الأكفان دَيْن الثّابتين
نتلقّف المشاهد والأمطار تنهمر بغزارة فوق جماجم أعاروها خالصة لله، مشاهد نراها في أوانها، ولكنّها جزء من سنوات توالت فيها التّضحيات حتّى في أيّام السّلم، أقصد الهدوء، إذ لا سلم وفي جوارنا مغتصب وغاصب متربّص بنا شرًّا وتوسّعًا.
في المشهد الّذي يطلق فيه الرّجال صلياتهم المباركة تنفتح المخيّلة على أيّام شتاء باردة يتنقّلون فيها في الجبال والأودية، وأيّام قيظ يحملون فيها السّلاح لينقلوه سرًّا وخفية وبرشاقة لا مثيل لها، فلا أذكر يومًا أنّي رأيت مقاومًا مسلّحًا، ولا شابًّا مدجّجًا، ولا مرّ في ذاكرتنا أنّ فلانًا عاد بعتاده، وإن كان لنا من الشّرف الكثير أنّ فلانًا (نعرفه) ربّما يكون مقاتلًا فليس عليه هيئة العسكر، ولا مظاهر القوّة والشّدّة، ما يدفعني إلى التّساؤل: أيّ رجال هؤلاء الّذين يقبضون شدّتهم بيننا ليبسطوا الرّحمة ويتعقّلوا بالمودّة؟
في مشهد الأكفان شعور آخر مختلف، لا يمكن للمرء العاقل أن يكمل المشاهد كلّها، ولا يمكن للمرء العاقل أن يشكّ لحظة أنّ لهولاء دينًا لا يوفّى، أيّ بأس هذا الّذي يجعل الرّجل في تسليم لله وطاعة لأمره؟! أيّ إيمان هذا الّذي يدفع بالرّجال الأشدّاء لأن يكونوا خاضعين لله من غير تردّد؟ أيّ تسليم بالقضاء؟
حالهم كحال مسلم بن عقيل حين وصل إلى الكوفة وهو يدرك جيّدًا ما سيجري، ولكنّ السّؤال الّذي يطرح نفسه هنا: أين نحن من كلّ هذا؟ أين نحن من طوعة في وفائها لمسلم؟ وفي وفائها هذا ولاء للحسين بن عليّ (ع). هل أكتفي بالمشاهدة؟ هل يشفيني البكاء حصرًا؟
لا ننكر أبدًا أنّنا نحتاج اليوم إلى البكاء، لا بل إنّ الدّموع تغسل الغضب المتواري فينا كي لا يقدح في غير أوانه، ألم يوصِنا سيّدنا الأقدس أن نخبّىء الغضب إلى حين حاجته؟! نعم! لا ننكر أنّ العيون تفضح القلوب وتشفي الجراح النّازفة، ولكن ماذا بعد البكاء؟
بعد البكاء مسؤوليّة تثقل كاهل الفرد الواعي، تدفع به إلى سلوك درب جهاد التّبيين بحنكة، بعد البكاء ديون لا يمكن الوفاء بها، لذا على الأقلّ علينا أن نتحمّل واجب التّبيين، وهو أمر لا يكون اعتباطيًّا، لأنّه يحتاج إلى القراءة والتّمحيص، وجمع المعلومات وفهمها وتقديمها بتفرّد يسهم في تمكين ثباتها في عقل الآخر.
كم هو ثقيل هذا الدّين! أن يلبس الرّجل كفنه لنلبس نحن الأعياد، أن يستشهد الرّجل ليحيا الأفراد، أن تصبح الزّوجة أرملة لنعيش استقرارنا الزّوجيّ، أن يصبح الطّفل يتيمًا ليعيش ابني في ظلّي، أن تكون الأمّ ثكلى لتظلّ الأمّهات يجمعن أبناءهنّ في الفرح حولهنّ، كم هي مستحيلة هذه المعادلة! أيّ توازن هو هذا الّذي يختزل الأنا من معادلة الوطن لتحيا الجماعة؟! وأيّ فناء تقابله الحياة؟!
إنّ الأيدي المتفسّخة والعيون الذّابلة دين لا يوفى، إنّ آلام الأجساد الّتي صنعت وحملت ونقلت ودكّت وأطلقت دين لا يوفى، إنّ هذا الكفن الّذي لبسه رجال الله هو حجّتهم علينا يوم الحشر، من هنا يبدو أنّه بات لزامًا علينا أن نكون أكثر وعيًا في المجالات المتعلّقة بالمقاومة، وبات لزامًا علينا أن نرصد الحقائق ونتبيّنها، وننقلها جيلًا بعد جيل كي لا نهمل مراعاة هؤلاء الّذين لم يهملوا لحظة واحدة مراعاتنا.
النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع

التعليقات مغلقة.