ترامب في سباق اللحظة الأخيرة: صفقة إنقاذ أم انكشاف حدود القوة؟
في الأسابيع المتبقية من المشهد السياسي المتوتر، لا يبدو أن تحركات دونالد ترامب تنطلق من ردود فعل آنية بقدر ما تعكس محاولة مركّزة لإعادة رسم موقعه داخل معادلة القوة الدولية. فالرجل الذي بنى خطابه على مزيج من البراغماتية الحادة والاستعراض السياسي، يدرك أن ما يجري اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل لحظة اختبار لإمكانية استعادة المبادرة الأميركية في عالم يتغير بسرعة.
ترامب، في هذا التوقيت تحديدًا، يسعى إلى تحقيق ما يمكن تسميته بـ”نصر سريع قابل للتسويق”. ليس بالضرورة نصرًا ميدانيًا مكتمل الأركان، بل إنجازًا سياسيًا يمكن تقديمه للرأي العام الأميركي على أنه اختراق كبير، حتى لو كان في جوهره إعادة تدوير لمقترحات سابقة أو تسويات جزئية. هذا النمط من الأداء ليس جديدًا عليه، بل هو جزء من عقيدته التفاوضية التي تقوم على تعظيم الصورة أكثر من تثبيت الوقائع.
لكن ما يميّز المرحلة الحالية هو أن هامش المناورة لم يعد كما كان. فالتوازنات الدولية لم تعد تسمح لواشنطن بفرض شروطها بسهولة، في ظل صعود قوى كبرى مثل روسيا والصين، وتحوّل الإقليم نفسه إلى لاعب فاعل لا مجرد ساحة. وهذا ما يجعل أي خطوة يقدم عليها ترامب محكومة باعتبارين متناقضين: الحاجة إلى إنجاز سريع، والخشية من الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة لا يمكن ضبطها.
في هذا السياق، يمكن قراءة اندفاع ترامب نحو التفاوض ليس كخيار سلمي خالص، بل كأداة لإدارة الصراع بوسائل مختلفة. فهو يحاول أن ينقل الاشتباك من الميدان إلى الطاولة، حيث يمكنه التحكم بالإيقاع، وتفكيك مواقف الخصوم، وربما إحداث شرخ بينهم. غير أن هذا المسار نفسه يحمل في طياته مخاطرة معاكسة: أن يتحول التفاوض إلى مساحة تستثمرها الأطراف الأخرى لتعميق الانقسامات داخل الإدارة الأمريكية، وإظهار التباينات بينه وبين حلفائه، وعلى رأسهم بنيامين نتنياهو.
الأكثر حساسية في سلوك ترامب خلال هذه الفترة هو تعامله مع عامل الزمن. فهو يعمل تحت ضغط الحاجة إلى نتيجة ملموسة، ما يجعله أكثر قابلية للقبول بتسويات سريعة، وربما غير مكتملة. وفي السياسة، كما في الحروب، السرعة ليست دائمًا ميزة؛ فقد تتحول إلى نقطة ضعف إذا استُغلت من الطرف المقابل الذي يملك ترف الوقت.
كما أن خطابه الداخلي لا يمكن فصله عن حساباته الخارجية. فترامب لا يخاطب فقط خصومه في الخارج، بل يخاطب قاعدته الشعبية في الداخل، محاولًا إثبات أنه لا يزال الرجل القادر على عقد “الصفقات الكبرى”. ومن هنا، يصبح كل تحرك خارجي جزءًا من معركة داخلية على الصورة والشرعية.
في المحصلة، تكشف الأسابيع المتبقية عن مفارقة واضحة في نهج ترامب:
رغبة في تحقيق اختراق سريع، مقابل واقع دولي يفرض تعقيدًا متزايدًا. وبين هذين الحدّين، يتحرك الرجل محاولًا الإمساك بخيط إنجاز سياسي قبل أن تتضح ملامح المرحلة المقبلة بشكل نهائي.
السؤال الذي يفرض نفسه ليس ما إذا كان ترامب سينجح في فرض رؤيته، بل ما إذا كانت خطواته ستؤدي إلى تثبيت موقعه أم إلى كشف حدود قدرته في زمن لم يعد يشبه ما قبله.
النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع

التعليقات مغلقة.