حين يتكلم الإعلام “الوطني” بلسان العدو
في أوقات الأزمات السياسية والعسكرية تُختبر المواقف الحقيقية، ليس فقط لدى السياسيين والفاعلين في الميدان، بل أيضًا لدى وسائل الإعلام. ففي مثل هذه اللحظات لا يعود الإعلام مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل يصبح عنصرًا مؤثرًا في تشكيل وعي الناس وفهمهم لما يجري. ولذلك تتحول الكلمة والصورة والتحليل إلى جزء من معركة أوسع تدور بالتوازي مع ما يحدث على الأرض.
غير أن المشكلة تظهر حين يفقد بعض ما يُفترض أنه إعلام وطني حساسيته تجاه هذه اللحظات. فبدل أن يسعى إلى نقل الوقائع بدقة وفهمها في سياقها، يبدأ أحيانًا بترديد الرواية التي يقدمها الطرف المعادي، مستخدمًا لغته ومصطلحاته وتفسيراته للأحداث، وكأنها الرواية الأكثر مصداقية أو عقلانية.
غالبًا ما يبدأ هذا التحول من اللغة. فالمفردات التي تُستخدم في توصيف الأحداث ليست محايدة كما قد يبدو، بل تحمل في داخلها طريقة معينة لفهم الواقع. وحين يتبنى الإعلام المحلي المصطلحات التي يفرضها الطرف المعادي، فإنه يساهم تدريجيًا في إعادة صياغة الطريقة التي يفهم بها الجمهور ما يجري.
فقد يُقدَّم العدوان بوصفه “عملية أمنية”، وتُختزل معاناة المدنيين في تعبيرات باردة مثل “أضرار جانبية”، بينما يُعاد توصيف أفعال الطرف المتضرر بطريقة توحي بالفوضى أو التهديد. ومع تكرار هذه اللغة، تتحول الرواية التي صاغها الطرف الأقوى إلى إطار ذهني يفسر من خلاله كثير من الناس الأحداث.
ولا يقتصر الأمر على اللغة وحدها. ففي لحظات التصعيد تتسابق بعض وسائل الإعلام إلى نقل تصريحات الطرف المعادي باعتبارها مصدرًا رئيسيًا للمعلومات، بينما تُعامل الروايات المحلية بكثير من الشك أو التحفظ. وفي بعض الأحيان لا يكتفي الخطاب الإعلامي بنقل هذه الروايات، بل يذهب إلى تفسيرها وتبريرها، وكأنها قراءة طبيعية لما يحدث.
وغالبًا ما يُقدَّم هذا النهج تحت عنوان “الموضوعية”. لكن الموضوعية في العمل الصحافي لا تعني تبني رواية طرف واحد، ولا تعني تكرار خطاب الأقوى لأنه الأكثر حضورًا في الفضاء الإعلامي. فالمهنية الحقيقية تقوم على التحقق من المعلومات، ومقارنتها، ووضعها في سياقها، وإتاحة المجال لفهم أوسع وأكثر توازنًا للأحداث.
كما أن النقد الداخلي، وهو أمر ضروري لأي مجتمع، يختلف عن إعادة إنتاج رواية الخصم. فالنقد الذي يهدف إلى الإصلاح يسلط الضوء على الأخطاء من أجل معالجتها، بينما يتحول الخطاب إلى شيء آخر حين يُفرغ الواقع من تعقيداته ويُعاد تقديمه بالكامل من زاوية نظر الطرف الآخر.
والحقيقة أن المعركة الإعلامية في زمن الصراعات لا تقل أهمية عن المعركة في الميدان. فالإعلام لا يغير الوقائع على الأرض، لكنه قادر على التأثير في الطريقة التي يفهم بها الناس تلك الوقائع، وعلى تشكيل المزاج العام والثقة بالذات أو فقدانها.
لهذا السبب يصبح الإعلام في مثل هذه اللحظات أمام مسؤولية مضاعفة. فهو مطالب بالحفاظ على المهنية والدقة، وفي الوقت نفسه بالوعي بالسياق الذي يتحرك فيه. فالإعلام الذي يكتفي بترديد ما يقوله الآخرون يفقد دوره الحقيقي، لأن مهمته الأساسية ليست إعادة بث الروايات، بل البحث عن الحقيقة وفهمها وتقديمها للناس.
في النهاية، لا يحتاج المجتمع إلى إعلام يرفع الشعارات، كما لا يحتاج إلى إعلام يردد خطاب الخصم. ما يحتاجه حقًا هو إعلام يمتلك القدرة على التفكير النقدي والاستقلال في آن واحد؛ إعلام يعرف كيف يطرح الأسئلة الصعبة، لكنه في الوقت نفسه لا يفقد إدراكه لطبيعة الصراع الذي يجري حوله.
فالإعلام الذي ينسى هذه الحقيقة قد يبقى وطنيًا في اسمه، لكنه يخسر شيئًا أهم: دوره في حماية وعي المجتمع الذي يفترض أنه يخاطبه.
النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع

التعليقات مغلقة.