مشروعية المقاومة في مواجهة خطاب نزع السلاح

في اللحظات التي يشتد فيها العدوان وتتصاعد فيها الاعتداءات على لبنان، يعود الجدل مجددًا حول سلاح المقاومة، وكأن المشكلة تكمن في الوسيلة التي تدافع بها البلاد عن نفسها، لا في العدوان الذي يتكرر على أرضها وسيادتها. وفي خضم هذا النقاش، تبرز دعوات رسمية وسياسية تطالب بنزع سلاح المقاومة تحت عناوين السيادة وبسط سلطة الدولة، وهي دعوات تبدو للوهلة الأولى وكأنها طرح قانوني أو دستوري، لكنها في جوهرها تثير أسئلة عميقة حول مدى توافقها مع الدستور اللبناني ومع قواعد القانون الدولي.

فالدستور اللبناني نفسه، في مقدمته، يربط الدولة اللبنانية بالتزامها مواثيق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وهذه المواثيق لم تكتف بالحديث عن سيادة الدول فحسب، بل كرّست أيضًا مبدأً جوهريًا في القانون الدولي الحديث، وهو حق الشعوب في مقاومة الاحتلال وتقرير المصير. وقد أكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارات متعددة منذ ستينيات القرن الماضي شرعية كفاح الشعوب الواقعة تحت الاحتلال، بما في ذلك الكفاح المسلح. كما نصت المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة على حق الدفاع عن النفس في حال التعرض لعدوان مسلح.

وعندما تُحال هذه المبادئ الدولية إلى مقدمة الدستور اللبناني، فإنها تكتسب قيمة دستورية، ما يجعل حق مقاومة الاحتلال جزءًا من المنظومة القانونية التي يقوم عليها الكيان اللبناني نفسه. ومن هنا يصبح أي قرار يسعى إلى تقييد هذا الحق أو إلغائه موضع إشكال دستوري وقانوني واضح، لأنه يتعارض مع نصوص دستورية ومع قواعد قانونية دولية ملزمة للبنان.

ولا يقتصر الأمر على القانون الدولي، بل يمتد أيضًا إلى وثيقة الوفاق الوطني-اتفاق الطائف التي شكلت الأساس الدستوري للنظام اللبناني بعد الحرب الأهلية. فقد ميّز الاتفاق بوضوح بين الميليشيات الداخلية التي دعا إلى حلّها، وبين مسألة تحرير الأرض اللبنانية من الاحتلال الإسرائيلي. ولم تُدرج المقاومة يومًا ضمن القوى التي يجب نزع سلاحها، بل جرى التعامل معها في سياق مختلف مرتبط بمواجهة الاحتلال وباستعادة السيادة على الأراضي المحتلة.

إن القراءة الدقيقة للطائف تظهر أن مسألة المقاومة كانت مرتبطة بواجب اتخاذ كل الإجراءات لتحرير الأرض، وهو تعبير واسع يشمل مختلف الوسائل المتاحة لتحقيق هذا الهدف. لذلك فإن محاولة استخدام الطائف كمرجعية لنزع سلاح المقاومة تمثل قراءة مبتورة للنص، تتجاهل السياق التاريخي والسياسي الذي وُضع فيه الاتفاق.

والأهم من ذلك أن مبدأ السيادة في الدستور اللبناني ينص بوضوح على أن الشعب هو مصدر السلطات وصاحب السيادة. وهذا يعني أن وظيفة الدفاع عن الأرض ليست حكرًا نظريًا على المؤسسات، بل هي واجب سيادي مرتبط بوجود الدولة نفسها. وعندما تعجز المؤسسات عن حماية الأرض أو رد العدوان، فإن هذا الحق السيادي يعود بطبيعته إلى المجتمع الذي يدافع عن وجوده وكرامته.

في الواقع الميداني، لا يمكن فصل هذا النقاش القانوني عن الوقائع التي تجري على الأرض. فالمقاومة، في مواجهة العدوان الأخير، لم تكن مجرد خطاب سياسي أو شعار إعلامي، بل كانت قوة فعلية في الميدان. فقد أطلقت الصواريخ على مواقع العدو، وأفشلت محاولتي إنزال عسكري، وتمكنت من تدمير دبابات متقدمة على خطوط المواجهة، فيما كان مقاتلوها يقدمون الشهداء دفاعًا عن الأرض. وفي الوقت نفسه، دفعت البيئة الحاضنة للمقاومة أثمانًا باهظة، إذ تهجّر آلاف المدنيين من قراهم ومنازلهم نتيجة القصف والاعتداءات المتواصلة.
لكن هذه البيئة، رغم الخسائر والتهجير، بقيت ترى في هذه التضحيات ثمناً للدفاع عن الوطن وعن الكرامة الوطنية. فالتاريخ اللبناني المعاصر يثبت أن الاحتلال لم يخرج من الأرض اللبنانية عبر المفاوضات وحدها، بل خرج بفعل توازن فرضته المقاومة في الميدان.

من هنا تبدو الدعوات التي تطرح نزع سلاح المقاومة في ظل استمرار الاعتداءات وكأنها تتجاهل جوهر المشكلة. فالخطر الحقيقي الذي يهدد لبنان لا يكمن في السلاح الذي يواجه الاحتلال، بل في الاحتلال نفسه وفي العدوان الذي يتكرر على السيادة اللبنانية.
والأخطر من ذلك أن بعض الخطابات الرسمية باتت تميل إلى مقاربة الأزمة بمنطق أقرب إلى التسليم بالأمر الواقع، عبر طرح معادلات تقوم على تجريد لبنان من عناصر قوته مقابل وعود بالتهدئة أو الاستقرار. غير أن التجارب التاريخية في المنطقة تثبت أن الاستقرار لا يُبنى على التنازل عن عناصر القوة، بل على امتلاك القدرة التي تمنع العدوان من الأصل.
فالدول لا تحمي سيادتها بالخطابات، بل بتوازنات القوة. وحين يُطلب من بلدٍ أن يتخلى عن أدوات دفاعه فيما التهديد ما زال قائمًا والاعتداءات مستمرة، فإن المسألة لا تكون تنظيمًا للسلاح بقدر ما تصبح إعادة تعريف لمفهوم السيادة نفسه.

إن النقاش الحقيقي حول مستقبل لبنان لا يجب أن ينطلق من سؤال: كيف ننزع سلاح المقاومة؟ بل من سؤال أعمق: كيف نحمي لبنان من العدوان ونحافظ على سيادته؟
وفي ظل استمرار الاحتلال لأجزاء من الأراضي اللبنانية، واستمرار الانتهاكات اليومية للسيادة، يبقى من الصعب قانونيًا وسياسيًا وأخلاقيًا القول إن الطريق إلى حماية لبنان يمر عبر تجريد من يدافع عنه من سلاحه.

ففي نهاية المطاف، قد تُهدم القرى، وقد يُهجّر الناس من بيوتهم، وقد ترتفع كلفة المواجهة، لكن الشعوب التي اختارت الدفاع عن أرضها تعرف أن الكرامة الوطنية لا تُقاس بكلفة التضحيات، بل بقدرتها على منع السقوط والاستسلام.

النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع

التعليقات مغلقة.