بعد 39 عامًا على مجزرة صبرا وشاتيلا، هل من ناجين حقًا؟

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

مريم علي – خاص الناشر |

ُتُعرف الصدمة النفسية حسب معجم ميريام ويبستر على أنّها حالة نفسية أو سلوكية مضطربة ناتجة عن ضغوط نفسية أو عاطفية شديدة أو إصابة جسدية. أمّا أوكسفورد، فيقدم تعريفاً مشابهاً لكنّه يتطرق لعنصر الزمن فيقول إنّ الصدمة النفسية حالة ناتجة عن صدمة شديدة، سيما حين تستمر آثارها الضارة فترة طويلة من الزمن. تسعة وثلاثون سنة مرّت على مجزرة صبرا وشاتيلا التي نُفّذت عام 1982 على يد مجموعات لبنانية تمثّلت بحزب الكتائب اللبناني وجيش عملاء لحد بتغطية من العدو الصهيوني. تسعة وثلاثون سنة مرّت على من يسمونهم في التقارير والمقالات “ناجين”. هل هم كذلك بالفعل؟ هل تنجو المجتمعات من الصدمات؟ وما الذي تتركه بداخلنا؟


في السادس عشر من أيلول عام 1982، طّوق العدو الإسرائيلي مخيمَي صبرا وشاتيلا بقرار من رئيس أركان الحرب الإسرائيلي رافايل إتيان ووزير الحرب آريل شارون، تمهيداً لدخول الميليشيات على ثلاث فرق تتشكّل كلٌّ منها من خمسين مُسلَّحاً. اقتحموا بيوت المخيم الموزعة على مساحة لا تتعدى كيلو متراً مربعاً فقط وقتلوا من فيها، اغتصبوا نساءً، نحروا رؤوساً، ذبحوا بطون حوامل، سرقوا ونهبوا ونكّلوا ومثلوا بالجثث. استمرت المجزرة ثلاثة أيام وتشير الدراسات إلى وقوع 2000 إلى 3000 ضحية (حسب الصحفي البريطاني روبرت فسك والصليب الأحمر) بين مفقود وشهيد ومعتقل. انتهت المجزرة وغدت مشاهد وقصصًا في ذاكرةٍ جمعية تتزاحم فيها المجازر والحروب وتتقاطع مع تفاصيل الحياة اليومية. وإذا ما عدنا إلى تعريف الصدمة النفسية، فلا شكّ أنّ مجزرة صبرا وشاتيلا شكّلت صدمة جماعية لكل من عاشها بشكل مباشر أو غير مباشر، ولكل من سمع عنها آنذاك وشاهد جزءاً منها على شكل صورة أو حكاية، وكل من كان ضمن المستهدفين المقصود ترهيبهم وردعهم عن مقاومة العدو الإسرائيلي.


بدأ مصطلح “الصدمة الجماعية” بالاستخدام في العام 1972 مع عالم الاجتماع الأسترالي كاي ثيودور إركسون، في كتابه Everything in Its Path: Destruction of Community in the Buffalo Creek Flood (1978) تحدث فيه عن الآثار النفسية -الاجتماعية للكارثة البيئية التي شهدتها ولاية فرجينيا الغربية والتي أدّت إلى وفاة أكثر من مئة شخص. يقول كاي إريكسون إنّ الكارثة أنتجت “صدمة نفسية جماعية” نتيجة تعطل الشبكات الاجتماعية والأحياء. ويذهب برنت بيزو، أستاذ علم النفس الأوكراني في جامعة كارلتون، أوتاوا (كندا) إلى دراسة الآثار التي خلّفتها مجاعة هولدومور التي وقعت في الموسم الزراعي 1932- 1933 حين قامت حكومة الاتحاد السوفياتي بمصادرة كامل محصول القمح الأوكراني والكازاخستاني، ما أدى إلى وفاة 7 ملايين أوكراني حسب التقديرات. وانتهى بيزو إلى أنّ المجاعة المفتعلة لا تزال آثارها تلاحق الأجيال التي وُلدت بعد المجاعة بعقود، إذ إن مجموعة من المشاعر والعواطف واستراتيجيات المواجهة ظهرت لدى الناجين وانتقلت منهم إلى الجيلين الثاني والثالث! وتعددت الأبحاث والكتب التي تناولت موضوع الصدمة الجماعية وآثارها. كثر البكّاؤون! ولنا أن نسأل الآن: ماذا عنّا؟ ماذا عن كل المجازر والحروب وعمليات القتل اليومي التي نشهدها منذ سبعين سنة؟ ماذا عن مجزرة صبرا وشاتيلا؟ أظن أنّ الجواب جاهز عند كثير منّا؛ واضح وبسيط، لا وقت لدينا للدخول في متاهة البحوث ولا نملك ترف البكاء، أو بالبلدي “عنّا مناعة”.


يمكن ترجمة جملة قد تبدو ساذجة كـ “عنّا مناعة” إلى كلماتٍ علميةٍ أكثر مع مقال أستاذة العلوم الإجتماعية ماري دو يونغ في جامعة غراند فالي ستايت Collective Trauma: Insights from Research Errand المنشور من قبل الأكاديمية الأميركية للخبراء في الإجهاد الناجم عن الصدمات، 2020، إذ تكلمت عن دور الثقافة في حماية المجتمعات من آثار الصدمات الجماعية معتبرة أنّه حين تقوم الثقافة؛ باعتبارها مجموعة القيم والمعتقدات والمواقف والمخزون المعرفي لدى مجتمع معين، بدورها فإنّها تحمي الأفراد من بعض الآثار والنتائج المدمرة. أو يمكن الاستشهاد بما انتهى إليه كاي اريكسون نفسه في كتابه Everything in its Path من استنتاج يقول فيه “إنّ المجتمع هو الذي يحتضن الألم ويوفر سياقاً للألفة ويعمل كمستودع للتقاليد القديمة، ولذلك أقترح أنّ عوارض الصدمة التي يعاني منها الناجون هي ردة فعل على خسارة الجماعة ورد فعل على الكارثة نفسها على حد سواء، وأنّ الخوف والإحباط الذي يواجهه المرء على امتداد التجربة مستمد من صدمة انسلاخه عن السياق المجتمعي”.
ربما يحتاج كاي اريكسون للاستشهاد بالتجربة الفلسطينية كي يقدم مثالاً ملموساً واقعياً عمّا احتاج إلى 310 صفحات لفرده! أمّا نحن، فلدينا الواقع نفسه. وحين نسمع بستة أسرى فلسطينين استعادوا حريتهم باستخدام ملعقة وبقايا مقلاة، نعرف أنّ مجزرة من بين مجازر كثيرة أخرى، كصبرا وشاتيلا تركت في داخلنا غضباً وعنفواناً وإصراراً. ورغم كل الفشل الذي نوسم به كعرب على أصعدة مختلفة، إلا أنّ الواقع يقول إنّنا نجحنا ولو بمعيار واحد فقط: احتضان الألم!

النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.