صدمة الهيليوم: كيف تهدد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران الصناعات الدفاعية في العالم؟
منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير 2026، حظي مضيق هرمز باهتمام عالمي باعتباره شريانا رئيسيا للنفط والغاز الطبيعي المسال والأسمدة، إلا أن دوره كنقطة ضغط حيوية على الصناعات عالية التقنية والقدرات الدفاعية ظل غائبا عن المشهد. فقد كشفت الحرب عن هشاشة سلاسل توريد الهيليوم، وهو عنصر استراتيجي خفي وحيوي للصناعات المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، وتبريد المغناطيسات في أنظمة التصوير بالرنين المغناطيسي، وتصنيع أشباه الموصلات، وتشغيل الأجهزة الطبية، ورقائق تسريع الذكاء الاصطناعي، وضمان صمود الصناعات الدفاعية أمام المخاطر الجيوسياسية.
ويبرز التحليل التالي أهمية اتخاذ إجراءات فاعلة مع الهيليوم من خلال وضع استراتيجيات شاملة تشمل تصنيفه كغاز استراتيجي، وتطوير تقنيات تدويره واسترجاعه، لضمان استمرار الصناعات الحيوية وقدرتها على الصمود في مواجهة الأزمات الجيوسياسية المتزايدة؛ الهيليوم.
فعلى الرغم من كونه “عنصرا هادئا”، يمثل الهيليوم حجر الزاوية لاستقرار الاقتصاد الرقمي والقدرات الدفاعية الحديثة؛ فالقاعدة الصناعية الدفاعية لا تعتمد فقط على الفولاذ والتيتانيوم والوقود الدافع، بل تحتاج أيضا إلى المدخلات الصناعية الدقيقة التي غالبا ما يهمل وجودها حتى تندلع الأزمة.
وكما أظهرت الحرب الروسية على أوكرانيا تعطيل إنتاج النيون وارتفاع أسعاره بنسبة 5000٪، كشفت الحرب على إيران أن الهيليوم يشكل مدخلا غازيا استراتيجيا يحدد أداء التكنولوجيا، الاقتصادات المتقدمة، والقدرات العسكرية الرقمية على حد سواء.
نقطة اختناق صناعية حرجة:
على مدار السنوات الماضية، أصبح الهيليوم، الذي يجري إنتاجه كمشتق ثانوي من الغاز الطبيعي، نقطة اختناق صناعية جديدة على مستوى العالم، نظرا لدوره الفعال في التطبيقات العلمية والعسكرية الدقيقة.
ودفعت الحرب الحالية على إيران هذا المورد إلى دائرة الضوء، حيث أدى توقف قطر عن معالجة 5.2 مليون متر مكعب من الهيليوم شهريا منذ 12 مارس، وإعلانها استراتيجية “القوة القاهرة”، إلى ارتفاع سعره؛ حيث يضم مجمع قطر للطاقة للغاز الطبيعي المسال في رأس لفان أكبر مصنع هيليوم في العالم. فيما أعلنت شركة “إيرجاس” -إحدى أكبر موزعي الغازات المعبأة في الولايات المتحدة- تقليص إمدادات غاز الهيليوم لعملائها، بعدما أوقفت شركة قطر للطاقة الإنتاج في منشأة رئيسية للغاز الطبيعي المسال، عقب ضربة إيرانية. وتتوقع “إيرجاس” أن توفر لبعض العملاء نحو نصف الكميات الشهرية المعتادة من الهيليوم، كما تعتزم فرض رسوم إضافية بقيمة 13.50 دولار لكل 100 قدم مكعب.
وتظهر بيانات المسح الجيولوجي الأمريكي لعام 2025 أن الإنتاج العالمي من الهيليوم يبلغ حوالي 190 مليون متر مكعب، منها 81 مليون في الولايات المتحدة و63 مليون في قطر، ما يعني أن واشنطن والدوحة تمثلان حوالي 75.8% من الإنتاج العالمي للهيليوم، ما يمنحهما تأثيرا استراتيجيا على الأسواق العالمية والتطبيقات العسكرية والعلمية؛ فيما تأتي روسيا في المرتبة الثالثة بإنتاج يبلغ 18 مليون متر مكعب، ثم الجزائر (11 مليون متر مكعب)، كندا (6 ملايين متر مكعب)، والصين (3 ملايين متر مكعب) وبولندا (3 ملايين متر مكعب).
متوسط حجم الهيليوم القابل للاستخراج:
يقدر متوسط حجم الهيليوم القابل للاستخراج داخل خزانات الغاز الطبيعي الجيولوجية المحددة في الولايات المتحدة بـ 8.49 مليار متر مكعب (306 مليار قدم مكعب)، دون احتساب الهيليوم الموجود في مرافق التخزين؛ فيما يقدر متوسط حجم الهيليوم القابل للاستخراج داخل خزانات الغاز الطبيعي الجيولوجية في العالم، باستثناء الولايات المتحدة، بـ31.3 مليار متر مكعب (1.13 تريليون قدم مكعب)،موزعة ما بين قطر (10.1 مليار متر مكعب)، والجزائر (8.2 مليار متر مكعب؛ وروسيا (6.8 مليار متر مكعب)، وكندا (2 مليار متر مكعب)، والصين (1.1 مليار متر مكعب).
وتختلف أسواق الهيليوم اختلافا كبيرا عن معظم السلع؛ حيث يباع معظم الهيليوم عبر عقود طويلة الأجل بدلا من سوق فورية شفافة، مما يعني أن مؤشرات الأسعار غالبا ما تظهر ببطء حتى مع انخفاض المعروض؛ ويزيد هذا الغموض من عملية تحديد الأسعار، لكن بدأت تظهر بالفعل بوادر انخفاض المعروض؛ إذ تشير المؤشرات الأولية إلى ارتفاع أسعار السوق الفورية بنحو 50%، وسط توقعات ارتفاعات تتجاوز2000 دولار لكل ألف قدم مكعب في حال استمرار انقطاع الإمدادات.
وبحسب توقعات المراقبين، فإن انقطاع الإمدادات لمدة 30 يوما قد يرفع أسعار الهيليوم المسلم بنسبة تتراوح بين 10% و20%، بينما قد يؤدي انقطاعها لمدة تتراوح بين 60 و90 يوما إلى ارتفاع الأسعار بنسبة تتراوح بين 25% و50%، لا سيما بالنسبة للمشترين الذين لا يملكون عقود توريد طويلة الأجل.
وتهدد صدمة الإمدادات العديد من الشركات التي تستورد الهيليوم من قطر، وأهمها شركة “إير ليكيد” التي تخدم 4.3 مليون عميل ومريض عبر 59 دولة، وشركة “إير برودكتس آند كيميكالز” التي تعد من أكبر موردي الهيدروجين، والأكسجين، والنيتروجين، والغازات المتخصصة لصناعات التكرير، والكيماويات، حول العالم.
الهيليوم سلعة غريبة لها فيزياء صارمة:
يتميز الهيليوم بخصائص فيزيائية صارمة؛ فبمجرد تحويله إلى سائل يتبخر بسرعة، ما يستوجب الانتهاء من عملية تسليمه في مدة لا تتجاوز 45 يوما قبل أن تصبح الخسائر كبيرة، ويتطلب ذلك عملية انتاجية دقيقة من حيث التوقيت والانضباط اللوجستي، مقارنة بالنفط أو الحبوب.
وفي حالة الاضطراب الطويل، تتلاشى مخزونات الهيليوم، مهددة العديد من الصناعات الدفاعية، وأهمها:
(*) المناطيد والبالونات العسكرية: تستخدمه الجيوش لملء المناطيد الخاصة بالمراقبة والاستطلاع الجوي، ورفع هوائيات الاتصالات، وأجهزة التجسس ونقل المعلومات في ساحات المعارك، لكونه آمنا وغير قابل للاشتعال مقارنة بالهيدروجين.
(*) تطبيقات الفضاء والصواريخ: تعتمد الصناعات العسكرية على الهيليوم كغاز للضغط داخل صواريخ الوقود السائل ومركبات الفضاء، وضمان تدفق الوقود بكفاءة، بالإضافة إلى استخدامه في كشف تسريبات الأنابيب والأنظمة الدقيقة.
(*) صناعة الأسلحة والتبريد: يستخدم الهيليوم السائل لتبريد المعدات الإلكترونية الحساسة، والمغناطيسات فائقة التوصيل في أنظمة الرادار المتطورة ومصادمات الجسيمات.
(*) غواصات القوات البحرية: يجري استخدام الهيليوم في خلطات الغازات -مثل الهيليوكس- للتنفس تحت الماء، نظرا لكونه أقل ذوبانا في الدم من النيتروجين، مما يقلل خطر التسمم بالنيتروجين عند الغوص لأعماق كبيرة.
(*) التدريب العسكري: تستخدم بعض الجيوش بالونات الهيليوم في عمليات التدريب لتوزيع المنشورات أو أجهزة التدريب من علو شاهق.
الهيليوم عنصر خفي لتطوير الذكاء الاصطناعي:
يعتمد تطور الذكاء الاصطناعي على النماذج ومراكز البيانات وقدرات الحوسبة؛ وتبدأ القصة الصناعية لهذه التكنولوجيا الرقمية في مراحل أبعد من ذلك؛ حيث تعتمد أجهزة أنظمة الذكاء الاصطناعي على نظام بيئي صناعي قائم على الغازات والمواد الكيميائية والأدوات الدقيقة واللوجستيات المتخصصة للغاية؛ ويعد الهيليوم المدخل الأكثر هدوءا الذي يساعد هذا النظام البيئي الصناعي على العمل، بحسب موقع “ذا ناشيونال إنترست” الأمريكي.
وبالتالي؛ فإن فقدان ثلث الإمدادات العالمية من الهيليوم –جراء الحرب الحالية- يضع العالم، والولايات المتحدة ذاتها، أمام معضلة التعامل مع أولويات عدة أهمها:
(-) النظر إلى الهيليوم كغاز صناعي استراتيجي ضمن سياسات أشباه الموصلات والتخطيط الصناعي الدفاعي، وتتبع خرائط سلسلة التوريد في عصر الرقائق على الغازات الصناعية –وفي القلب منها الهيليوم- كجزء من تقييمات الصمود للمصانع والإلكترونيات وقطاعات التصنيع عالية القيمة.
(-) الاسترجاع وإعادة التدوير؛ فعلى الرغم من أنه نادرا ما يتم إعادة تدوير الهيليوم في الولايات المتحدة، إلا أن الإدارة الأمريكية يجب أن تضع حوافز لأنظمة استعادة الهيليوم في المصانع والمختبرات والمرافق الطبية والتصنيع المتقدم.
(-) التنسيق مع الحلفاء؛ حيث يجب أن تتعامل الولايات المتحدة وحلفاؤها مع اضطرابات الهيليوم كما يتعاملون مع صدمات سلاسل التوريد الأخرى باعتباره هدفا يمكن أن يعزز أو يضر اقتصادياتهم وجيوشهم، وذلك من خلال إبرام العقود طويلة الأجل، والتخطيط التعاوني للطوارئ، وتحسين رؤية الغازات الصناعية عبر شبكات الإنتاج الحليفة ستعزز الصمود الصناعي في الأزمة القادمة؛ حيث يجري تطوير مصادر جديدة للهيليوم في مواقع مثل تنزانيا وحوض خليج بوهاي في الصين.
(-) التحول إلى غازات بديلة مثل الهيدروجين في التطبيقات الصناعية والمخبرية، وكذلك النيتروجين خاصةً في تقنية كروماتوغرافيا الغاز والتي تستخدم لفصل وتحليل، وتنقـية المركبات العضوية المتطايرة والمخاليط الغازية؛ واستخدام مولدات الهيدروجين في الموقع للحد من مخاطر السلامة.
وفي ضوء ما كشفته الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، يظهر أن الهيليوم، رغم كونه عنصرا “هادئا”، يمثل حجر الزاوية لاستقرار الاقتصاد الرقمي والقدرات الدفاعية الحديثة. فالهيليوم ليس مجرد غاز يستخدم في البالونات، بل هو عنصر استراتيجي حيوي يتطلب التعامل مع الأزمة الراهنة من خلال استراتيجيات شاملة تشمل تصنيفه كغاز صناعي استراتيجي، وتعزيز الإنتاج الاحتياطي، وتطوير التقنيات الخاصة باسترجاعه وإعادة تدويره، وتنويع مصادره، وتحسين وسائل تخزينه.
هاني زايد – مركز رع للدراسات الاستراتيجية
النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع

التعليقات مغلقة.