العقد الاجتماعي المكسور: كيف فقدت الدولة معناها وأعادت المقاومة إنتاج الثقة؟
في علم النفس الاجتماعي، لا تسقط السلطة حين تفشل فقط، بل حين ينكسر العقد الاجتماعي بينها وبين مجتمعها. هذا العقد غير المكتوب يقوم على تبادل واضح: الحماية مقابل الولاء، والإنجاز مقابل الثقة. وعندما يختل هذا التوازن، لا يكون ما يحدث مجرد أزمة سياسية عابرة، بل انهيار في المعنى الذي يمنح الدولة شرعيتها في الوعي الجمعي.
في الحالة اللبنانية الراهنة، لم يكن الإخلال بالوعود مجرد تأخير أو عجز إداري، بل بدا وكأنه غياب كامل للإرادة. فقد التزم كل من رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام بإعادة إعمار ما دمره العدوان الإسرائيلي عام 2024، لكن هذا الالتزام لم يتحول إلى أي مسار فعلي يُذكر. هنا يبدأ العقد الاجتماعي بالتصدع، إذ يشعر المجتمع بأن الدولة لم تُخلف وعدها فقط، بل لم تحاول أصلًا الوفاء به، وهو ما يولد إحساسًا عميقًا بما يمكن تسميته بـ “الإهمال المدرك”.
هذا الإحساس لا يتشكل في الفراغ، بل يتقوى بالمقارنة مع تجارب راسخة في الذاكرة الجمعية، تعود إلى حرب تموز 2006، حين تحول وعد “ستعود أجمل مما كانت” إلى إعادة إعمار فعلية أعادت مع المكان شعور الناس بكرامتهم وقدرتهم على النهوض. في هذا السياق، لا يقارن الناس بين خطابات، بل بين عقد اجتماعي مكسور وآخر جرى ترميمه بالفعل.
ويمتد هذا التصدع إلى ملف استعادة وتحرير الأسرى، حيث لم تُترجم التعهدات الرسمية إلى أي نتيجة ملموسة رغم مرور أشهر طويلة. في المقابل، تستعيد الذاكرة الجمعية تجربة المقاومة في تحرير الأسرى، وعلى رأسهم سمير القنطار، ما يعزز في وعي الناس صورة الجهة التي تفي بوعدها وتعيد تعريف القوة والقدرة. هنا لا يقتصر التحول على الثقة فقط، بل يمتد إلى مستوى أعمق، حيث يعيد الأفراد تعريف انتمائهم: من يمثلهم فعليًا، ومن يجسد هويتهم الجمعية في لحظات الخطر.
لكن الأخطر من غياب الفعل، كان في محاولة إعادة تعريف الواقع نفسه. فقد برز خطاب سياسي رسمي يعتبر أن المقاومة قد هُزمت في 2024، وأن “إسرائيل” فرضت معادلة ميدانية جديدة. هذا النوع من الخطاب لا يعيد إنتاج الشرعية للدولة، بل يسرّع في تفككها، لأنه يصطدم مباشرة بالتجربة الحيّة للناس. وفي هذا السياق، يمكن قراءة هذا السلوك بوصفه شكلًا من أشكال العنف الرمزي، حيث يُفرض على المجتمع تفسير للواقع يتناقض مع معيشه الفعلي، ما يفاقم الإحساس بالاغتراب ويفكك ما تبقى من عقد اجتماعي متصدع.
وفي الوقت الذي كان يُفترض فيه أن تعيد الدولة ترميم هذا العقد عبر تعزيز قدرتها على الحماية، اتجهت إلى مسار معاكس تمثل في التركيز على نزع سلاح المقاومة. ولم يكن وقع هذا الخيار غير مناسب سياسيًا فقط، بل نفسيًا أيضًا، خاصة حين جرى تفجير هذا السلاح على مسمع الجنوبيين، في وقت لم تلتئم فيه جراحهم، فيما كانت الاغتيالات مستمرة. هنا يتعمق الشعور بأن الدولة لا تكتفي بعدم الحماية، بل تساهم في نزع مصادرها، ما يوسّع الفجوة بينها وبين مجتمعها.
ومع تجدد العدوان “الإسرائيلي” في آذار 2026، ظهرت أزمة العقد الاجتماعي بشكل أكثر وضوحًا. ففي الوقت الذي طُلب فيه من الجيش اللبناني الانسحاب وعدم المواجهة، برز حضور ميداني سريع للمقاومة حال دون تثبيت وقائع جديدة على الأرض، وفق إدراك جمهورها. في المقابل، اتجهت الدولة إلى توقيف من ينقلون السلاح، ما خلق انطباعًا بأن أولوياتها لا تتطابق مع أولويات الناس، وأنها غير مهتمة للتعامل مع التهديد الخارجي.
هذا التباين في الأداء يعيد تشكيل الوعي الجمعي على نحو عميق. فالدولة، عبر إخلالها بوعودها وغياب محاولتها، لم تفشل فقط في الإنجاز، بل فقدت قدرتها على تمثيل الجماعة نفسيًا. في المقابل، رسخت المقاومة في وعي جمهورها موقعها كفاعل قادر على ملء الفراغ وإعادة إنتاج الثقة من خلال الحضور والفعل.
في المحصلة، لا تكمن المشكلة في أن الدولة أخفقت فحسب، بل في أن العقد الاجتماعي الذي كان يفترض أن يربطها بمجتمعها قد كُسر. فبين عقد لم يعد قائمًا، وآخر يُعاد إنتاجه على أساس الفعل والإنجاز، يحسم الناس موقعهم، لا وفق الخطابات، بل وفق من ينجح في تحويل الوعد إلى واقع، والخطر إلى مواجهة، والخذلان إلى معنى.
النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع

التعليقات مغلقة.