“الحقيقة ما ترون لا ما تسمعون”.. حين تصطدم العبارة بواقع العدوان

عندما قال رئيس الجمهورية اللبنانية في كلمته أمس أمام أحد الوفود: “الحقيقة ما ترون لا ما تسمعون”، بدا وكأنه يدعو اللبنانيين إلى تجاوز الضجيج السياسي والإعلامي والاحتكام إلى الوقائع. غير أنّ هذه العبارة، عند إسقاطها على واقع الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على لبنان، تفتح بابًا واسعًا للنقد، وتطرح سؤالًا جوهريًا: هل تكفي الحقيقة المرئية وحدها في مواجهة عدوانٍ مستمر؟
ما يراه اللبنانيون لا يحتمل التأويل
ما يراه اللبنانيون اليوم ليس محل نقاش أو اختلاف في الروايات. القصف، الخروقات الجوية، التهديدات المتكررة، وسقوط شهداء، كلها وقائع ملموسة لا يمكن إنكارها أو تزييفها. من هذا المنطلق، تصبح العبارة توصيفًا بديهيًا لحقيقة دامغة، لا تحتاج إلى خطاب لتثبيتها، بل إلى موقف سياسي واضح يوازي خطورتها. والحقيقة المرئية لا تعفي من مسؤولية الموقف.
والإشكالية في ربط الحقيقة بما يُرى فقط، أنّ ذلك قد يُفهم وكأنه تحييد للخطاب السياسي عن مسؤوليته. فالاعتداءات الإسرائيلية ليست مجرد مشهد يُشاهَد، بل فعل عدواني يستوجب تحديدًا صريحًا للمسؤوليات، داخليًا وخارجيًا، وتفعيلًا لأدوات الدولة الدبلوماسية والسياسية التي لجأت إليها السلطة. إن الاكتفاء بالإشارة إلى “ما نراه” من دون إعلان خيارات واضحة، يحوّل الحقيقة إلى واقع مُسلَّم به لا إلى قضية سيادية تواجه. وكما أن مخاطبة الداخل بلغة تختصر الأزمة حين يُقال للبنانيين إن الحقيقة هي ما يرونه، في ظل عدوان خارجي، يبدو الخطاب موجّهًا إلى الداخل أكثر مما هو موجّه إلى الخارج. وكأن المطلوب من المواطن أن يكتفي بالمشاهدة والفهم، لا بالمطالبة بخيارات واضحة تحميه. في بلدٍ يعاني أصلًا من هشاشة الدولة، يتحول هذا الخطاب إلى إدارة للأزمة بالكلام بدل مواجهتها بسياسات حاسمة.
نعم، صاحبَ الفخامة، رأى اللبنانيون الحقيقة لا كما سمعوها في البيانات، بل كما عاشوها على أرضهم. رأى اللبنانيون حقيقة خطابٍ يساوي بين المعتدي والضحية لمنع التصعيد، والحقيقة أن القرارات الدولية لم تحم القرى الحدودية، ولا منعت الطائرات من انتهاك الأجواء، وحقيقة الدبلوماسية بلا قوة موقف، بحيث تتحول إلى لغة مريحة للخطابات.
ولكن لم يسمع اللبنانيون بقرار واضح وصريح لحماية السيادة، ولم يسمعوا كيف ستُحمى قرى لبنان الحدودية، ولم يسمعوا عن ملف الإعمار وإعادة الأسرى سوى كلام عابر .
صاحب الفخامة، إذا كانت الحقيقة ما يُرى، فإن ما لم يُسمَع لا يقل خطورة.

النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع

التعليقات مغلقة.