الأزمة الإسرائيلية الداخلية والمخارج المتوقعة
يمرّ الوضع الداخلي الإسرائيلي بمرحلة غير مسبوقة من الاضطراب السياسي والمجتمعي، نتيجة تراكم أزمات بنيوية تتعلق بطبيعة النظام السياسي، والانقسام الأيديولوجي، والصراع بين السلطات، إضافة إلى الضغوط الأمنية والاقتصادية. وفي ظل غياب حلول جذرية، يبرز التساؤل حول المسارات المحتملة لمستقبل هذا الوضع. وهناك عدة سيناريوهات ممكنة، استنادًا إلى شواهد واقعية من المشهد الإسرائيلي الراهن.
أول هذه السيناريوهات استمرار عدم الاستقرار والتخبط السياسي، بحيث يفترض بقاء الوضع الداخلي الإسرائيلي في حالة من الشلل، دون انهيار كامل للنظام، بشرط استمرار الأزمات السياسية والمؤسساتية. والدال على ذلك، الانتخابات المتكررة خلال فترات زمنية قصيرة ونشوء حكومات هشة باعتمادها على أحزاب متطرفة. كما أن الخلاف القائم بين السلطة السياسية والقضائية لها دورها البارز. وهذا يؤدي إلى بقاء “إسرائيل” فقيرة في التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى ويزيد من اعتماد الكيان على حلول أمنية وتصعيد خارجي كوسيلة لإدارة الأزمات الداخلية.
أما السيناريو الثاني فهو ترجيح كفة اليمين وإعادة تشكيل النظام السياسي، ويعتمد على نجاح اليمين القومي والديني في فرض رؤيته، عبر إضعاف المؤسسة القضائية، وإعادة تعريف قواعد اللعبة السياسية بما يخدم مشروع الدولة القومية الدينية، وذلك بتمرير تشريعات تهدف إلى تقليص صلاحيات المحكمة العليا، وزيادة نفوذ الأحزاب الدينية والقومية المتطرفة.
بالمقابل تراجع الخطاب الديمقراطي في الأجواء السياسية والإعلامية. وهذا يوصل الى استقرار سياسي نسبي وشكلي، ولكن يعزز التوتر مع الأقليات ويزيد بنسبة عالية احتمالات الانفجار الداخلي على المدى القصير.
أما ثالث هذه السيناريوهات فهو تعمق الانقسام وصولًا إلى أزمة بنيوية حادة. ويفترض هذا السيناريو انتقال الانقسام من المستوى السياسي إلى مستويات مؤسساتية ومجتمعية أعمق، قد تهدد تماسك الدولة نفسها. ويظهر ذلك بانقسام واضح في الشارع الإسرائيلي بين معسكرين متواجهين خلال الاحتجاجات الواسعة. كما أن هناك مؤشرات تململ داخل المؤسسة العسكرية واحتجاج بعض الجنود أو الضباط على قرارات سياسية، والأكثر إلفاتًا تراجع الثقة الشعبية بالمؤسسات الرسمية، بما فيها الحكومة والقضاء والكنيست. وفي حال تحقق هذا السيناريو، قد تواجه “إسرائيل” أزمة شرعية داخلية حقيقية، تتجلى في العصيان المدني، أو تعطيل مؤسسات الدولة، ما يضعف قدرتها على إدارة الصراع الخارجي، ويفتح الباب أمام تحولات خطيرة في بنيتها الداخلية.
أما السنياريو الأخطر فهو تصدير الأزمة إلى الخارج، بحيث تلجأ القيادة الإسرائيلية إلى التصعيد العسكري أو الأمني الخارجي بهدف توحيد الجبهة الداخلية وصرف الأنظار عن الأزمات الداخلية.
وهذا تجلى تاريخيًّا في استخدام الحروب والتصعيد كوسيلة لإعادة التماسك الداخلي. ومن الممكن أن يكتب لهذا السيناريو النجاح مؤقتًا في تخفيف الضغط الداخلي، لكنه يحمل مخاطر توسع المواجهات، ويزيد من كلفة الصراع على المستويين الأمني والاقتصادي.
لذلك تشير المؤشرات المتراكمة إلى أن “إسرائيل” تواجه أزمة داخلية بنيوية عميقة تهدد تماسكها من الداخل. فالانقسام المجتمعي، والصراع بين السلطات، وتآكل الثقة بالمؤسسات، تعكس مسار تفكك تدريجي يصعب احتواؤه بالحلول التقليدية. ومع غياب مشروع جامع، يبدو أن الكيان الإسرائيلي يتجه نحو إنهاك داخلي متصاعد، يجعل مستقبله مرهونًا بصراعاته الذاتية قبل أي عوامل خارجية.
النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع

التعليقات مغلقة.