حين يسبق الوعيُ الحدث ويؤكّد الميدانُ ما كُتب تحت القصف

لم يكن صدور كتاب «الوعي الذي لا يُهزم» حدثًا معزولًا عن سياقاته، بل جاء في لحظة تاريخية شديدة التعقيد، سبقت انفجار الحرب الجديدة على لبنان بالتزامن مع الحرب على إيران. يومها، بدا للبعض أن الكتاب يقرأ الماضي القريب، يوثّق مرحلة “كتابات تحت القصف”، ويحلّل خمسة عشر شهرًا من الخروقات المتواصلة لاتفاق وقف إطلاق النار، وما رافقها من ضغط خارجي وتكالب داخلي لإعلان نهاية المقاومة. لكن ما تكشّف لاحقًا، أن الكتاب لم يكن مجرد توثيق، بل كان استشرافًا دقيقًا لمسار لم يكن قد اكتمل بعد.

في متن الكتاب، تبرز الفكرة المركزية بوضوح: أن المقاومة ليست حالة عسكرية ظرفية، بل منظومة وعي تحوّلت إلى مؤسسة عصيّة على الكسر. فالتجربة التي مرّت بها خلال حرب 2024 وما تلاها، لم تُنتج حالة إنهاك كما توقّع خصومها، بل أطلقت مسارًا معاكسًا، أعاد تشكيل بنيتها على مستوى الفكر والتنظيم والقدرة. وهذا ما أشار إليه الكتاب بوضوح حين أكّد أن الرهان على “نهاية المقاومة” هو رهان على وهم، لأن الفكرة حين تتجذر وتتحول إلى منظومة، لا تعود مرتبطة بالأفراد أو اللحظات بل تصبح قابلة لإعادة الإنتاج والاستمرار .

اليوم، ومع اندلاع الحرب الجديدة، تبدو هذه الفرضية وقد تحوّلت إلى واقع ميداني. فالمقاومة التي قيل إنها انتهت، عادت لتفرض معادلات جديدة: صواريخ تصل بدقة، وطائرات مسيّرة تغيّر قواعد الاشتباك، وقدرة على المبادرة لا الدفاع فقط. هذا التحول ليس مفاجئًا لمن قرأ الكتاب بعمق، لأن ما يجري اليوم هو نتيجة مباشرة لما يسميه “العقل المؤسساتي” الذي يحوّل الضربات إلى فرص لإعادة البناء، ويحوّل الفقد إلى فائض قوة. لقد أثبتت الأحداث أن ما يُقاس بالدمار الظاهري لا يعكس بالضرورة موازين القوة الحقيقية، وأن المعركة تُحسم في مستوى الوعي قبل أن تُحسم في الميدان.

وفي قلب هذا التحوّل الميداني، يبرز ما يمكن تسميته بـ “مقبرة الميركافا” كدليل عملي على صدقية هذا المسار. فمنذ الثاني من آذار، تحوّل الجنوب اللبناني إلى حقل ألغام استراتيجي، حيث تم تدمير وإصابة عشرات دبابات الميركافا، وبلغت المواجهة ذروتها في “كمين الطيبة” الذي شهد ضرب ست دبابات في ليلة واحدة. هنا لا نتحدث عن إنجاز تكتيكي عابر، بل عن انتقال واضح في طبيعة الحرب نفسها: من ردّ الفعل إلى فرض قواعد الاشتباك، ومن الصمود إلى صناعة الاستنزاف. لقد تحطّمت صورة “عربة الرب” التي مثّلت لسنوات رمز التفوق العسكري، وسقط معها وهم الحسم السريع.

الأعمق من ذلك، أن هذا المشهد يعكس بدقة ما طرحه الكتاب حول تحويل الجغرافيا إلى عنصر قوة. فالعدو الذي اعتمد سياسة “الأرض المحروقة” ظنّ أنه أنهى القدرة القتالية للمقاومة، لكن المفاجأة جاءت من ذات الركام: القرى المدمّرة لم تتحول إلى فراغ، بل إلى خطوط دفاع متقدمة، وإلى منصات إطلاق لإعادة فرض معادلة النار. وهنا تتجلى المفارقة: ما استُخدم كأداة كسر، تحوّل إلى أحد مصادر القوة. الجنوب لم يعد مجرد ساحة مواجهة، بل أصبح بيئة قتالية ذكية تعيد صياغة ميزان الردع.

الأهم من ذلك، أن الحرب الأخيرة كشفت أيضًا عن سقوط سردية أخرى رُوّج لها بكثافة: سردية العزلة والانكفاء. فبدل أن تؤدي الضغوط الدولية والداخلية إلى تفكيك المقاومة، أدت إلى إعادة تموضعها ضمن معادلة إقليمية أوسع، مرتبطة بما يجري في إيران وساحات أخرى. وهنا يتقاطع الميدان مع النظرية التي طرحها الكتاب حول “وحدة الساحات” و”الردع غير المتماثل”، حيث لم تعد المواجهة محصورة بجغرافيا ضيقة، بل أصبحت جزءًا من شبكة توازنات تمتد على مستوى المنطقة.

إن المفارقة الكبرى التي تكشفها هذه المرحلة، أن ما كُتب تحت القصف لم يكن تعبيرًا عن حالة دفاعية، بل كان تأسيسًا لمرحلة هجومية جديدة. فبينما كان البعض يقرأ في الدمار نهاية، كان النص يقرأ في العمق بداية، وبينما انشغل آخرون بإحصاء الخسائر، كان الوعي يعيد إنتاج نفسه في بنية أكثر صلابة. وهنا تتجلى قيمة الكتاب، ليس فقط كعمل تحليلي، بل كوثيقة تثبت أن الوعي حين يتحول إلى مؤسسة، يصبح أقوى من الحرب نفسها.

في هذا السياق، أصبح كتاب «الوعي الذي لا يُهزم» متاحًا بين أيدي القرّاء، ليكون شاهدًا حيًا على مرحلة كُتبت فصولها تحت النار، وتُستكمل اليوم في الميدان. إلا أن ظروف الحرب الراهنة تفرض تأجيل حفل التوقيع إلى موعدٍ يليق بهذه اللحظة ويجمع الأحبّة على كلمة سواء. ومع ذلك، لكل من يرغب بالحصول على الكتاب، فأنا على استعداد لإيصاله شخصيًا، لا كعملٍ تجاري، بل كتقدمة رمزية عن روح سيدنا الشهيد الأسمى، وفاءً لدمٍ لم يُهزم، ولوعيٍ ما زال يصنع الطريق.

في الخلاصة، ما نشهده اليوم ليس عودة للمقاومة، بل كشفٌ عن أنها لم تغب أصلًا. إنها اللحظة التي يلتقي فيها النص مع الواقع، ويثبت فيها الميدان أن ما كُتب لم يكن قراءة للماضي، بل إعلانًا مبكرًا عن المستقبل.

النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع

التعليقات مغلقة.