عيد الثورة الإسلامية.. حين انتصر المعنى على الطغيان

في الحادي عشر من شباط/فبراير من كل عام، لا تستعيد الجمهورية الإسلامية الإيرانية ذكرى سياسية عابرة، بل تحتفي بلحظة تاريخية غيّرت مسار المنطقة: انتصار الثورة الإسلامية عام 1979. هو عيد وطني، لكنه أيضًا عيد فكرة؛ فكرة قدرة الشعوب على كسر بنية الاستبداد حين يتقدّم الوعي وتُستعاد الكرامة.

تبدأ أيام الاحتفاء مع «عشرة الفجر»، حيث يتقدّم المشهد بزيارة قائد الثورة الإسلامية، الإمام السيد علي الخامنئي، إلى مرقد الإمام الخميني (قده)، مؤسس الجمهورية الإسلامية. هناك، تتجدد البيعة للنهج، ويُستعاد المعنى العميق للثورة بوصفها مشروعًا أخلاقيًا-سياسيًا، لا مجرد انتقال للسلطة. الصلاة وتلاوة آيات الذكر الحكيم عند الضريح ليست طقسًا رمزيًا فحسب، بل تأكيد على أن الروح التي أطلقت الثورة على نهج آل البيت(ع) وأنها لا تزال حاضرة في الوجدان العام.

لم تولد الثورة من فراغ. جاءت نتيجة تراكم طويل من القمع والتبعية، وانسداد الأفق أمام إرادة شعبية صمّمت على استعادة السيادة والاستقلال. وما ميّزها عن كثير من الثورات أنها لم تُبنَ على شعارات آنية، بل على رؤية متكاملة جعلت من العدالة الاجتماعية، والاستقلال الوطني، والهوية الدينية عناصر مترابطة في مشروع واحد.

على امتداد سبعة وأربعين عامًا، واجهت الجمهورية الإسلامية تحديات قاسية: حصارًا، ضغوطًا، وحروبًا مركّبة. لكن عيد الثورة ظل مناسبة لتذكير الداخل والخارج بأن هذا الكيان لم يتشكل بوظيفة سياسية ضيقة، بل بمنطق الصمود والتحوّل إلى لاعب إقليمي مؤثر، يمتلك قرارَه ويسعى لتكريس سيادته.

في وجدان أنصار الثورة، لا يُختزل عيدها بالماضي، بل يُقرأ في الحاضر والمستقبل. هو استدعاء دائم للسؤال المركزي: كيف تُصان الثورة كقيمة، لا كذكرى؟ وكيف يُترجم الانتصار إلى عدالة، وكرامة، وتنمية؟ من هنا، يصبح الاحتفال فعل مساءلة ومسؤولية، بقدر ما هو فرح وانتماء.

عيد الثورة الإسلامية، إذًا، ليس احتفالًا بتاريخٍ مضى، بل تجديد عهدٍ مع فكرة لا تزال حيّة: أن الشعوب، حين تمتلك إرادة وقيادة ورؤية، قادرة على صناعة تاريخها، مهما اشتدت التحديات.

النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع

التعليقات مغلقة.