ديفيد هيل: مكاسب مناهضي حزب الله لم تكن كافية

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

كتب مساعد وزير الخارجية الأميركي السابق ديفيد هيل، مقالاً في موقع “ويلسون سينتر” يوم الأربعاء، تحدّث فيه عن نتائج الانتخابات في لبنان، وعن حضور حزب الله وحلفائه في البرلمان اللبناني وتقسيم المقاعد النيابية.

وفي ما يلي نص المقال منقولاً إلى العربية: 

كان هناك الكثير من التفكير الرغبوي قبل الانتخابات النيابية اللبنانية يوم الأحد  15 مايو/أيار. كان الكثيرون يأملون في أن يستغل المستقلون يأس  اللبنانيين وغضبهم تجاه النخب التي دفعت بلدهم نحو الهاوية الاقتصادية والاجتماعية والاقتصادية. وسرت تكهنات بأنّ النتائج ستوجه ضربة لحزب الله وحلفائه المسيحيين. الواقع الذي ظهر يوم الأحد هو أنه في حين عانى حلفاء حزب الله المسيحيون من انتكاسات إلا أنّ الممارسات الديمقراطية والبنية السياسية الطائفية في لبنان تميلان إلى إحداث حالة من الشلل.

3 اعتقادات خاطئة
أحد الأوهام هو أنّ تقليص حضور حزب الله البرلماني وتحالفاته يقلل من قوته. في الواقع، إن نفوذ حزب الله في الانتخابات والبرلمان هو مجرد نتيجة ثانوية مفيدة لهيكل سلطته الموازية خارج الدولة  القائمة على الأسلحة والمقاتلين والخدمات والأموال غير المشروعة. تمنح الانتصارات الانتخابية حزب الله الشرعية والوصول من الداخل إلى سياسة التأثير وعرقلة المعارضة وتوجيه موارد الدولة إلى ناخبيه الشيعة. لكن قوة الجماعة تكمن في “ميليشيا” تقف في مواجهة سياسيين عزل أدركوا الخطر المميت في مواجهتها. تحت عنوان “مقاومة” احتلال إسرائيلي انتهى قبل أكثر من عشرين عاماً أفلت حزب الله وحده من بين الميليشيات اللبنانية من بند نزع السلاح في الاتفاق الذي نص على إنهاء الحرب الأهلية.

وهم آخر هو أنّ الانتخابات اللبنانية يمكن أن تنتج ذلك النوع من الحكومة الناشطة اللازمة لاستعادة الثقة في الشؤون المالية للبلاد والحكم. قبل 80 عاماً، قبل زعماء الطوائف الدينية الرئيسية ( مسيحيون ومسلمون ودروز) بدولة بشرط أن تكون ضعيفة جداً إذ لا يمكن لطائفة واحدة أن تستخدم الأدوات الرسمية للتغلب على الطوائف الأخرى. تطورت هذه الحالة بمرور الوقت إلى أكثر من مجرد آلة رعاية وتغاضى كثير من اللبنانيين عن الفساد المتصاعد طالما أنّ الغنائم توزعت بشكل متناسب بين الطوائف.


الاعتقاد الخاطئ الثالث هو أنّ المستقلين يمكنهم التقدم في مثل هذا النظام المغلق. تُجرى الانتخابات النيابية اللبنانية في دوائر متعددة المقاعد، مع تقسيم المقاعد وفق صيغة ديموغرافية تم التوصل إليها في عام 1989، والتي لم تعد تعكس الواقع. يمكن للمواطنين التصويت لمرشح واحد في منطقتهم بما في ذلك المقاعد المخصصة للطوائف الأخرى . يشكل القادة في كل منطقة قوائم بالمرشحين ويشجعون أتباعهم على المصادقة على الأمر برمته. في معظم الدوائر يكون التنافس الحقيقي هو الحصول على القائمة السائدة التي يقودها المجتمع المهيمن والقائد.  نتائج الاقتراع النهائية غالباً ما تكون مفروغاً منها. 
تثبت المشاركة السنية المنخفضة الناتجة عن انسحاب الحريري أنّ الحريري لا يزال يقود دائرته الانتخابية.

شلل لبنان
المكاسب التي حققتها المعارضة المسيحية المناهضة لحزب الله يوم الأحد مثيرة للإعجاب ولكنها لم تكن كافية لها لتوجيه المشهد السياسي. بشكل ملحوظ، استحوذت كتلة حزب الله – أمل على جميع المقاعد الشيعية البالغ عددها 27، مما أعطى هذا الفصيل تأثيراً حاسماً في الخيارات السياسية المقبلة. بعد إعادة انتخاب نبيه بري رئيساً للبرلمان اللبناني، تتمثل الخطوة التالية بتشكيل حكومة يمكن أن تفوز بثقة البرلمان.  رئيس الوزراء نجيب ميقاتي سينتقل إلى منصب رئيس حكومة تصريف أعمال حتى تشكيل الحكومة الجديدة. وقد تكون المناورة أكثر صعوبة وأطول من المعتاد في مثل هذا البرلمان المنقسم بشكل وثيق.

قد تطالب المعارضة المسيحية القوية باستبعاد حزب الله من الحكومة كشرط لمشاركتها فيها أو التصويت على الثقة. ومع ذلك، تخضع الحكومة إلى صيغة تقاسم السلطة الطائفية مثل البرلمان إذ خصص للشيعة 20-25٪ من الوزارات اعتماداً على العدد الإجمالي. وبالنظر إلى سيطرة حزب الله، فإنّ الشيعة الذين يرغبون في الموت هم وحدهم الذين سيميلون إلى الانضمام إلى مجلس الوزراء من دون موافقته. يمكن لحزب الله وحلفائه مقاطعة التصويت على الثقة لأي حكومة يعتبرونها غير ممثلة مما يشل العملية برمتها.

ستؤدي الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها في موعد أقصاه 31 تشرين أول/أكتوبر 2022 إلى مزيد من التوتر. ينتخب البرلمان الرئيس الماروني بأغلبية ثلثي الأصوات، وتؤدي المناسبة عادة إلى أزمة طويلة الأمد. تم تمديد فترات بعض الرؤساء في ظل شرعية مشكوك فيها. من المرجح أن يهيئ الرئيس الحالي ميشال عون وريثه السياسي وصهره جبران باسيل لخلافته. من غير الواضح كيف يمكن لباسيل تأمين الدعم البرلماني المطلوب.

هذه المشكلة تترك لعون ثلاثة خيارات:  أن يسعى إلى تمديد فترة الولاية لنفسه، الأمر الذي يتطلب تصويت الثلثين غير المحتمل في البرلمان، والذي قد لا يتحقق قبل الموعد النهائي. أو دعم خيار حل وسط، وهو ما رفضه في السابق، أو  ترك المنصب شاغراً في 31 تشرين الأول/أكتوبر – مما يترك لبنان بلا رئيس جمهورية  وبلا رئيس وزراء وبلاحكومة. أولئك الذين يعتمدون على الإصلاحات المطلوبة لاستعادة الثقة وإطلاق العنان لدعم الحياة المالية وإنهاء السقوط الاقتصادي الحر للبلاد، قد يضطرون إلى الانتظار قبل كسر هذا المأزق. والوقت ينفد أمام لبنان.

ماذا بعد؟
في لحظات الخلاف الداخلي الحاد يتطلع العديد من اللبنانيين إلى الجهات الفاعلة الإقليمية والدولية للتدخل. ومع ذلك، فإن اللاعبين الأجانب على الأرجح إما راضون عن الشلل اللبناني أو غير راغبين في تسويات، أو يواجهون مشكلة في ربط النقاط بين الديناميات اللبنانية ومشاكل الشرق الأوسط الأوسع. الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد يسعى إلى الحوار بين اللبنانيين حول صيغ جديدة جريئة للحكم. لكن مثل هذا النهج يهدد بفتح صندوق باندورا للتوتر والصراع الطائفي جاهز للاستغلال من قبل حزب الله.

بالنسبة للمسؤولين الأميركيين،فقد حان الوقت لتقويم ما إذا كان لبنان يمثل أولوية، وفهم سبب نمو حزب الله من “كيان إرهابي” صغير وخطير إلى وحشية كما هو عليه اليوم، على الرغم من أربعين عاماً من المعارضة الأميركية. نهج أميركا المتذبذب تجاه لبنان – فترات طويلة من الإهمال تبعها نشاط في الأزمات – ليس مثالياً كما هو حال الحكاية الخيالية بأنّ معاقبة حلفاء حزب الله من غير الشيعة سوف تقوض أساسيات قوته التي تقع خارج التحالف السياسي وهيكل الدولة. يجب أن تكون أميركا واقعية ومعتدلة ومستعدة للتصرف إذا انهار لبنان . إن السياسة الأميركية الحالية المتمثلة ببناء الجيش والقوى الأمنية كقوى استقرار والحب الشديد لجعل الإعانات المالية مشروطة بالإصلاح هو أفضل ما يمكن أن تقوم به واشنطن في ظل الظروف الراهنة.

الميادين – نقلته إلى العربية ميساء شديد

النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.