مستقبل أوروبا يتحدّد على حدود بولندا

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

“لا بد لدول الاتحاد الأوروبي من أن ترتقي إلى مستوى التحديات الجيوسياسية لمواجهة استغلال الدكتاتور البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو المهاجرين لزعزعة استقرارها”، هكذا بدأ المحلّل السياسي والكاتب بمجلة “لوبس” الفرنسية بيير هاسكي مقالًا حذر فيه من أن ما يحدث على الحدود الشرقية للاتحاد الأوروبي هو أولًا وقبل كل شيء أزمة جيوسياسية، قبل أن يكون توترًا بسبب الهجرة.

“نعم، هناك خطر على مصير الآلاف من الرجال والنساء والأطفال الذين استدرجهم مهرّبون عديمو الضمير إلى هذه المنطقة”، حسب هاسكي الذي يرى أن على أوروبا تحمّل المسؤولية الأخلاقية والسياسية للقيام بما يلزم لمعالجة البعد الإنساني لهذه المأساة العالمية.

وحذّر هاسكي من أن الاقتصار على النظر فقط إلى مشكلة الهجرة من دون الانتباه إلى الخلفية الجيوسياسية، كما يفعل مروّجو الخوف في النقاشات السياسية بأوروبا، هو مجرد تلاعب، أو في أحسن الأحوال سذاجة، مشيرًا إلى أن ذلك يعني في كلتا الحالتين عدم فهم العالم الذي نحن فيه منذ سنوات عدة من دون أن ندرك ذلك تمامًا، فنحن اليوم في عصر صراع القوى واختبارات القوة وإعادة توازن العالم، وعدم إدراك ذلك يعني أن علينا أن نتحمّل تداعياته، وفقًا للكاتب.

ولفت هاسكي إلى أن وصف العالم بالأبيض والأسود أمر سهل غير أن ثمة دوما واقعا أكثر تعقيدًا، وهذا هو الحال في هذا الجزء من القارة الأوروبية، إذ كانت النقاشات فيها تتركز، حتى قبل أيام قليلة، على انتهاكات سيادة القانون من قبل الحكومة البولندية، وصعوبة تعامل الاتحاد الأوروبي مع ذلك، بل بدأ الحديث عن “بولاكسيت” (Polaxit)، على غرار بريكسيت، ولم تعد وارسو تخفي أنها تعدّ بروكسل “موسكو الجديدة”، لكن المناخ تغير فجأة بعد تغير الوضع على الحدود بين روسيا البيضاء وبولندا.

وفي ظل هذا الارتباك، يقول هاسكي إن الاتحاد الأوروبي أفلت من الفخ الأول الذي كان سيقسمه على نفسه كما حدث في عام 2015، خلال موجة الهجرة الكبرى؛ فدوله هذه المرة لم تتحدث بصوت واحد فحسب، بل تصرفت بشكل فعال لمنع الرحلات الجوية التي تنقل هؤلاء المهاجرين من العراق أو سوريا أو تركيا إلى المطارات البيلاروسية قبل نقلهم إلى بيلاروسيا، من خلال الضغط الدبلوماسي. ولكن الكاتب أوضح أن هذا لا يحل المشكلة، بل ربما يحدّ منها فقط، ويبقى السؤال الجيوسياسي بلا حل؛ إنه يكمن في التحدي الذي يمثله بقاء الدكتاتور البيلاروسي ألكسندر لوكاتشينكو في السلطة، بفضل “عرّابه” الإقليمي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وفق الكاتب.

وأضاف أن بإمكان أوروبا أن تأخذ المشكلة بكل أبعادها، لكنها ستظل مضطرة إلى التعامل مع دكتاتور موجود في السلطة المطلقة منذ تفكك الاتحاد السوفياتي، أي منذ 3 عقود.

ورأى أنه من دون روسيا، لم يكن للدكتاتور في مينسك أن ينجو من نطاق الخلاف الداخلي ومن ثم العقوبات المفروضة على نظامه بسبب قمعه مؤيدي الديمقراطية.

ففلاديمير بوتين، حسب هاسكي، يتحكم بشكل تام في ألكسندر لوكاشينكو، لذلك من الصعب تصديق نفي الرئيس الروسي أي مسؤولية لبلاده في الوضع الحالي على الحدود البولندية، خاصة عندما يغادر جزء من الرحلات الجوية إلى مينسك من دمشق التي يدين نظامها بكل شيء للدعم العسكري الروسي.

يقول الكاتب “أضف إلى هذه الصورة القاتمة حشد القوات الروسية الآن على الحدود الأوكرانية، فذلك يعدّ علامة جديدة على التوتر في هذه المنطقة حيث يشن بوتين حربًا متعددة الأوجه لصدّ أي نفوذ غربي”.

ولا ينبغي، حسب الكاتب، لهذه المواجهة الجيوسياسية، التي تتطلب تضامنًا لا ينضب من الدول الـ27، أن تحجب مصير المهاجرين، والطرق المسدودة للسياسة الأوروبية في هذا المجال.

وختم هاسكي بالقول إن على فرنسا التي ستتسلم الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي أن تسهم في رسم سياسة أوروبية مشتركة للتعامل مع الهجرة، مشيرا إلى أن تلك مهمة صعبة للغاية، لكن الاتحاد الأوروبي لن يكون قادرًا أبدًا على مواجهة التحديات الجيوسياسية مثل تلك التي تتكشف عند حدوده الشرقية إذا لم تكن لديه سياسة واضحة ومتماسكة تكون وفية لقيمه المقدسة في مسائل الهجرة، موضحا أن تناقض الاتحاد يكمن في خلفية الأزمة على الحدود البولندية، وأن أوروبا لن تفلت منها.

لوبس

النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.