انفكاك الحلفاء عن المقاومة: سقوط سياسي في لحظة اختبار وطني
لم تكن حرب الإسناد 2023 التي خاضتها المقاومة دعمًا لغزة، ولا معركة أولي البأس – 2024 في مواجهة العدوان الإسرائيلي على لبنان، حدثًا عابرًا يمكن التعامل معه بمنطق الترف السياسي أو الحسابات الشعبوية. لقد شكّلت هذه المواجهة لحظة اختبار وطني حقيقية، سقط فيها كثيرون ممن ادعوا يومًا الشراكة في خيار المقاومة وحماية لبنان، قبل أن ينكشفوا مع اشتداد المواجهة وتعاظم كلفتها، وعند أول منعطف حاد بدأوا الانفكاك أحزابًا وتيارات وشخصيات، مختارين التموضع في المنطقة الرمادية أو على الضفة الأخرى من المعركة.
من التمايز إلى الطعن السياسي
ما بدأ تحت عنوان “التحييد” و”الخوف على لبنان” سرعان ما تحوّل إلى خطاب اتهامي فجّ، بلغ حدّ تحميل المقاومة مسؤولية “جرّ لبنان إلى الدمار”، في تماهٍ كامل مع الرواية الإسرائيلية والغربية، إن لم يكن في الشكل ففي الجوهر السياسي. استخدام تعبيرات من نوع “تكرار جريمة توريط لبنان” ليس زلّة لسان ولا انفعالًا لحظيًا، بل خيار سياسي واعٍ، يهدف إلى إعادة توصيف فعل المقاومة كجريمة وطنية، لا كحق دفاعي مشروع، وهو توصيف يتجاوز الخلاف السياسي إلى نزع الشرعية الأخلاقية والوطنية عن فعل المقاومة نفسه.
هذا الانزلاق الخطير لا يمكن فصله عن محاولة بعض القوى غسل أيديها من أي التزام وطني أو تفاهمات إستراتيجية كانت قائمة، بل يشير إلى إعادة تموضع سياسي مدروس، وتحميل المقاومة وحدها كلفة المواجهة مع العدو، وكأن العدوان الإسرائيلي يحتاج إلى مبررات لبنانية ليقع.
التيار الوطني الحر: انقلاب على التفاهم ومحاولة إعادة التموضع
يشكّل موقف التيار الوطني الحر ذروة هذا الانفكاك السياسي. فالتيار الذي بنى جزءًا كبيرًا من وزنه السياسي على تفاهم مار مخايل (2006)، واستفاد لسنوات من مظلة التفاهم مع المقاومة، ومن الاستقرار الذي وفّره هذا الخيار، إخطار اليوم التنكّر للشراكة عند أول اختبار جدّي.
خطاب جبران باسيل الأخير لا يعكس حرصًا على لبنان بقدر ما يكشف محاولة مكشوفة لإعادة التموضع داخليًا وخارجيًا، ولو على حساب تشويه فعل المقاومة وتجريمها. الرهان واضح: محاولة استعادة جزء من قاعدته المسيحية التي تراجعت، عبر مخاطبة الهواجس الاقتصادية والأمنية، وتحميل المقاومة مسؤولية الانهيار والدمار المحتمل، مع إعادة تقديم نفسه كقوة “سيادية” قابلة للتسويق في أي تسوية رئاسية أو حكومية مقبلة، وتقديم أوراق اعتماد سياسية لعواصم غربية وعربية تشترط العداء الصريح لحزب الله كمدخل لأي دعم أو تسوية، لكن هذا الرهان، كما أثبتت التجارب، يقوم على أوهام أكثر مما يقوم على وقائع.
بقيَّة المنفكين: بين الجبن السياسي والارتهان
لا يختلف حال بقية الأطراف عن هذه المعادلة، التي ابتعدت أو تباعدت عن المقاومة وصعّدت من خطابها، وإن تفاوتت أحجامها وأدوارها، وبين صمتٍ ونقدٍ وهجوم توزّعت خلفيات المواقف، بعضها يختبئ خلف عناوين اقتصادية ومعيشية، وبعضها يتلطّى خلف شعارات الدولة، فيما الحقيقة واحدة: الخوف من كلفة المواجهة، والرغبة في النجاة الفردية، مع براغماتية سياسية ولو على حساب السيادة والكرامة الوطنية.
هؤلاء يراهنون على تسويات قادمة ويتصرفون وكأن المقاومة مغامِرة، وكأن لبنان كان بمنأى عن الاستهداف الإسرائيلي قبلها، متناسين أن كل محطات العدوان والاحتلال سبقت المقاومة ولم تنتظر قرارًا لبنانيًا جامعًا.
المغريات: أثمان سياسية مقابل التخلي
الانفكاك عن المقاومة ليس مجانيًا، ثمة أثمان تُدفع ومغريات تُعرض ومنها وعود بدعم مالي أو سياسي خارجي مشروط، مع إعادة فتح أبواب كانت مغلقة عربيًا، وتحسين الصورة لدى الغرب والمؤسسات الدولية، وتعزيز فرص المشاركة في السلطة المقبلة.
هذه المغريات تبقى مشروطة، وغير مضمونة، وغالبًا ما تُستخدم كأدوات ضغط أكثر منها التزامات فعلية، لكن في جوهرها، لا تهدف إلى إنقاذ لبنان، بل إلى إعادة إنتاج طبقة سياسية أكثر خنوعًا وطواعية، وأقل استعدادًا للمواجهة.
هل هو خيار نهائي أم مناورة؟
قد يحاول البعض تصوير هذا الانفكاك كموقف مبدئي نهائي، لكن التجربة اللبنانية تقول إن كثيرًا من هذه المواقف ستسقط عند أول تبدّل في موازين القوى، غير أن ما لا يمكن تجاهله هو أن مستوى الخطاب التصعيدي الحالي يشي باستعداد بعض القوى للذهاب بعيدًا في القطيعة، ولو أدى ذلك إلى تعميق الانقسام الداخلي في أخطر مرحلة يمر بها البلد، إلى حد يصعب التراجع عنه دون كلفة سياسية ومعنوية كبيرة.
المقاومة: ثبات في الميدان وبرودة في السياسة
في المقابل، تتعامل المقاومة مع هذه السقوطات السياسية بهدوء محسوب ولافت، لا سجالات، ولا ردود انفعالية، ولا انجرار إلى معارك جانبية، الأولوية واضحة: الاستعداد لمواجهة العدو الإسرائيلي، وحماية لبنان وأهله، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الداخلي وعدم فتح جبهات سياسية إضافية، وترك من اختاروا الانسحاب يتحملون مسؤولية خياراتهم ورهاناتهم أمام الرأي العام والتاريخ.
إنَّ صمت المقاومة لا يعني تجاهل التحولات، بل إدارتها ببرودة أعصاب، مع إدراك أن التحالفات في لبنان ليست ثابتة، وأن ما يتفكك اليوم قد يُعاد تركيبه غدًا وفق معادلات جديدة، فالمقاومة التي لم تبحث يومًا عن إجماع زائف، تدرك أن شرعيتها تُستمد من شعبها وفعلها وثباتها في الميدان وخيارها الوطني في الحفاظ على السيادة، لا من مزاج بعض الحلفاء المتقلِّبين.
الرهان على الخارج لا يبني وطنًا ولا يحميه
إنَّ ما نشهده اليوم هو فرز سياسي حاد بين من يرى في المقاومة عبئًا يجب التخلص منه لإرضاء الخارج، ومن يعتبرها خط الدفاع الأخير عن لبنان في زمن الانهيار والاستباحة. انفكاك الحلفاء ليس دليلًا على خطأ خيار المقاومة، بل على هشاشة كثير من هذه التحالفات، التي لم تُبنَ على رؤية إستراتيجية مشتركة بقدر ما قامت على تقاطعات ظرفية لم تصمد ساعة الحقيقة. ويبقى السؤال مفتوحًا: من سيصمد في خياراته، ومن سيكتشف متأخرًا أن الرهان على الخارج لا يبني وطنًا ولا يحميه؟ وأنَّ في لحظات التاريخ الكبرى، لا يُقاس الرجال بكثرة بياناتهم، بل بمواقعهم في المواجهة عندما تُقرع طبول الحرب.
النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع

التعليقات مغلقة.