عبّاس السيّد: الرجل الذي سيعيش أكثر من “إسرائيل”

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

في 21 مارس/ آذار 2012، اقتاد خمسة عشر سجّاناً رجلاً مُكبَّلاً من زنزانته باتجاه غرفةٍ مجهولةٍ في سجن جلبوع. أخبروه بأنها عيادة طبيّة، لكنها كانت عيادةً لحقدهم، وطباً مزعوماً لجراحهم التي تسبَّب بها الرجلُ المُكبّل طيلة الانتفاضة الثانية. قيّدوه في سريرٍ داخلها، وانهالوا عليه بالضرب المبرح. كادت أن تزهق روحه، “لولا أنّ منّ الله عليّ بجسدٍ صابرٍ على البلاء، لكنتُ الآن جثّةً هامدة”، كتب لزوجته بعد أن نجا.

كان اسمه عبّاس السيد، رجلٌ خمسينيّ يجرّ خلفه حُكماً بعمر حضاراتٍ وأمم؛ 36 مؤبداً و200 عام؛ 3764 عاماً عليه أن يعيشَ كي يقضي محكوميتَه. لن تعيش “إسرائيل” حتى ذاك الوقت، لكنّ عبّاس ورفاقه سيعيشون. عندما كانت الناس تنام على جراحها التي تسبّب بها الاحتلالُ، كان عبّاس يسهرُ مشغولاً بالثأر لهم ليشفي صدورهم، وهناك – في أعزّ مكان في صدورهم – سيعيشُ طويلاً.

لم يكن هذا الاعتداء على الرجل الخمسينيّ يتيماً، فلقد سبقته ولحقته اعتداءاتٌ أخرى، في معظمها تنتقم منه لعمليّة نوعيّة أشرف عليها ضمن عمليّات عدّة، لهذا بالتحديد ترفض “إسرائيل” إدراجه على قوائم تبادل الأسرى. فمن هو عبّاس السيد؟

صورة للأسير عباس السيد من داخل قاعة المحكمة عام 2010؛ تصوير نعوم موسكوفيتش. من أرشيف الباحث بلال شلش.

على وقعِ الضربات
قبل عامٍ واحدٍ من تثبيت “إسرائيل” أركانها كدولة عام 1967، وُلِد عبّاس السيّد، دون أن تعلم هذه الدولة الطارئة أنّ من سيهزّ أركان هذا الاستقرار قد ولد لتوّه. نشأ عبّاس في أجواء هزيمة “الجيوش العربيّة”، وفي داخله كان ينمو “جيشٌ” لا يعبأ بأساطير هذه الدولة.

تخرّج من جامعة العلوم التكنولوجيّة الأردنيّة عام 1989 في تخصّص الهندسة الميكانيكيّة. وخلال حياته الطلابيّة هناك، برزت شخصية عبّاس القياديّة، فنشطَ في مجال الدعوة الإسلاميّة، وانتُخب رئيساً للجمعية العلميّة الطلابيّة لدورتين متتاليتين، وساهم في تأسيس نادي “الرأي والرأي الآخر”. في هذه الفترة انتمى عبّاس إلى جماعة الإخوان المسلمين في الأردن، وعلى خلفيّة ذلك ونشاطه الملموس، حجزت المُخابرات الأردنيّة على جواز سفره ومن ثمّ رحّلته إلى الضفّة الغربيّة.

عاد عبّاس وما لبث أن التحق بصفوف حركة “حماس”، وكان مسؤولاً فيها عن ملف الحركة الطلابيّة. كما نشط في نقابة المهندسين في مدينته، وعمل في شركة “الأنترميد” لتصليح الأجهزة الطبيّة، والتي انتدبته للدراسة في الولايات المتحدة الأميركيّة، فسافر لمدّة عام وأنهى تعليمه المُتخصّص في الأجهزة الطبيّة.

وعندما عاد هذه المرة من أميركا، كان ذلك في العام 1992؛ العام الذي قُلِبَت فيه الأوضاعُ رأساً على عقب. خطفت “كتائب القسّام” ضابط حرس الحدود الإسرائيليّ نسيم طوليدانو، بغرض مبادلته مع أسرى فلسطينيّين، وحين لم تستجب “إسرائيل” لذلك، جرى قتله. على إثرها رحّلت “إسرائيل” 415 فلسطينيّاً من حركتي “حماس” و”الجهاد الإسلامي”، من الضفّة والقطاع، إلى الحدود اللبنانيّة، فيما عُرف بإبعاد “مرج الزهور”، ظنّاً منها أنّها تجتثّ بذلك الحركات الإسلاميّة المقاومة من جذورها. وعلى النقيض من إرادة “إسرائيل”، كان الإبعاد فرصةً ذهبيّةً لتلك التنظيمات كي تعيد بناء نفسها.

لم يكن عبّاس ممن جرى إبعادهم، إذ لم يكن معروفاً وقتها. لكن يد القدر كانت تخطّ له مساراً جديداً، فعلى إثر إبعاد “مرج الزهور”، شعر عبّاس بأنّ على عاتقه مسؤوليّة ملء الفراغ الذي أحدثته الضربة في واقع الضفّة الغربيّة. وهكذا أخذ عمله في الحركة بعداً مختلفاً، فبدأ بالتحرّك بشيءٍ من الخفاء يجوب مدن الضفّة، حليق اللحية، طويل القامة، بهندام مرتّب وشعرٍ مسرّح على الدوام، بهيئةٍ دفعت عنه “الشبهة”، ودفعت أحد المحققين الإسرائيليين لاحقاً بتشبيهه بمغني الروك الأميركيّ الشهير وقتها “الفيس بريسلي”.

غزل البلاء
خلال تلك الفترة، اعتُقل السيّد اعتقاله الأوّل، تحديداً في 21 يونيو/ حزيران 1993 (ولم يكن قد مضى على زواجه حينها من إخلاص الصويص شهران)، وكان ذلك بداية الانتباه الإسرائيليّ لنشاطه الحركيّ، وجرى التحقيق معه حينها على خلفيّة الاشتباه بضلوعه في تشكّيل “كتائب عبد الله عزّام”. كان يُراد لـ”كتائب عبد الله عزّام” أن تكون بمثابة الجناح العسكريّ لـ”حماس” في الضفّة، غير أنّ خلاياها في الضفّة الغربيّة، وفي طولكرم تحديداً، تكشّفت قبل أن تباشر العمل.

الأسير عباس السيد برفقة الشهيد جمال منصور والشهيد يوسف السركجي على مائدة الطعام من داخل سجن جنيد التابع للسلطة الفلسطينية، عام 1997.

عند خروجه من السجن، كانت الضفّة تشهد شيئاً من انتعاش العمل التنظيميّ لـ”حماس”، وذلك إثر انتصار مبعدي “مرج الزهور” وعودتهم إلى البلاد. خلال تلك الفترة، انتُدب عبّاس ليكون ناطقاً إعلاميّاً للحركة. لكنه سرعان ما اعتقل مجدداً في 22 نوفمبر/ تشرين الثاني 1994. “لسّا كانت الناس ترن علي بدهم يجوا يباركولنا”، تقول زوجته إخلاص. كان هذا الاعتقال ضمن حملة اعتقالاتٍ واسعة، شملت 22 شخصاً، وتعرّضت الحركة في محافظة طولكرم بسببها لضربةٍ قاسية، وتكشّفت فيها هياكل التنظيم.

مكث عبّاس في سجون الاحتلال 11 شهراً، وفي سجن طولكرم المركزيّ الذي كان يعرف باسم “المسلخ” وقتها لقساوة التحقيق فيه، تعرّض عباس لتحقيق عسكريّ شديد. هنا، ظهرت واحدة من أبرز صفاته التي سيُعرف بها لاحقاً؛ لا يمنح عبّاس أولاد الوسخة حرفاً. وعلى إثر صموده هذا، خرج ولم تثبت عليه أي تهمة.

وُجِّهت إلى عباس تهمٌ عديدة جرّاء ما لحقه من اعترافات: تمويل، وتنظيم، وعضوية جهاز عسكريّ، وتسليح، ومسؤولية “حماس”، وغيرها. وبغية انتزاع اعترافاتٍ منه، تعرّض لتحقيق قاسٍ لكنه لم يعد على الإسرائيليين بنتيجة. جرى على إثر ذلك تحويله إلى الاعتقال الإداري، فمكث في السجن 19 شهراً. لم يعترف عبّاس خلالها بشيء، “حتّى باسمه” تقول إخلاص.

حين كان يمرّ أسير على زنزانة تواجد فيها عبّاس، غالباً ما يجد عبارات خطّها على جدران الزنزانة: “الإنكار أقرب الطرق إلى الدار، والاعتراف خيانة لله والوطن والمبدأ الكريم”، و”ألم الشبح يزول، وقبح المحقّق يختفي، لكن ألم الاعتراف باقٍ لا يزول فاحذروا الاعتراف”، وأجملها “المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده”، مُعيداً تأويل الحديث النبويّ على وقع تجربةٍ جهاديّةٍ منحت المقاوم فقهاً لن يحوزه في غُرَف الدرس. كانت تلك الجمل كفيلةً بأن تُحافظ على رباطة جأش الأسرى، لأنّها مقرونة بشخصٍ برهن عليها بجسده وروحه حتّى باتت تجربته في التحقيق تُدرّس في كرّاسات السجن.

إحدى الرسائل التي أرسلها عبّاس إلى زوجته مرّة من داخل السجن، بدت غزلاً في البلاء: “كانت أيام التحقيق جميلة جداً، حافلة بالمغامرات، كانت تمرّ عليّ لحظات لم أتذوّق طعمها من قبل، كنت أشعر بقوّةٍ منبعها الاعتصام بحبل الله، هي قوة أقوى من قوة المحقّقين أنفسهم، كانت تجربة غنية تزيد المرء إصراراً على المضيّ قدماً في طريق الجنة، تجربة تكشف عن معادن الرجال، تجربة زالت آلامها وبقيت ذكرياتها، لقد صارحوني بتخوّفهم من المدّ الإسلامي، وعدم ثقتهم ببقاء دولتهم، كنت أعاملهم معاملة الندّ، حتى أصبحوا بعد فترةٍ من التحقيق ضعافاً مهزومين بفضل الله و قوته”.

خمس دقائق!
خرج عبّاس من ضربة تنظيم طولكرم عام 1994 مُنتصراً إذ لم ينتزعوا منهُ اعترافاً، ومُحبطاً إذ انتزعوا الكثير من بعض رفاق الطريق. والناس معادن لا تتشابه أحوالها في الاستجابة تحت النار، فمنها من يزداد صلابةً ومنها من لا يصمد. لذا لم يعاود عبّاس نشاطه بعد الخروج من السجن مُباشرةً، وصرف جلّ وقته على أموره المعيشيّة. افتتح شركة تبريد وتكييف، وعمل في إصلاح الأجهزة الطبيّة في العديد من مُستشفيات الضفّة. “هون عبّاس عِقِل”، تقول إخلاص، فقرّرا الإنجاب، فجاءت مولودتهما الأولى مودّة عام 1997.

عباس السيد يحمل ابنته مودة وهي بعمر شهرين، خلال زيارتها له أثناء اعتقاله في أحد سجون السلطة .

لكن لكي “يعقل” شخص معلّق عقله بالآخرة ودنياه بفلسطين حرّة من نهرها لبحرها، فإنّه يحتاج لأكثر من وظيفة ثابتة وعائلة مستقرّة وأطفال. ففي نفس الفترة التي كانت فيها إخلاص تحمل جنينها الأول، كان عباس يجتمع مع قيادات من حركة “حماس”، من بينهم الشهيد جمال منصور. وفي ذلك الوقت تصدّر عبّاس الإعلام، وأصبح الناطق الرسمي لحركة “حماس” في محافظة طولكرم.

مرّت ثمانية أيّام على إنجاب مودّة. قبّل عبّاس مولودته الجديدة، وذهب إلى نومه قائلاً لإخلاص: “الليلة بدي أنام نومة مزبوطة، محداش يصحيني”. في تلك الليلة، أيقظته أجهزة الأمن التابعة للسلطة من نومةٍ كان يشتهيها. “خمسة دقائق”، قالوا لزوجته. وغاب تسعة أشهر.

في تلك الفترة، كانت أجهزة السلطة تحاول البرهنة لـ “إسرائيل” على قدرتها في قمع العمل المقاوم، فاعتقلت المئات من المقاومين، كان من بينهم عبّاس السيّد. تنقّل في سجون طولكرم وأريحا ونابلس، وفي سجن أريحا تحديداً تعرّض لتحقيق قاسٍ؛ “ما بنسى الحالة اللي جابوه فيها”، تقول إخلاص وهي تستذكر مذعورةً.

خرج من سجون السلطة، ثمّ رُزق عبّاس بمولوده عبد الله؛ الولد الذي لن يكون له حظّ من التعرّف على والده إلا من خلال البوسترات والمكالمات وقصاصات مهرّبة من خلف أعين السجّان. يروي أحد الأسرى المحرّرين، أنّ عبّاس من سجنه طلب منه إيصال رسالة إلى زوجته. وفي الرسالة كانت بعض قصاصات الورق المأخوذة من الجرائد، تحمل صور قططٍ وحيواناتٍ أليفة، جمّعها عبّاس لولده.

العهدة العشريّة

الأسير عباس السيد وعن يمينه الشهيد عامر الحضيري ويساره الأسير معمر شحرور أثناء الإعلان عن العهدة العشرية؛ الصورة من أرشيف الباحث بلال شلش.

اندلعت الانتفاضة الثانية عام 2000. كان عبّاس وقتها قائد حركة “حماس” في محافظة طولكرم وممثّلها في شمال الضفّة الغربيّة، وشارك في تأسيس المكتب الإعلامي لها على مستوى الضفّة والقطاع. كما قاد عبّاس في تلك الفترة شبكةً واسعةً من العمل العسكريّ في محافظة طولكرم، وفي المناطق المحيطة بها. ارتكزت هذه الشبكة على مجموعة ضيّقة من المقربين، وانبثقت منها العديد من العمليّات النوعيّة. نشاط عبّاس العسكريّ لم يكن معروفاً لدى الناس إذ عهدوه ناطقاً إعلاميّاً وممثلاً سياسيّاً للحركة، وكأنّ يدهُ اليُمنى التي كانت تحمل الميكروفون، لم تكن تعلم بأمر اليد اليُسرى التي كانت تحمل السلاح.

ومحاولة من السلطة لضبط الأوضاع ومنعها من التدحرج، اعتقلت عبّاس مرة أخرى عام 2001، حين كان مطلوباً لدى الاحتلال. لكنه فرّ من السجن بعد أسبوعين، مما جعله مطارداً لدى السلطة أيضاً. وفي فبراير/شباط 2001، خرج عبّاس السيّد على الناس في مهرجان حاشد، مُلقياً عليهم نبأً سيُعتبر انعطافةً في العلاقة النديّة مع الاحتلال: العهدة العشريّة.

في العادة، يجري تبني العملية بعد حدوثها، أمّا الجديد في العهدة العشريّة، أنّه أُعلن عن تبنّي عشر عمليّات استشهاديّة قبل وقوعها ما أحدث حالةً من الرعب في قلوب الإسرائيليين ودَفَع الفصائل للمنافسة. جاء إعلان هذه العشريّة رداً على تصريحات أريئيل شارون، رئيس حكومة الاحتلال وقتها، التي قال فيها إنّه سيعمل على إنهاء الانتفاضة خلال مئة يوم.

أولى هذه العمليّات نفّذها أحمد عليّان، ثمّ لحق به محمود مرمش. وقد نُسبت هاتان العمليّتان إلى عبّاس وخليّته، ونجحت باقي العمليّات بأهدافها مُتجاوزةً محاولات “إسرائيل” الحثيثة وقتها لإيقاف سلسلة عمليّات العهدة العشريّة.

على إثر ذلك، أعلنت “إسرائيل” قائمةً بالمطلوب اغتيالهم، وكان من ضمنهم عبّاس السيّد.

إرث الشهداء المُمتد
للرجلِ الذي تشحذ الضربات من عزيمته، حدثان اثنان أحدثا فيه شيئاً: استشهاد فوّاز بدران، والذي شكّل تعرفه على عبّاس نقلةً نوعيّةً في العمل العسكريّ، واستشهاد جمال سليم وجمال منصور، وكلاهما كان في يوليو/ تمّوز عام 2001. كان عبّاس يستعدُ ليبثّ في الناس إعلاناً يزّوده الجمالان به، إلا أنّ اغتيالهما حالَ دون ذلك. هكذا، ظلّ الإعلانُ مُعلّقاً، لذا أراد عبّاس أن يملأ الإعلان بنفسه مُنتقماً لرفاقه بعمليّة “فندق بارك”.

قرّر عباس تنفيذ عملية مزدوجة: واحدة أراد لها أن تنفجر وسط محطّة للباصات على مدخل جامعة “بار ايلان” في مستوطنة رامات غان، والأخرى في بناية مكاتب في نتانيا. خلال التجهيز للعمليّة، قُبض على نهاد أبو كشك وهو متوجّه إلى بلدة عنبتا ليُحضر الأحزمة الناسفة، وقد كانت بحوزته وصيّة الاستشهادي عبد الباسط عودة. واغتال الاحتلال عامر الحضيري، وبدأ بملاحقة أفراد الخليّة. وشيئاً فشيئاً، بدأت تُشير المُعطيات لدى الإسرائيليين إلى شخص عبّاس السيّد باعتباره العقل المُدبّر.

أربك اغتيال الحضيري واعتقال أبو كشك الخليّةَ، وأعاق ذلك من تنفيذ العمليّة. دفع ذلك عبّاس إلى الاستعجال في الخطّة، قبل أن تغتال “إسرائيل” المُنفّذين. كان عودة جاهزاً، فيما نضال قلق تعذّر قدومه. قرأ القرآن وصلّى، وصوّره عبّاس وهو يقرأ وصيته. ارتدى حزام 10 كيلو، ومعه كرات معدنيّة مُتفجّرة بقطر 3 ملم و7.4 ملم، وقطع معدنيّة بطول 50 ملم. تجوّل السائق والمُنفّذ في أراضي عام 1948 بين هرتسيليا وتل أبيب وتنانيا لمدّة 5 ساعات، بحثاً عن هدفٍ مناسبٍ لتنفيذ العمليّة، حتّى اقترح عودة الذهاب إلى نتانيا فهناك ثمّة فنادق يعرفها جيّداً.8 في 27 مارس/ آذار 2002، وقع الانفجار في مدينة نتانيا (المقامة على أراضي أم خالد)، فقُتل 30 إسرائيليّاً وجُرح 200 آخرين.

كانت عمليّة “فُندق بارك” مفترقاً هاماً في انتفاضة الأقصى إذ بعثت الروح فيها من جديد، وعلى إثرها شرعت “إسرائيل” باجتياح مدن الضفّة الغربيّة فيما عُرِف بعملية “السور الواقي”. أمّا ما زاد في كفاءة هذه العمليّة فمتعلقٌ بالمادة المُتفجّرة “نيتروجليسرين”، التي أدخلها فوّاز بدران.9 إلى العمل المقاوم في الانتفاضة، تحت إشراف من عبّاس.10 وهكذا، ارتحلت المادة التي باتت تُعرف بـ”أمّ يحيى” في ربوع فلسطين، حاملةً معها إرثاً كاملاً للمجاهدين الذين عملوا على تطويرها أو إيصالها أو ارتدائها.

الخيارات محدودة: أسير أو شهيد
استمرّت مطاردة عبّاس ثمانية أشهر، من أكتوبر/ تشرين الأوّل 2001 إلى مايو/ أيّار 2002، تعرّض خلالها لعدّة محاولات اغتيالٍ واعتقال. هذه الفترة “هي الأسوأ” كما تصف إخلاص، إذ كلّما حلّقت طائرةٌ إسرائيليّة في السماء تحفّزت عائلته وتخوّفت من اغتياله.

في 8 مايو/ أيّار 2002، حلّقت الطائرة الإسرائيليّة في سماء مدينة طولكرم، تحديداً فوق سماء مُخيّمها. حاصرت كتيبة الجيش الإسرائيليّة البيت الذي تواجد فيه عبّاس، بعد أن فرضت طوقاً على المخيّم. كان الرجل الذي يستضيف عبّاس في بيته خارجاً يبحث عن مأوى آخر له، ولكنّه لم يستطع الرجوع بسبب التطويق الشديد للمخيّم. لم يكن باقي أفراد البيت الذي يستضيف عبّاس على علم بأنّ من لديهم مطارد، وليس أيّ مطارد. خرج الضيف إلى كتيبة الجيش بدون سلاحه الـ M18 مُقدّراً حُسن الضيافة، خشية أن يؤدي اشتباكه معهم إلى إصابة أحد أفراد المنزل أو الحيّ. رفع الضابط الإسرائيليّ قبّعته وأدى له التحيّة، وكان هذا آخر اعتقالٍ له.

أُسِر جسدُ عبّاس، لكنّ عزيمته لا سلطانَ لأحدٍ عليها. واصل في السجن عمله ومسؤوليته تجاه مُجتمعه، فتولّى العديد من المهام مثلَ قيادة الهيئة العليا لحركة “حماس”. وكان صاحب الفضل في طرح مسألة النُطف المُحررة وإثارتها للنقاش، ومن ثمّ تثبيتها كمشروع لكثير من الأسرى، الذين تمكّنوا رغم أحكامهم العالية والمؤبّدة من أن يُنجبوا حوالي 100 طفل من أصلابهم. إضافة إلى ابتكاره ما سُمّي بـ “الغرفة النموذجيّة” في السجن، والتي كانت الفكرة منها تربية وإعداد من يُتوسّم بهم القيادة ذات يوم، فتلقّوا التدريبات المختلفة كالتدرّب على اتخاذ القرارات وكيفيّة العيش كقائد، وتلقّوا العلوم المُختلفة كالإدارة والسياسة والفقه والأمن.

حين أجرى عبّاس مُكالمته الأولى مع زوجته إخلاص بعد الاعتقال الأخير، اطمأن منها على أهل البيت الذين آووه، واطمأنّ تحديداً على امرأة حامل خاف عليها أن تُسقط جنينها من هول الصدمة. وممّا قاله لها: “أوّل رسالة كنت بدي ابعتلك اياها تكون زوجة شهيد (يقصد الوصيّة)، لكن أبى الله إلا أن تكوني زوجة أسير”. وحين زارته إخلاص في سجنه لأوّل مرّة، تشارك الزوجان اللذان لم يعيشا كثيراً مع بعضهما لحظاتٍ لا يُمكن لأحد مُصادرتها منهم، فقال عبّاس لزوجته: “من زمان ما أكلنا مع بعض يا إخلاص، طولي الشكولاته إلي معك، وأنا معاي شوكلاتي”.

مثنى خميس – متراس

النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.