البروفيسورة (داليا داسا كاي) Dalia Dassa Kaye . الباحثة في مركز ويلسون ومؤسسة راند، والتي شغلت سابقاً منصب مديرة مركز راند للسياسات العامة في الشرق الأوسط، وجيف مارتيني Jeff Martini، وهو كبير باحثي مؤسسة راند لمنطقة الشرق الأوسط. ترى هذه الدراسة في جانب منها، أن السياسات طويلة الأمد للولايات المتحدة في المنطقة لم تحقّق مصالحها، ولم تساعدها في التكيّف مع المعطيات الإقليمية الجديدة، والضرورات الاستراتيجية. وبالتالي تطرح أسئلة جدّية حول مزايا اعتماد سياسة أميركية بديلة في الشرق الأوسط، ترتبط فيها الأهداف الاستراتيجية بفهم أوسع لمبدأ الاستقرار، بحيث تعطي الأولوية لخفض الصراع، وتحسين الحوكمة، وزيادة النمو والتنمية والاستثمار الاقتصادي والدبلوماسي. كما تُنبّه الدراسة إلى ضرورة إعادة النظر في موضوع الشراكة المبنية على مبيعات الأسلحة لدول الحلفاء في المنطقة، “وذلك لأنه مع حدوث أي تغييرات في السياسة الخارجية لهؤلاء الحلفاء، قد تقع الولايات المتحدة تحت خطر تسرب هذه التكنولوجيا لمنافسيها بحيث يقومون بتطويرها سريعاً واستخدامها ضدها”.

وفي دراسة مفصلة يوصي كلّ من دافنا راند وأندرو ميللر عَنوَناها بـ”إعادة تصور إستراتيجية الولايات المتحدة في الشرق الأوسط” ونشرها “مركز راند” يوصي الباحثان بإجراءات محددة منظمة في الركائز الثلاث التالية:

1- تحويل الموارد من الاعتماد الكبير الحالي على الأدوات العسكرية إلى نهج أكثر توازناً يعطي الأولوية للاستثمارات الاقتصادية والحوكمة والدبلوماسية والبرامج التي تركز على الناس.

2- تفضيل أفق زمني طويل الأجل للحد من الصراع الإقليمي، ودعم النمو والتنمية، حتى على حساب المخاطر قصيرة الأجل.

3- العمل متعدد الأطراف مع شركاء عالميين وإقليميين لمواجهة التحديات الرئيسية.

ولكن “يُعتبَر الحفاظ على إمكانية الوصول العسكري الأميركي، والقدرة على التحليق في المجال الجوّي أساسياً من أجل تزويد الولايات المتحدة بالمرونة الضرورية للتحرر من الوجود الدائم في القواعد التقليدية في الشرق الأوسط. وهي مهمّة صعبة في الأغلب، فقد أصبحت القواعد رموزاً للالتزام الأمني الأميركي، وتُستخدَم بمثابة خطوط دفاع أوّلية عند التعرّض لعدوان مناوئ. وفي هذا الإطار، يجب توجيه رسالة إلى الشركاء في الإقليم مفادها أن ما تقوم به الولايات المتحدة هو تصويب للحجم، وليس انكفاءً، من أجل عدم الإضرار بالعلاقات مع هذه الدول، وهي ليست مهمّة سهلة، لكنها ذات أهمية حيوية لنجاح أي بصمة أميركية في المستقبل. وكي لا تغرق الولايات المتحدة في نزاعات إقليمية تتطلب من جديد بصمة عسكرية كبيرة الحجم، سوف تكون الدبلوماسية عاملاً رئيساً لصون العلاقات الأميركية مع الشركاء الإقليميين الأساسيين وضمان الوصول العسكري الأميركي المستمر”.

إسرائيل والارتباط المُكلِف
في ملفات الإقليم المعقّد، ترتبط الولايات المتحدة في مجموعة من الملفات التي أثبتت أنّ الاستغراق فيها، ومقاربتها من ناحية عسكرية ؛ جعلها تتورط بشكل أكبر، وتدور في حلقة مفرغة، واستنزف جزءاً معتبراً من مواردها المادية، وفقدت ثقة كثير من الأطراف التي جعلتها وسيطة، وتفاقم عداء القوى الخصمة لها في المنطقة. وشكلت إسرائيل أحد المداميك الاستراتيجية للولايات المتحدة ومصالحها في الشرق الأوسط.

وفي مقابلة مع مايكل يونغ نشرها معهد كارنيغي يقول أناتول ليفن عن علاقة الولايات المتحدة بإسرائيل:” لقد نشأت الولايات المتحدة – أو على الأقل المؤسسة الأميركية – على اعتبار أنّ إسرائيل جزءٌ من الولايات المتحدة تقريباً، أو على الأقل مرتبطة بها ارتباطاً وثيقاً، بالثقافة والمجتمع والقيم. إنها تشبه إلى حد ما الطريقة التي اعتاد البريطانيون على رؤية أستراليا أو بالطريقة التي ينظر فيها الروس إلى صربيا. وكانت النتيجة أن أعداء ومنتقدي “إسرائيل” يُنظر إليهم تلقائياً على أنهم أعداء للولايات المتحدة. ومع ذلك، قد يتغير هذا تدريجياً بين الليبراليين الأمريكيين – شاهد كتابات بيتر بينارت في صحيفة نيويورك تايمز-، فكان من المستحيل التعبير عن وجهات نظر مثله قبل عقد من الزمان.”

ويضيف: لا أعتقد أن الولايات المتحدة تريد أن تنفصل عن الشرق الأوسط. إنها تتراجع عن الاشتباك المكثف إلى حد كبير، وهو ما كان ناتجاً عن نهاية الحرب الباردة، وبدء “الحرب على الإرهاب”، وقبل كل شيء غزو العراق. تأتي علاقة الولايات المتحدة المعقدة بالإسلام جزئياً من الاختلاف الحقيقي في القيم، ولكن أكثر من ذلك بكثير من الدوافع المتناقضة للولاء الأميركي لـ”إسرائيل” (وهو أمر لا يحظى بشعبية كبيرة بين معظم المسلمين، ويجعلهم ينتقدون الولايات المتحدة بحكم الأمر الواقع) وتحالفات الولايات المتحدة مع المملكة العربية السعودية والأردن ودول إسلامية أخرى، الأمر الذي يتطلب موقفاً محترماً تجاه الإسلام. أتوقع أن يستمر هذا التوتر لفترة طويلة قادمة.”

عن دور اللوبي اليهودي وعلاقة الولايات المتحدة بإسرائيل
في دراسة للدكتور وليد عبد الحي يبحث فيها عن دور اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة الأميركية، يشير عبد الحي، وهو المتخصص في العلاقات الدولية والدراسات المستقبلية، إلى “أنّ من الضروري التنبه إلى أن جماعات الضغط المساندة لـ”إسرائيل” ليست مقتصرة على الأعضاء اليهود، بل هناك بين أعضائها مسيحيون (خصوصاً من الإنجيليين)، وتقدر أحد أهم جماعات الضغط المسيحية المؤيدة لـ ”إسرائيل” “مسيحيون متحدون من أجل إسرائيل Christians United for Israel”بأن عدد أعضائها تجاوز الـ خمسة ملايين عضو، وقد تأسست هذه الجماعة الضاغطة من قبل أحد الكنائس المسيحية في تكساس”.

ومن الضروري الإشارة إلى أنّ إن هناك يهوداً أمريكيين يعارضون السياسات الإسرائيلية، أو ليسوا معنيين بجماعات الضغط اليهودية، مما يعني أن تعبير اللوبي اليهودي أو الإسرائيلي هو تعبير فيه بعض “اللُبس”، ويكفي على سبيل المثال أن نشير إلى أن(44%) أربعة وأربعين في المئة من يهود نيويورك (وهي التي تضم أكبر تجمع لليهود في العالم بعد “إسرائيل”) ليسوا على صلة بأي من المؤسسات الدينية أو غير الدينية اليهودية، كما أن هناك شخصيات يهودية من ذوي الخبرة في العمل مع جماعات الضغط اليهودية والانتساب لها، بدأوا في نقد عمل هذه الجماعات، بل ويدعون للتوازن في السياسة الأميركية في الشرق الأوسط. وفي قراءة تاريخية لآلية اتخاذ القرار الأميركي عند تضارب المصالح مع “إسرائيل”، يتبيّن أنّ الحكم على وزن اللوبي اليهودي في القرار الأميركي يجب أن يقوم على أساس مراعاة بُعدين هما:

1- إن تطابق المصالح الاستراتيجية بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” يجب أن لا يحسب باستمرار وبالضرورة على أنه نتيجة لجهد اللوبي اليهودي، بل قد يكون التطابق نتيجة لمعطيات الواقع، وضرورات إدارة السياسة الخارجية لكل من طرفي العلاقة.

2- إن تحديد وزن اللوبي في القرار الأميركي يحتاج إلى مراقبة هذا الوزن عند تضارب المصالح الأميركية العليا مع المصالح الإسرائيلية، لمعرفة مدى تأثير اللوبي في تكييف القرار لصالح “إسرائيل” على حساب المصالح الأميركية.

إن الاتجاه الأعظم Mega Trend في التاريخ، هو أنّ الدولة العظمى هي التي تتحكّم في الدولة الصغرى، ولم يقدّم لنا التاريخ القديم والمعاصر نماذج كافية على أن الدولة الصغرى تتحكم في القرار الاستراتيجي للدولة العظمى، لكن بعض الدراسات الأميركية المهمة تنطلق في مجال تحديد وزن اللوبي اليهودي في السياسة الخارجية الأمريكية من نقطة محددة، وهي أن السياسة الأميركية تعبير عن مساومات بين جماعات ضغط متنوعة ومتباينة، لكن جماعة الضغط الأكثر نجاحاً في شدّ السياسة الأميركية نحو مصالحها هي جماعات الضغط اليهودية، والتي نجحت في زرع فكرة أنّ المصالح الأميركية والإسرائيلية متطابقة، وهو ما يفسّر التناغم العالي في توجهات الدولتين”.

ويظهر من خلال الاسترجاع التاريخي للأحداث، إنّ طبيعة السياسة الأميركية هي نفسها في مناطق العالم كلها، ويكفي أن نشير إلى أن واشنطن، وطبقاً لمكتب خدمة أبحاث الكونجرس(CRS Congressional Research Services) الأميركي، تدخلت عسكرياً في مناطق العالم المختلفة خلال الفترة من 1948 (تأسيس “إسرائيل”) إلى 2017 (فترة حكم ترامب)، ما مجموعه (188) مئة وثمان وثمانين مرة. كما حاولت خلال الفترة 1947-1989 تغيير النظام السياسي في عدد من دول العالم بواقع (72) إثنين وسبعين مرة، أي بمعدل 2.72 تدخلاً في العام الواحد، أي أن جوهر سياسات الولايات المتحدة الخارجية هي العدوان والتدخل في الدول الأخرى لضمان مصالحها بالقوة العسكرية. وعليه، فإنّ السياسة الأميركية في المنطقة العربية لا تختلف كثيراً من حيث الجوهر عن سياستها في كل المناطق الأخرى التي لا دور فيها لجماعات الضغط اليهودي، فسياستها في جوهرها هي ذاتها، بغضّ النظر عن وجود اللوبي اليهودي من عدمه.

إن تطابق السياسات الأميركية الإسرائيلية بحكم الطبيعة التي تجمع الطرفين كدول استعمار استيطاني، إلى جانب التداخل في التراث الديني، ولا سيّما مع الغالبية البروتستانتية في المجتمع الأمريكي، هو ما يجعل البعض يبالغ في دور اللوبي اليهودي، لكن الخبرة التاريخية تشير إلى أن تضارب المصالح الاستراتيجية العليا ينتهي في القرار الأميركي لصالح أولوية المصالح الأميركية على الإسرائيلية.

من هنا ندرك لماذا تُسهم شخصيات مهمة من المؤثرين في السياسة الأميركية في الدعوة إلى البقاء في الشرق الأوسط، على الرغم من الخسائر الكبيرة، والهزائم العسكرية المتلاحقة، وآخرها الهزيمة المدوّية في أفغانستان، إضافة إلى المردود السياسي الضعيف، والقليل مقارنةً بالإمكانيات والموارد المستخدمة، في هذا السياق يدعو الدبلوماسي الأميركي السابق الإسرائيلي الهوى دينيس روس “Dennis Ross” في مقالة نشرت بصحيفة نيويورك تايمز في آب 2021 يتحدث فيها عن أهمية عدم تخلي الولايات المتحدة عن مسؤولياتها، وإعادة تأكيدها على التزاماتها، وذلك على خلفية التطورات الأخيرة في أفغانستان. وينصح إدارة الرئيس جو بايدن، بأن تؤخّر الانسحاب من أفغانستان، تزامناً مع مشاهد الهروب الكبير من كابول، في تغاضٍ واضح، وغير مفهوم عن وضوح الهزيمة في أفغانستان، فما زال دينيس روس وغيره، يتوهمون أنّ قدرة الولايات المتحدة وتنفيذ برامجها، هي أوامر يجب أن تطاع، ويتغاضون عن الوقائع العسكرية والأمنية على أرض الواقع. يوصي روس بضرورة أن تبحث إدارة جو بايدن أيضا مع حلفائها الأوروبيين والأطراف المعنية خطة طويلة الأمد في “الشرق الأوسط الكبير” وأنّ الوقت غير مناسب لإخراج القوات الأميركية من المنطقة، بما في ذلك القوات الموجودة في العراق وسوريا، وأنّ الولايات المتحدة لا يمكن أن تسمح لداعش أو لغيرها من “المنظمات المسلحة” بإعادة تنظيم صفوفها. وأنّ تشرح واشنطن بشكل واضح أهدافها في الشرق الأوسط، والخطوات التي هي مستعدة لاتخاذها من أجل تحقيق هذه الأهداف، فضلاً عن تقديم شرح واضح للأدوار التي تحتاجها من حلفائها.”

أفغانستان مقبرة الإمبراطوريات، والمصداقية الأميركية
لقد شغلت بعض الدول في المنطقة الاهتمام الرئيس في أجندة الولايات المتحدة الأميركية، وأسفر عن هذا الصراع نتائج كارثية على الشعوب، وعلى بنية الدول فيها، جراء التدخل الأميركي، وبسبب الحجج التي ساقتها واشنطن لتسويغ تدخلها العسكري فيها، مرةً لمحاربة الإرهاب، ومرة لضمان العملية الديمقراطية، وحفظ حق الشعوب في اختيار أنظمتها الديمقراطية، ومرة ثالثة لتغيير هذه الأنظمة التي تعتبرها واشنطن مخالفة للسياسة الأميركية، فأطلقت عليها دول “محور الشر”. لذا سنتناول في هذا الجزء من البحث الدول الأكثر أهمية، والتي شغلت الحيز الأكبر في العقدين السابقين، وأسهمت فعلياً في اتخاذ القرار الأميركي الكبير في الخروج من الشرق الأوسط، أو إعادة الانتشار العسكري والسياسي فيه، والانتقال إلى استراتيجية جديدة..

سنبدأ من أفغانستان التي صدق عليها القول إنّها “مقبرة الإمبراطوريات” وهذا ما كرّسه التاريخ الحديث، ابتداءً من هزيمة الإمبراطورية البريطانية في منتصف القرن التاسع عشر، مروراً بهزيمة الاتحاد السوفياتي في نهاية ثمانينيات القرن العشرين، وانتهاءً بالهزيمة المدويّة للإمبراطورية الأميركية في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، في أطول حرب عسكرية تخوضها الولايات المتحدة في تاريخها.

وتلفت كريستينا لامب، وهي كبيرة مراسلي الشؤون الخارجية بصحيفة “صنداي تايمز” (The Sunday Times) البريطانية- إلى أن التدخل الأجنبي في أفغانستان بدا في مستهل الحملة العسكرية أنه سيكون تجربة ناجحة، فقد دخلت الولايات المتحدة إلى أفغانستان في أكتوبر/تشرين الأول 2001، وهي تحظى بدعم الأمم المتحدة وتستمد عنفوانها من غضب عالمي تجاه هجمات 11 سبتمبر/أيلول على واشنطن ونيويورك.

وبدت العملية -التي لم تفقد فيها أميركا سوى أربعة جنود فقط، ثلاثة منهم بنيران صديقة- في مستهلها أنموذجاً للتدخل، وبلغت تكلفتها الإجمالية (3.8) ثلاث مليارات وثمانمائة مليون دولار.وكان جراء ذلك هزمت حركة طالبان، وغادر أسامة بن لادن إلى باكستان، ومنذ ذلك الحين، لم تعد إدارة جورج دبليو بوش تعرف ما تريد تحقيقه في أفغانستان على ما يبدو.”

وفي السياق نفسه كتبت صحيفة “الغارديان” البريطانية، مؤخراً إنه لم يعد أمام الغرب في أفغانستان خيارات سوى الانخراط في الواقع الجديد. وعلقت “الغارديان” في افتتاحيتها على أن الخروج الأميركي من أفغانستان يعتبر إخفاقاً استراتيجياً ذريعاً، قلّل من قدرة الغرب على التأثير في الأحداث، قائلة: “في الوقت الذي تغادر فيه طائرات الإجلاء الأخيرة من كابول، وراقبها اليائسون الذين تركوا في الخلف يواجهون المخاطر، فعلينا مواجهة تداعيات الفشل الاستراتيجي الدائمة”.

أما في أفغانستان، فقد رسم جو بايدن خطاً أحمر لعدم العودة إلى هناك، يتمثل في عدم حصول هجمات على الأراضي الأميركية من قبل تنظيمات تتخذ الأراضي الأفغانية مقراً لها. وهو لا يهتم كثيراً بمن يحكم هذا البلد المعقّد، سواء الحكومة الحالية الموالية للغرب أو طالبان. وطالما لا تتعرض الولايات المتحدة لهجمات على غرار 11 أيلول/سبتمبر 2001، فإنها لن تعود عسكرياً إلى هناك. وهذا مغزى الاتفاق الذي كان الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب قد وقّعه مع حركة طالبان في شباط/فبراير 2020، والتزم بايدن تنفيذه على عكس كثيرٍ من الخطوات التي اتخذها ترامب وعكسها بايدن لدى دخوله إلى البيت الأبيض. وفي حال العراق، الأمر مختلف، إذ أن “داعش” وفروعه المختلفة في العالم لا تزال تضرب حيث يتسنى لها في مناطق متنوعة من العالم، على الرغم من أن أراضي “الخلافة” التي أعلنت في العام 2014 في سوريا والعراق قد زالت. لكن التقديرات الأميركية تفيد باستمرار وجود ما يتراوح بين ثمانية آلاف وستة عشر ألف مقاتل لـ”داعش” عبر الحدود العراقية – السورية، وهكذا، يبدو أن إبقاء 2500 جندي أميركي في العراق و900 آخرين في سوريا، هو خارج الاتجاه الأميركي العام إلى سحب المزيد من القوات الأميركية من الشرق الأوسط، من أجل التركيز على منطقة آسيا- المحيط الهادئ مع تصاعد المواجهة مع الصين. وفي هذا الصدد، تقول المسؤولة السابقة في البنتاغون ميشيل فلورنوي، إنه “على رغم النقاشات التي تمنح أولوية لمنطقة آسيا-المحيط الهادئ، فإننا لم ننقل بعد كل ثقلنا في ذاك الاتجاه”.

وكتب المسؤول السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية غراهام فولر، مقالة في موقع “ريسبونسبل ستيت كرافت”، تناول فيها الانسحاب الأميركي من أفغانستان، وسيطرة حركة طالبان على السلطة في كابول. وقال إن الأمر كان مفاجئاً لصانعي السياسة الحاليين، أكثر من المراقبين الذين لديهم إلمام طويل بديناميكيات أفغانستان. فالأمر كان حتمياً منذ فترة طويلة نظراً إلى الطموحات غير الواقعية، والتنفيذ السيء للسياسة التي حافظت عليها واشنطن في أفغانستان. ويجادل جميع المحافظين الجدد، الإمبرياليون الجدد، بأن رحيل الولايات المتحدة والانهيار اللاحق لحكومة كابول هما أمران مدمران بشدة “لمصداقية” أميركا كقوة عظمى في العالم. الأيديولوجية الأساسية لوجهة النظر هذه هي بالطبع المفهوم المتمثل في أن الولايات المتحدة يجب أن تعمل كشرطي عالمي في كل مكان، وأنّ الفشل في القيام بذلك هو علامة على الضعف والانحدار. وإن الانحدار العام لأميركا محلياً وجيوسياسياً هو العلامة الواضحة على ضعفها الأعمق. هناك اعتقاد دولي متزايد بأن الولايات المتحدة تعيش داخل فقاعة خيالية من الإنكار بشأن الحفاظ على هيمنتها العالمية. إذا كان الوجود العسكري الأميركي في أفغانستان لمدة عشرين عاماً قد أظهر بالفعل أيّ تقدم ملموس جاد نحو أهداف ملموسة، فسيكون ذلك شيئاً واحداً. لكن المحافظين الجدد يكتفون برمي أموال تلو أخرى في السعي الأعمى إلى الهيمنة – حتى في قلب “مقبرة الإمبراطوريات”.

وخلص الكاتب إلى القول: يستحق الرئيس الأميركي جو بايدن قدراً من الائتمان على الأقل لإغلاقه أخيراً صنابير الدم والكنوز الأميركية في أفغانستان بعد عقدين من الحرب. نأمل أن تكون هذه بداية لمزيد من الواقعية من جانب المفكرين الجيوسياسيين في واشنطن بشأن الحدود الجديدة للقوة الأميركية، والحاجة إلى رؤية أكثر تواضعاً بكثير لما يشكل فعلاً المصالح الأميركية.”[29] لذا، فإنّ إخفاق المشروع الأميركي في آسيا، المتمثّل في قطع الطريق الجيوسياسي على روسيا والصين بوجه الخصوص، وإخفاق القيادة الأميركية لفكرة أنّ دعم أميركا لحلفائها ليس بلا حدود، خاصة أن الصين وروسيا تتجهان إلى توسيع نفوذهما، ومن المحتّم أن يثير تراجع أميركا الشكوك في مصداقية هذه القيادة الأميركية للنظام الإمبريالي والتي بدأت بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. وها هو بايدن يحاول لملمة البيت الذي كاد ترامب أن يطيح به عبر سياسة: “أميركا أولاً”.

إنّ العرقلة التي واجهتها القيادة الأميركية في تحقيق كامل أهدافها في المنطقة، سوف يترسخ الآن بسبب أفغانستان، وستترسخ معه فكرة، انه لا يمكن الاعتماد على القيادة الأميركية في كل شيء، وستشعر العديد من الدول التي تدور في الفلك الأميركي بتداعيات فشل القيادة الأميركية، بما في ذلك تايوان وأوكرانيا والفيليبين وإندونيسيا، والأكراد، وربّما إسرائيل. يقول رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان البريطاني توم توجندهات: إنّ ما جعل الولايات المتّحدة قويّة وغنيّة هو أنه منذ العام 1918 حتى 1991 وما بعده كان الجميع يعلم أنه يمكن الاعتماد عليها في الدفاع عن العالم الحر (عن النظام الإمبريالي الرأسمالي)، وإن حلفاء أميركا سيتساءلون بعد الانسحاب المفاجئ من أفغانستان بعد عشرين عاماً من الاستثمار في الأرواح والجهود، عما إذا كان عليهم الاختيار بين الديمقراطيات (الليبرالية) والأنظمة «الاستبدادية» (الدول الصاعدة كروسيا والصين).”

العراق، سوريا، إيران، ملفات متشابكة
أما سوريا التي شكّلت في العقد الماضي أحد البؤر الجغرافية التي تمدّد فيها الوجود العسكري الأميركي، وهو وجود استظلّ بمحاربة تنظيم داعش. ويدور اليوم جدل كبير في واشنطن حول الوجود العسكري في سوريا وأهميته وغايته وأهدافه. وكان الرئيس السابق دونالد ترامب قد عزم على الانسحاب من سوريا مرتين على الأقل، ولكن جوبه بالرفض من المؤسسة العسكرية، التي يعتقد مسؤولون عسكريون أميركيون فيها أنّه في حال الانسحاب الكامل من العراق، لن يكون في إمكان حوالي الألف جندي أميركي ينتشرون الآن في منطقة سيطرة “قوات سوريا الديموقراطية” التي يقودها الأكراد في شرق سوريا، البقاء في هذه المنطقة المهمة جداً التي تخدم سياسة الضغط الاقتصادي الذي تمارسها واشنطن على سوريا. إذ أن آبار النفط، وحقول القمح تتركز في هذه المنطقة. ومن شأن استرجاع الدولة سيطرتها عليها، يمكن أن تشكل للسوريين متنفساً اقتصادياً حاسماً. وما دامت الولايات المتحدة لا تملك مقاربة للحل في سوريا غير سياسة العقوبات، فمن غير الوارد سحب القوات الأميركية من شرق سوريا حالياً. إضافة إلى أن الداخل الأميركي لا يضغط على إدارة بايدن للانسحاب من العراق، ولا يزال كثير من المسؤولين لا يزالون ينتقدون باراك أوباما على إنجازه الانسحاب الكامل في العام 2011، ومن ثم مسارعته إلى العودة في العام 2014 لمواجهة “داعش”. ولأنّ الوجود العسكري في سوريا قليل الكلفة من الناحيتين المادية والبشرية، وله مردود سياسي وعسكري كبير، فإنّ الانسحاب من شرق سوريا مرتبط بصفقة مع الجانب الروسي يحفظ مصالح واشنطن وحلفائها فيها.

الانسحاب من العراق تضارب وتخبّط
يكتنف الوجود العسكري الأميركي في العراق الكثير من التناقضات، ويحوّل السؤال بشأن انسحاب القوات الأمريكية من العراق إلى ما يشبه اللغز، حيث إنّ الغموض المحيط بتلك النقطة يزداد كثافةً، في ظل تصريح جو بايدن بـ”إنهاء المهمة القتالية” بحلول نهاية العام 2021، ونفي قائد القيادة المركزية الأميركية، الجنرال كينيث ماكنزي في 30 نيسان 2021 خروج القوات الأمريكية من العراق، وتوقف العمليات القتالية فيه. وهذه ليست أول مرّة تتضارب فيها التصريحات الأمريكية وتتناقض بخصوص انسحاب القوات الأميركية من العراق، ففي نيسان 2021 صدر بيان مشترك عن وزيرَيْ خارجية البلدين، يفيد باستمرار عملية سحب واشنطن جنودها المقاتلين من بغداد، وفي الوقت نفسه نفى المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية وجود “أي تفاهم” في هذا الشأن. ولكن هناك قرار سياسي عراقي اتخذ في مجلس النواب العراقي بدابة العام 2020 أوصى بوجوب انسحاب القوات العسكرية الأميركية كاملة من العراق، وهو قرار ملزم للسلطة السياسية. ويحاول الأميركيون من حينها تسويغ وجودهم في العراق بمحاربة داعش، وتقديم الخبرة والمشورة للجيش العراقي، ولكن معظم الشعب العراقي والكتل السياسية الكبيرة ترفض هذا الوجود، ولا سيما بعد أن انته المعركة مع تنظيم داعش وتدمير بنيتيه السياسية والعسكرية.

إيران، وسياسة الاحتواء
إنّ علاقة إيران ووجودها في المنطقة، علاقة معقدة بالنسبة إلى الأميركي، ولا سيما بعدما كانت حليفاً رئيساً، وعصا غليظة للولايات المتحدة، وانقلبت إلى خصم شرس، يمتلك مشروعاً مغايراً، وطموحاً خارج الرغبة والقيد والمصلحة الأميركية، بل أصبحت داعماً فاعلاً لخصوم واشنطن وتل أبيب، وعملت على تقويض مشاريعهما في المنطقة. وعلى الرغم من الحصار والعقوبات الأميركية غير المسبوقة، والتهديدات المتتالية لطهران وحلفائها، فإنّ إيران لم تتراجع أمام الضغوط الهائلة التي واجهتها، وبقيت مصممّة على عدم الرضوخ للمطالب الأميركية، ودفعت أثماناً كبيرة. ومن هذا المنطلق توصي دراسة معهد “راند” الجديدة المعنونة بـ “إعادة تصوّر استراتيجية الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، شراكات مستدامة، استثمار استراتيجي. إدارة الخصوم” بأنّ الاستراتيجية الأميركية ستحتاج إلى قبول الوجود الإيراني في الشرق الأوسط. وإنّ فكرة إخراج إيران من المنطقة، هي ببساطة غير واقعية، بالنظر إلى حجم إيران، ودورها التاريخي في الشؤون الإقليمية. حتى أعداء إيران الإقليميين الأكثر صخباً يدركون أن إيران جزء من المنطقة. لكن سياسات الولايات المتحدة يمكن أن تهدف إلى الحد من الضرر الذي تسببه تدخلات إيران. باختصار، يجب أن يكون الهدف من استراتيجية الولايات المتحدة تجاه إيران هو احتواء وتقليل قوة إيران ونفوذها مع مرور الوقت. وإنّ إيران خصم إقليمي هائل، ولكنه تحدٍّ يمكن إدارته. ومع ذلك، فإنّ القيام بذلك يتطلب إجراء تقييم نقدي للنهج الحالي، والنظر في السياسات البديلة.”

من يملأ الفراغ؟
لقد بدأت أصوات في الولايات المتحدة تخرج للمطالبة بأن “تعتمد الولايات المتحدة هيكلية قواعد موزَّعة في أماكن عديدة، بدلاً من التعويل على قواعد عمليات أساسية. يقتضي ذلك تطوير مجموعة من القواعد الأصغر حجماً في مختلف أنحاء المنطقة، لا سيما القواعد البعيدة عن الأراضي الإيرانية، مثل قاعدة “موفق السلطي الجوية” في الأردن أو “قاعدة الأمير سلطان الجوية” في السعودية، لاستضافة القوات الأميركية بالتناوب. سيكون عدد كبير من هذه القواعد ما يوصف بالقواعد الدافئة لأن الدول المضيفة تتولّى تشغيلها وصيانتها مع احتفاظ الولايات المتحدة بالقدرة على الوصول إليها في الحالات الطارئة. وينبغي على واشنطن أيضاً تحويل العديد من المنشآت التي تُعتبَر غير ضرورية للمهام الأميركية الأساسية من “ساخنة” (hot) إلى “دافئة” (warm)، وإعادتها إلى الدول المضيفة.” انطلاقا من القرار الأميركي- المبدئي- بتقليص الوجود العسكري في الشرق الأوسط، من هي القوى المؤهلة لملء هذا الفراغ

قديما قال أرسطو: «إن السياسة مثل الطبيعة تخشى الفراغ». ولطالما تردد في الأقوال المأثورة والأمثال الشعبية أن «الفراغ يبحث دوماً عمن يملؤه». أما معترك العلاقات الدولية، فقد شهد في ستينيات القرن المنصرم ما عرف، حينئذ، بسياسة «ملء الفراغ»، التي تبنتها إدارة الرئيس الأميركي الأسبق دوايت أيزنهاور، الذي تبّنت إدارته في رسالة إلى الكونغرس يوم 5/1/1957 بعنوان “ضمان الأمن والاستقلال في الشرق الأوسط ودعم السلام العالمي” أعلن فيها مقترحات محددة عرفت باسم مشروع أيزنهاور، وعرفت بسياسة «ملء الفراغ» عقب انسحاب القوى الاستعمارية التقليدية، كبريطانيا وفرنسا من مستعمراتها في أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط، بهدف بسط السيطرة الأميركية على تلك المستعمرات، متذرعة بملء الفراغ الجيوستراتيجى الناجم عن جلاء الاستعمار الغربي، وحماية المصالح الاقتصادية للدول الرأسمالية من مخاطر الزحف الشيوعي المتعاظم وقتذاك.

ففي ثنايا رسالته أكد أيزنهاور، على أهمية ملء ذلك الفراغ، بغية احتواء التمدد السوفياتي الآخذ في التعاظم منذ أزمة السويس 1956، إضافة إلى حماية منابع النفط، وضمان أمن إسرائيل، من خلال إحلال النفوذ الأميركي محل نظيريه البريطاني والفرنسي. وتوسلاً لتلك المقاصد، طالب أيزنهاور الكونجرس بتخويله استخدام القوة العسكرية في الحالات التي يراها ضرورية لضمان السلامة الإقليمية، وحماية الحلفاء في الشرق الأوسط من أي اعتداء عسكري تشنه الشيوعية الدولية، فضلاً عن تفويضه إمدادهم بالدعم الاقتصادي، والمساعدات العسكرية.

وبينما كانت الإدارة الأمريكية، وقتئذ، مقيدة بمبدأ نيكسون الذي أعلنه الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون في يوليو من العام 1969م؛ وينص على أن الولايات المتحدة ستعمل على تشجيع بلدان العالم الثالث على تحمل مسؤوليات أكبر في الدفاع عن نفسها، وأن يقتصر دور أمريكا على تقديم المشورة والمساعدة، ” انبرت واشنطن في تأهيل حلفاء إقليميين للاضطلاع بتلك المهام. واستنادا إلى موازين القوى التي أفرزتها هزيمة 1967، أُسند الأمر إلى إيران والسعودية، ضمن تحالف تقوده واشنطن، ويعتمد «استراتيجية الركيزتين المتساندتين»، حيث شكلت إيران «الشاهنشاهية»، بذراعها العسكرية، قوته الصلبة، فيما جسدت السعودية، بنفوذها السياسي وثقلها الثقافي، قوته الناعمة”.

ومع اتخاذ الولايات المتحدة قراراً بتقليص تموضعها الاستراتيجي في أفريقيا والشرق الأوسط، توطئة للتوجه تلقاء شرق آسيا، لتحشيد الفعاليات الأمنية والعسكرية في مواجهة التنين الصيني، هرعت كل من موسكو وبكين وأنقرة وطهران، إلى محاولة ملء الفراغ الجيوسياسي الذى سينتج عن عملية إعادة الانتشار العسكري الأميركي-الأطلسي-، من خلال عقد اتفاقيات للتعاون الاستراتيجي، وإبرام صفقات للتسلح مع الدول التي ستتركها القوات الغربية، بما يتيح للأربعة الكبار في المنطقة من ترسيخ موطئ قدم استراتيجية في بقاع جيوسياسية حيوية.

في خضم انشغالها في ملء الفراغ الاستراتيجي المنبعث من الانسحاب الأميركي من أفغانستان، لم تتورع كل من روسيا والصين وإيران وتركيا، عن مد جسور التواصل مع حركة طالبان، التي أمسكت السلطة في البلاد. “فبموازاة وصف الخارجية الصينية لها كقوة سياسية وعسكرية حاسمة، يمكنها الاضطلاع بدور حيوي في عملية السلام والمصالحة وإعادة الإعمار، وتشديد بكين على أهمية الدور الإيجابي الذى يمكن أن تؤديه منظمة شنغهاي في تعزيز السلام والمصالحة وعملية إعادة الإعمار، أوردت صحيفة «ساوث تشينا مونينغ بوست»، الصينية، أن بكين ستتحرى السبل الكفيلة لملء الفراغ الأمني الذى ستتركه الولايات المتحدة في أفغانستان. وفي زيارته الثانية إلى الصين بعد تلك السرية في العام 2019، أكد وفد من حركة طالبان، في تموز 2021، أن الأراضي الأفغانية لن تُستخدم كمنصة لتهديد الصين، التي تتقاسم مع أفغانستان حدوداً جبلية، تخلو من المعابر الحدودية. بدورها، حثّت الصين، التي تتطلع لتأمين مصالح استراتيجية متنوعة، تتصدرها مبادرة الحزام والطريق، وفد طالبان، على فك الارتباط بالحركة الإسلامية لتركستان الشرقية، التي تصنّفها بكين والأمم المتحدة منظمة إرهابية.

أما روسيا، التي تعكف على استمالة حركة طالبان عبر نسج خيوط التفاهم معها، فتسعى إلى عرقلة تحركات واشنطن لإعادة التموضع الاستراتيجي في دول الجوار الأفغاني عقب انسحابها من أفغانستان، عبر إجهاض مساعيها لإقامة قواعد عسكرية، أو الاحتفاظ بقوات في تلك الدول. ومن جانبها، عمدت إيران إلى ترميم علاقاتها بطالبان وفتح خطوط التواصل معها.”[34]” إن الصين وروسيا – ومعهما إيران – تتسابقان “كي تكونا الشريك العسكري والسياسي والاقتصادي لحلفاء واشنطن، يعلّق الجنرال جوزيف فوتيل، قائد القيادة المركزية الأميركية السابق”.

وينفي أناتول ليفن، فرضية أنّ انسحاب الولايات المتحدة من الشرق الأوسط هو الذي خلق فرصاً لروسيا وإيران، قائلاً: بعد كل شيء، لطالما كان لروسيا مصالح مهمة في المنطقة، بينما كانت إيران هناك منذ 2500 عام أو نحو ذلك قبل ظهور الولايات المتحدة على الساحة. لقد تم خلق الفرص من خلال الكثير من التدخل الأمريكي الخاطئ – تدمير الدولتين العراقية والليبية، ومحاولة الولايات المتحدة السخيفة لمحاربة الدولة الإسلامية والإطاحة بالنظام السوري في الوقت نفسه. كل هذا خلق فرصة – قد تقول الحكومتان الروسية والإيرانية إنّ واجبهما – للتدخل.

موسم الهجرة من الشرق الأوسط إلى المحيط الهادئ
يقول درو طومسون، المسؤول السابق في البنتاغون المسؤول عن العلاقات مع الصين وهو الآن باحث زائر في جامعة سنغافورة الوطنية:” إن وضع الغواصات التي يصعب تتبعها بالقرب من البحار قرب الصين واليابان وشبه الجزيرة الكورية يمكن أن يكون رادعاً قوياً ضد الجيش الصيني. لقد انتهت حروب الشرق الأوسط. نحن في فترة ما بين الحربين، وستكون المرحلة التالية صراعاً مكثفاً للغاية مع منافس قريب، ربما يشمل الصين، وعلى الأرجح في شمال شرق آسيا.“فالتصميم الأميركي على تبني نهجِ فكِّ الارتباط بالمنطقة يحظى بدعمٍ قوي في الداخل الأميركي، على المستويات جميعها، والواقعيون يذهبون إلى أن الوجود العسكري ليس السبيل الأوحد لتأمين المصالح الأميركية، فالنهج الدبلوماسي المدروس والفعّال يمكن أن يحقق نتائج مثمرة، ومن يؤيد هذا النهج يعتقد أن المطلوب هو تعزيز “النفوذ” الأميركي في المنطقة، والحفاظ عليه، وهو لا يتماهى أو يتطابق، بالضرورة، مع مفهوم تعزيز “القوة“، الصلبة على وجه التحديد. يستبطن هذا النهج بأن مبدأ الردع متحقق بهذا النفوذ، وأنّ القوات الأميركية الموجودة كافية بالفعل لتأكيد هذا المبدأ، وعدم زيادتها، بل حتى تقليصها لا يخلّ بهذا المبدأ.” لذا فإنّ الحضور العسكري المباشر قد لا يكون هو العامل الوحيد لاستمرار النفوذ، مع وجود حلفاء وأدوات ومصالح ومراكز استخبارات وأجهزة أمنية، وحتى جيوش بأكملها تحقق الأهداف السياسية الأميركية، إضافةً إلى القوة والنفوذ الاقتصادي، عبر فرض العقوبات ومحاصرة الدول المشاغبة على المصالح الأميركية.

مرحلة ما بعد الشرق الأوسط
يُطرح اليوم سؤال مركزي عن الدروس المستفادة من التدخل في الشرق الأوسط، وعن الرابحين والخاسرين، وعن كل هذا الجهد المبذول في منطقة رمالها السياسية والأمنية المتحركة، وهل ستعيد الإدارات الأميركية المتعاقبة الأخطاء نفسها التي ارتكبتها إدارة المحافظين الجدد وإدارتا باراك أوباما ودونالد ترامب. وفي هذا السياق يقول أناتول ليفن: الدروس متعددة، وفي بعض الحالات تتكرر الدروس التي كان ينبغي على الولايات المتحدة تعلّمها من أخطائها (وأحياناً الجرائم) خلال الحرب الباردة مع الاتحاد السوفياتي. أولاً، هو ألّا تصبح الولايات المتحدة مهووسًة بالعدو في اللحظة المعينة بحيث يؤدي ذلك إلى إغراق مصالح مهمة أخرى. ثانياً، يجب أن تكون حريصة على عدم السماح للإيمان بالشر المطلق للعدو بتسويغ أفعاله الشريرة، ودعم أنظمتها. ثالثاً، من الضروري تماماً عدم تجميع مجموعة من الدول والقوى المختلفة جداً في العالم في معسكر عدائي واحد يُزعم أنه متجانس. ولكن هذا ما فعلته الولايات المتحدة خلال العقود الأولى من الحرب الباردة (حتى الرئيس ريتشارد نيكسون كان قد زار الصين الشيوعية)، وكرر الرئيس جورج دبليو بوش هذا بشكل كارثي بمقاربته لفكرة “محور الشر” واستخدامه الأحمق وغير الأخلاقي لأحداث 11 سبتمبر، لتبرير غزو العراق، والتي لم يكن له علاقة لها بتلك الهجمات.”

من هذه الخلفية تتوضح أهمية منطقة الشرق الأوسط التي تعيش مرحلة تحوّل كبيرة، واصطفافات جديدة في ظل القرار الأميركي التخفف من أحمالها وأعبائها. والأرجح أنَّ مسألة “إعادة الانتشار” بعض القوات لن تُخرج الشرق الأوسط بأيّ حال من اهتمامات الولايات المتحدة، ولن تسمح واشنطن بمعادلةٍ أمنيةٍ بديلة قد تطرحُها الصين وروسيا، تكون حتماً في غير صالحها.”وهناك مؤشرات جديدة على الانقسام واحتدام المنافسة الإقليمية في المستقبل المنظور.منها أنّ القوة الدافعة في الشرق الأوسط لم تعد الأيديولوجية أو الدين، وإنما السياسة الواقعية عتيقة الطراز. وأنّ التنسيق بين الإمارات والسعودية وإسرائيل ضد إيران قد يثير قلق عُمان أو قطر، وقد يدفعهما إلى الاعتماد على إيران وتركيا .والاصطفاف العربي الإسرائيلي قد يعطي تركيا وإيران أسباباً لعمل مشترك.والدعم العسكري التركي لأذربيجان قد يجعل إيران والسعودية والإمارات في اتفاق من حيث قلقها جميعاً من تداعيات مناورات تركيا الناجحة في القوقاز والعراق. وباتت الآن المنافسات الثنائية والتحولات السياسية تتولد من داخل المنطقة نفسها. لذا، “لم يعد الشرق الأوسط مجال نفوذ لأية جهة خارج حدوده، تنفرد بتقرير مصيره في هدوء.وفي غياب “مضايقات المنافسين”. وإن الشرق الأوسط يقف اليوم على حافة الهاوية. هكذا تلخص مجلة Foreign Policy حال المنطقة، التي تقف أمام مفترق طرق: المزيد من الصراعات والحروب.. أو السلام”.

من هذا المنطلق، يعيش الشرق الأوسط الآن في حالة من “ضبط أشكال” التحالفات.فنحن نشهد إعادة ضبط أنظمة التحالف المعروفة والقائمة، والتحالفات غير الرسمي، .بالتزامن مع قيام منافسين سابقين بإعادة تشكيل الشراكات لتحقيق مزايا اقتصادية جديدة، ومواجهة التهديدات الأمنية الناشئة.وهكذا تبدو الصورة المختصرة للشرق الأوسط الكبير، في نظر “كارولين روز” الباحثة السياسية بمركز “نيو لاينز” للاستراتيجيات والسياسات بواشنطن. فإنّ كل تحالفات المنطقة في نظر الباحثة قابلة للانهيار، بالنظر إلى “الانقسامات السياسية القائمة والتوترات الطائفية، وانعدام الثقة بين حكومات الشرق الأوسط التي غذّت هذه الخصومات”. لذلك “نحن اليوم أمام تحوّل جديد في المنطقة، مفاده تحييد الأزمات التي يمكن تحييدها، كلّما كان ذلك ممكناً، من أجل التفرغ للأزمات الأكثر تعقيداً. وحيث إن كافة الأطراف منهكة بفعل تحولات العقد الفائت، فإنّها ستكون مهتمة بإنجاح هذه المبادرات كلما كان ذلك ممكناً”.

“وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة غرقت طوال عقود في مستنقع الشرق الأوسط وتورّطت في النزاعات الإقليمية، ربما تُحقّق، أخيراً انعطافتها المنشودة منذ وقت طويل نحو آسيا. لقد أعلنت استراتيجية الدفاع الوطني للعام 2018 بوضوح أن القوتَين العظميين المنافستَين، الصين وروسيا، تشكّلان التهديد الطويل الأمد الأبرز للمنظومة الدولية بقيادة الولايات المتحدة. وتُشير التصريحات التي أدلى بها بايدن مؤخراً إلى أن الصين ستكون محط تركيز إدارته. وهذا يُنذر بتحوّلٍ نحو آسيا على صعيد القوات والإمكانات والموارد، ما سيؤثّر حكماً في التموضع الأميركي في الشرق الأوسط.”

ومن منطلق ربط المصالح بالمهام والبعثات، ولأنّ الخوف من ترك فراغ كبير سيملؤه الخصوم فإنّ “أيّ تغييراتٍ في التموضع الأميركي في الشرق الأوسط يجب أن يتم بطريقة مسؤولة، كي لا تمسّ بالمصالح أو العمليات العسكرية الأميركية الأساسية، ومن أجل الحفاظ على العلاقات مع الشركاء الإقليميين. إنها مهمّة صعبة، ولكن طال انتظارها. وفي هذا السياق، تُتيح مراجعة تموضع القوات الأميركية في العالم التي أعلن عنها وزير الدفاع الأميركي الجديد لويد أوستن في شباط/فبراير 2021 فرصةً من أجل إرساء الأسس اللازمة لإعادة النظر في الوجود الأميركي في الشرق الأوسط، فالمراجعة ترمي إلى الربط على نحوٍ أفضل بين البصمة العسكرية الأميركية في العالم، والمصالح القومية. مع مرور الوقت، اضمحلّت أهمية المصالح الأوّلية التي كانت في أساس الوجود الأميركي في المنطقة، فمصادر الطاقة لم تعد تشغل المكانة نفسها كما في السابق، وفي المراحل المقبلة، ينبغي أن يقوم الوجود العسكري الأميركي على القيمة الاستراتيجية الفعلية، لا على دعم الأهداف المتعلقة بالحفاظ على الإرث، ويجب أن تُربَط المصالح والأهداف الأميركية الأساسية مباشرةً بالمهام والبعثات. وينبغي أن يُملي ذلك بدوره عديد القوات، وحجم الإمكانات المطلوبة لتنفيذ تلك المهام، وموقعها.

فعلى سبيل المثال، بات ضمان حرية الإبحار في نقاط الاختناق البحرية الحسّاسة في مختلف أنحاء الشرق الأوسط هدفاً ثانوياً على الأرجح. من هذا المنطلق، يجب إعادة النظر في المستوى المناسب من الجهود والموارد المطلوبة للنهوض بهذه المسؤولية، لا سيما على خلفية تراجع مستوى الجاهزية البحرية الأميركية، وفرض ضرائب مرتفعة جداً على موارد الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع. لا تتطلب هذه المهمة فرقة قتالية من حاملات الطائرات، ويجب ألا تُستخدَم مبرِّراً للإبقاء على وجود حاملات الطائرات بصورة مستمرة في المنطقة. إذاً، من أجل أداء هذه المهمة بمستوى مختلف من الموارد، يجب على الشركاء في الإقليم وغيرهم من الحلفاء، وعددٌ كبير منهم لديه أيضاً مصلحة في الحفاظ على حرية تدفّق مصادر الطاقة، الاضطلاع بمسؤوليات إضافية”.

مستقبل الشرق الأوسط خلال العقد القادم
يشغل مصير منطقة الشرق الأوسط اليوم في عقول الباحثين والخبراء ومراكز الأبحاث والقرار حيّزاً مهماً، ويجهد الجميع في محاولة تقدير ما يمكن أن يكون عليه مصير المنطقة ووضعيتها السياسية والأمنية والعسكرية. في هذا السياق، نشر «معهد الشرق الأوسط» – مؤسسة بحثية مقرها واشنطن – دراسة بحثية في مارس (آذار) 2021، عن مسألة تطور الشرق الأوسط خلال العقد القادم حتى العام 2030.[45]. سعى مؤلفو الدراسة إلى تطوير أربعة سيناريوهات مفترضة لما يمكن أن يكون عليه الوضع في العام 2030، وتحليل الاتجاهات الحالية التي من المفترض أن تستمر مستقبلاً، بالإضافة إلى المتغيرات المحتملة حسب أولوية التأثير في الشرق الأوسط في العقد القادم. وتشمل النتائج، الانتقال العالمي من الأحادية القطبية المتمثلة في الولايات المتحدة كقوى عظمى في العالم، إلى مستقبل ثنائي القطبية قد يشمل «الولايات المتحدة والصين» أو عالم متعدد الأقطاب يشمل «الولايات المتحدة والصين وروسيا». وقد اعتمدوا في ذلك على تقليص الولايات المتحدة لوجودها العسكري بالمنطقة، في ظل التوسع الصيني من خلال المشاريع التجارية في جميع أنحاء العالم، ومحاولات روسيا لإعادة فرض نفسها طرفاً قويّاً في المعادلة. اعتمد الباحثون في رسم السيناريوهات المحتملة للعقد القادم على متغيّرين رئيسَيْن:

الأول: هو “مدى استعداد الولايات المتحدة لأداء دور قوي ومؤثر في الشرق الأوسط” من خلال استثمار الموارد والقوى العاملة، ورأس المال لدعم حلفائها بالمنطقة.

الثاني: “هو التغيرات الاجتماعية والاقتصادية” التي من المفترض أن يشهدها الشرق الأوسط، وكيف يمكن أن تؤدي إلى إعادة رسم خريطة التحالفات الإقليمية.

ويتوصل الباحثون في السيناريوهات الأربعة إلى نتائج افتراضية شديدة السوداوية على المنطقة وشعوبها وأنظمتها، عبر انسحاب الولايات المتحدة من شرق أوسط غير مستقر، تتخلخل فيه الدول، وتهزم فيه إسرائيلُ المقاومةَ في لبنان في ثلاثة أيام، بعد وصول الأزمة الاقتصادية فيه إلى مراحل متقدمة، ويسقط النظام الإسلامي في طهران، ويتزعزع الحكم في كل من مصر والأردن، جراء الأزمات الاقتصادية، وتتفكك السلطة الفلسطينية، فيؤدي ذلك إلى انسحاب الولايات المتحدة، وترك منطقة الشرق الأوسط تعاني من فراغ القوى العظمى، ما قد ينتج عنه فرص إسرائيلية لمكاسبٍ عسكرية، إلا أنها من دون مفاوضات قد تصبح مكاسب قصيرة الأمد، وقد ينتج عنها أزمات متعددة الجبهات.

خاتمة
لقد حاولنا في هذه الدراسة تلّمس الطريق نحو معرفة ماهية الواقع الجيوسياسي القادم للمنطقة الأكثر أهمية، والأكثر تعقيداً وموارد واشتباكاً سياسياً، بعد بروز مؤشرات كبيرة وواضحة لعزم الولايات المتحدة الأميركية تخفيض وجودها والتزاماتها في المنطقة، بعدما كانت الفاعل الأول والمقرر في حاضر المنطقة ومستقبلها، وفي تثبيت أنظمة وخلخلة أخرى والإطاحة بخصوم ومحاصرة دول وشعوب، وتدمير أخرى على رؤوس أبنائها، إضافة إلى الحماية والدعم العسكري والسياسي غير المحدود التي تمنحه واشنطن للكيان الإسرائيلي، وتبيّن – من خلال الدراسة- تبلور موقف لقرار أميركي بتقليص الوجود العسكري في المنطقة بهدف التفرغ لمواجهة الصين. “وأنّ واشنطن لم تعد تنظر إلى المنطقة كأولوية لمصالحها مقارنة بالمناطق الأخرى، فبالنسبة إلى الولايات المتحدة، لا يعتبر الشرق الأوسط بالأهمية نفسها لآسيا أو أوروبا اليوم، حيث لا يتمتع بالمستوى نفسه من التحالفات العسكرية والاقتصادية، ولا التهديدات الوجودية التي تميّز تلك المناطق من العالم. إضافةً إلى أنّ التجارة مع الشرق الأوسط أقل بكثير مقارنة مع المناطق الأخرى، ودول المنطقة لديها تأثيرات دبلوماسية أو أمنية منخفضة خارج المنطقة. وتشمل المصالح الأميركية التقليدية، ضمان صادرات النفط، وهزيمة الإرهاب، وإبطاء انتشار أسلحة الدمار الشامل. تحتفظ الولايات المتحدة بنظام أمني جماعي للشرق الأوسط لدعم مصالحها، وتعزيز الاستقرار العالمي الذي يتأثر غالباً بالأزمات هناك.”[46] على الرغم من كل ما ورد؛ فإنّ أحمالاً ما زالت تجعل الولايات المتحدة منجذبة إلى المنطقة بحسب الكثير من الخبراء الأميركيين، رغم الخسائر المتتالية التي تكبدتها فيها، ورغم تراجع دور الشرق الأوسط بالنسبة إلى مصالح واشنطن. ومن هذه الأحمال الثقيلة:

حاضر الكيان الإسرائيلي ومستقبله في بيئة معادية، لم تقبل وجوده بعد حوالي السبعة عقود من إنشائه على أيدي البريطانيين، وهو ما زال محاصراً على المستوى الشعبي رغم الاتفاقيات المعقودة مع دول وكيانات عربية، لم تستطع إسرائيل أن تعيش كدولة طبيعية في منطقة الشرق الأوسط.
مصادر الطاقة والممرات البحرية، وأسعار النفط والغاز، واستمرار تدفقه باستمرار.
الخوف من تعبئة الفراغ الذي سيتركه الأميركي من قِبَل خصوم أقوياء كالصين وروسيا، ودول إقليمية كبرى كتركيا وإيران. وإقامة تحالفات اقتصادية وعسكرية بين بعض هذه الدول، ما سيجعلها قوية، ويتضاءل تأثير الغرب في الاقتصاد والسياسة فيها.
الخوف من امتلاك إيران للقدرات المعرفية النووية، سلمية كانت أم عسكرية، وتأثير ذلك على الحاجة الدائمة إلى الغرب في الإمساك بمفاصل الصناعة والتكنولوجيا والمعرفة.
الوجود العسكري الكبير والكثيف والمكلف في الشرق الأوسط.
من أجل كل ذلك، يوصي “معهد راند” في دراسة حديثة بعنوان “إدارة الخصوم” بتقديم مقترح “لإدارة العلاقات العدائية – بدلاً من محاولة حلّها نهائياً – لأنها النهج الأفضل لمنع المزيد من التصعيد والصراع، وعدم الاستقرار. ويمكن أن تصبح النزاعات الإقليمية مستنزفة بالكامل لسياسة الولايات المتحدة، وتجعلها تخاطر بتدخلات عسكرية مكلفة، على حساب أجندة أكثر إيجابية تركز على النمو والفرص. وبالتالي، فإنّ إدارة الخصوم من الحكوميين وغير الحكوميين وتقييدهم، ومعالجة الدوافع الأساسية للصراع لمنعهم من الظهور أو التوسع؛ هي مكونات حاسمة لاستراتيجية إقليمية فعالة للولايات المتحدة”.

يقول جيمس جيفري في هذا المقام: “إنّ الإدارة الأميركية أصدرت إرشادات استراتيجية مؤقتة للأمن القومي بهدف تشكيل سياستها الخارجية على المدى الطويل. فالتوجيه للشرق الأوسط يبدو معقولاً، وهو يرتكز على ثلاث دعائم هي:

دعم إسرائيل وشركاء الولايات المتحدة الآخرين.
الدفاع عن نظام الأمن العالمي، والتحرك لاحتواء إيران.
مكافحة الإرهاب.
وتعتبر سياسة الشرق الأوسط الرسمية القائمة على هذا التوجيه أمراً ملحاً مع التحديات الجديدة في المنطقة. خلاف ذلك، سيبدو رد الفعل الأميركي على الأحداث غير متوقع، وستحدّد الاستجابات العرضية السياسة الأمريكية كخطوة أولى، ويجب على الإدارة الأميركية التركيز على القضايا الاستراتيجية مثل التهديدات والمصالح والموارد لتجنب تكرار الأخطاء في هذه المنطقة، التي كانت مقبرة لسياسات خارجية عديدة”

وبسبب ذلك، فإنّ التخفيف من الوجود العسكري، وبالتالي السياسي في المنطقة، جعل القوى الإقليمية تنظر إلى الواقع السياسي بمنظار جديد، فرأينا اختلافاً في سلوك المملكة السعودية نحو إيران، وبدأ الحوار مع بداية ولاية الرئيس جو بايدن، وعُقدت في بغداد طاولة حوار بنّاءة، أعادت العقلانية إلى مسار العلاقات البينية بين دولتين إقليميتين كبيرتين تخاصمتا في غير ملف معقّد في المنطقة. ورأينا قنوات الحوار تفتح بين مصر وإيران، وبدأت علاقات الدول العربية باستعادة الحرارة مع سوريا، وخُفّفت عقوبات قيصر عليها. وبدأت قوات (قسد) بفتح الخطوط التفاوضية مع الدولة السورية المركزية، بوساطة روسية، مخافة التخلي عنهم من قبل واشنطن، وتركهم فريسةً سهلة في فم خصومهم الأتراك. وتركيا بدورها بدأت تنحو نحو الاستقلال عن حلف الناتو، وطلبت دفعةً ثانية من صواريخ S400 الروسية المضادة للصواريخ. في خضمّ هذا التعقيد المتواصل في المشهد الإقليمي، هل سنشهد مقاربةً أميركية مختلفة من الإدارات الأميركية الحالية والقادمة؟ أم ستعود أميركا إلى الاستغراق والغرق في وحول المنطقة مرة جديدة؟ هذا ما ستظهر نتائجه السنوات المقبلة؟

طارق عبود – المعهد المصري للدراسات

النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.