هل تقاتل موسكو وبكين دفاعًا عن طهران؟

كلما ارتفعت نبرة التهديد المتبادل بين واشنطن وطهران، وخرجت “طبول الحرب” عن إيقاعها المنضبط لتنذر بمواجهة وشيكة، يعود إلى الواجهة ذلك السؤال الإشكالي الذي يشغل بعض غرف صناعة القرار ومراكز الأبحاث: “هل تمتلك الدولة الإيرانية فعلًا تعهدًا من حلفائها في الشرق خاصة الصين وروسيا يضمن تدخلهم العسكري المباشر؟”. وبمعنى أكثر واقعية؛ هل لدى موسكو أو بكين أدنى استعداد للمخاطرة بالمصالح والانخراط في “دفاع إستراتيجي” لصد عدوان خارجي محتمل أميركي تحديدًا يستهدف الجغرافيا الإيرانية؟

عند تفكيك بنية النصوص القانونية للاتفاقيات الموّقعة بين الصين وإيران، والأخيرة وروسيا واستقصاء المناخ السياسي السائد حتّى العام الحالي، يتبيّن لنا حقيقة موضوعية متفق عليها، وهي أن الواقع الجيوسياسي يشي بأن موسكو وبكين، وإنْ ارتقت علاقاتهما مع طهران إلى رتبة “الشراكة الإستراتيجية” الشاملة، إلاّ أنهما لم توقّعا قط على تعهد للدخول في أتون المواجهة.

موسكو وطهران.. شراكة تحت سقف “الحياد السلبي”
ارتبطت القراءة السياسية لمعاهدة الشراكة الإستراتيجية الشاملة، الموقعة بين موسكو وطهران في السابع عشر من كانون الثاني/يناير 2025، بكثير من التوقعات التي ذهبت نحو ولادة “ناتو شرقي” قادر على قلب موازين القوى الدولية؛ إلا أن الفحص الموضوعي لمواد المعاهدة السبعة والأربعين، والتي دخلت حيّز التنفيذ النهائي بعد استكمال التصديقات في تشرين الأول/أكتوبر 2025، يكشف عن هندسة دبلوماسية روسية بالغة الدقة في رسم المسافات الإستراتيجية. فهذه الاتفاقية التي صُممت لتمتد عقدين من الزمن، حافظت على حذر شديد تجاه الالتزامات العسكرية المباشرة، ونأت بنفسها عن صياغات الدفاع الجماعي الملزم.

وعند الانتقال من الأطر العامة إلى البنية الإجرائية للمعاهدة، تظهر “المادّة الخامسة” كركيزة تقنية تهدف إلى بناء “تكامل دفاعي” يتجاوز التعاون التقليدي دون بلوغ عتبة التحالف القتالي. فالمعاهدة ترسم مسارًا دقيقًا للتعاون العسكري التقني يشمل تبادل الخبرات الإستراتيجية والتكتيكية، وتفعيل برامج تدريب مشتركة تجلّت في إرسال مئتي ضابط إيراني إلى الأكاديميات العسكرية الروسية بين عامي 2025 و2026، بهدف تحقيق المواءمة التشغيلية بين المنظومات الروسية الوافدة (مثل Su-35 وS – 400) والمنظومات الإيرانية المحليّة.

ولا يقتصر هذا التعاون على الجانب البري والجوي، بل يمتد ليشمل “أمن البحار” عبر مناورات دورية في بحر قزوين وخليج عُمان، كان أبرزها “أمان 2025″، وتشكيل فرق طوارئ سيبرانية مشتركة لمواجهة التهديدات الرقمية. إلا أن هذا الزخم التقني والاستخباراتي يظل محكومًا بالبند الحاسم في ذات المادّة، والذي يحصر الالتزام القانوني عند حافة “الحياد الإيجابي”؛ حيث تكتفي المعاهدة بإلزام الطرفين بعدم مساعدة المعتدي ومنع استخدام الأراضي لأعمال عدائية، مع الإحالة الدائمة لحل النزاعات وفق ميثاق الأمم المتحدة؛ وهو ما يكرس المادّة الخامسة كأداة لرفع الكفاءة القتالية الذاتية لإيران وتحصينها تكنولوجيًا، مع ضمان احتفاظ موسكو بمسافة أمان إستراتيجية تخوّلها رفض أن تكون طرفًا مقاتلًا في مواجهة لم تختر توقيتها أو سياقها، وهو ما جسدته التصريحات الرسمية التي نفت بوضوح وجود أي التزامات دفاع متبادل تحت مظلّة هذه المعاهدة.

وقد تمظهر هذا المسار في سلسلة من المواقف الرسميّة التي واكبت مراحل التصديق على المعاهدة؛ إذ حرص المسؤولون الروس، ومن بينهم نائب وزير الخارجيّة أندريه رودينكو خلال إحاطاته أمام مجلس الدوما في ربيع 2025، على التأكيد أنّ الاتفاقيّة لا تهدف إلى إنشاء “تحالف عسكري قتالي” بالمعنى التقليدي أو الدخول في التزامات دفاعية آلية. وقد أوضح الجانب الروسي أنّ المادّة الثالثة من المعاهدة تركز بشكل أساسي على آلية “التشاور الفوري” و”تنسيق المواقف” عند نشوب تهديد لأمن أحد الطرفين، مع الالتزام بمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. وبذلك، تبتعد المعاهدة عن صيغة التحالفات الهجومية، لتركز بدلًا من ذلك على تعزيز التعاون التقني-العسكري، وتبادل المعلومات، وتنسيق التدابير العملية المشتركة لمواجهة التحديات الأمنية الإقليمية. وهو الموقف ذاته الذي تبناه السفير الإيراني في موسكو كاظم جلالي حين ميّز بوضوح بين هذه المعاهدة وبين اتفاقيات الدفاع المشترك التي تجمع روسيا بحلفاء آخرين كبيلاروسيا أو كوريا الشمالية، مشددًا على خلو النص من أي بند للدفاع الجماعي.

وعلى النقيض من الحذر الدبلوماسي الذي صبغ المعاهدة مع طهران، جاءت “معاهدة الشراكة الإستراتيجية الشاملة” بين موسكو وبيونغ يانغ (الموقعة في حزيران/يونيو 2024) لتعيد إحياء تحالفات الحقبة الباردة بصيغة أكثر حدة؛ إذ تضمنت المادة الرابعة منها نصًا صريحًا يلزم الطرفين بتقديم “المساعدة العسكرية وكافة الوسائل المتاحة فورًا” في حال تعرض أحدهما لعدوان مسلّح، وهو ما يمثل “بند دفاع مشترك” متكامل الأركان.

وفي مطلع عام 2026، حسم وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف هذا الجدل بربط أي تحرك روسي تجاه التصعيد ضدّ إيران بـ “المشاورات السياسية العاجلة”، وهي لغة دبلوماسية تؤكد أن حدود الدعم الروسي تقف عند تعزيز “الردع التقني” والغطاء السياسي، دون الانزلاق إلى الانخراط العسكري المباشر.

إلى ذلك، يمكن تفسير امتناع روسيا عن التدخل العسكري المباشر دفاعًا عن إيران بوصفه نتاج شبكة مصالح إستراتيجية معقّدة تتجاوز ثنائية التحالف والخصومة. فموسكو، أولًا، لا ترغب في فتح جبهة صدام مفتوحة مع الولايات المتحدة وحلفائها في الشرق الأوسط في لحظة لا تزال فيها منخرطة بعمق في الحرب الأوكرانية، وتُدرك أن أي مواجهة مباشرة مع واشنطن ستُضاعف كلفة الاستنزاف العسكري والاقتصادي وتستنزف قدراتها الإستراتيجية على أكثر من مسرح في آن واحد.

ثانيًا، تحافظ روسيا على توازن دقيق في علاقاتها الإقليمية، ولا سيما مع “إسرائيل” ودول الخليج، حيث تمثل هذه الأطراف قنوات سياسية واقتصادية وأمنية لا تستطيع موسكو التفريط بها. التدخل العسكري المباشر لصالح إيران سيقوّض هذا التوازن، ويحوّل روسيا من لاعب موازن إلى طرف منحاز، بما يهدّد بقايا نفوذها في سورية، ويعرض تفاهماتها الأمنية الهشة مع “تل أبيب” للخطر.

ثالثًا، تتبنّى موسكو في تعاطيها مع هذا الملف بمقاربة “التمكين الدفاعي” كبديل عن “الحماية المباشرة”؛ وهي إستراتيجية قائمة على مبدأ دعم الحلفاء بالقدر الذي يمنع انكسارهم الجيوسياسي، دون الانزلاق إلى مستنقع الحروب بالوكالة. فروسيا ترى في تعزيز القدرات الدفاعية الإيرانية أداة فعالة لتحقيق الردع الوقائي، ما يبقي الصراع تحت سقف قابل للإدارة وضمن حدود الحسابات السياسية، بينما يمثل الانخراط العسكري المباشر مخاطرة إستراتيجية قد تدفع المواجهة نحو مسارات فوضوية تفتقر فيها موسكو لأدوات السيطرة على مآلاتها.

بكين وطهران.. شراكة “التمكين التقني” وتحفّظات التحالف العسكري
أما عن المسار الصيني، فتظهر المقاربة الإستراتيجية تجاه طهران أكثر تحفظًا من الناحية العسكرية، حيث تظل “وثيقة التعاون الاستراتيجي الشامل لمدة 25 عامًا” الموقعة في 27 آذار/مارس 2021 إطارًا اقتصاديًا وجيوسياسيًا بامتياز، تتركز أولوياته حول تأمين تدفقات الطاقة مقابل استثمارات ضخمة طويلة الأمد.

وتعتمد بكين في صياغة علاقتها مع طهران على مبدأ “تأمين المصالح الحيوية عبر الدبلوماسية لا الصدام المسلح”، وهو ما يجعل الدور الصيني في موازين القوى الإقليمية في العقد الحالي ينحصر في توفير “الردع الاقتصادي” والبدائل التقنية. فرغم انخراط بكين في تزويد إيران بمنظومات رادار متطورة ودمجها في نظام الملاحة الفضائي “بيدو” وتكثيف المناورات البحرية الثلاثية، إلا أن هذه الخطوات تندرج ضمن إستراتيجية “تمكين الشريك” لرفع كلفة استهدافه، دون تقديم أي التزامات قانونية بالتدخل العسكري المباشر. فبكين التي توازن بدقة بين حاجتها للنفط الإيراني وحرصها على استقرار سلاسل الإمداد وعلاقاتها مع الأسواق الغربية ودول الخليج، حافظت على خط أحمر ثابت يتمثل في عدم الانزلاق نحو “الأحلاف الدفاعية” التي قد تجرّها إلى مواجهة عسكرية غير محسوبة في الشرق الأوسط.

وعند فحص البنية القانونية لـ “وثيقة التعاون الشامل” الموقّعة بين بكين وطهران، يتضح خلوُّها التامّ من أيّ بنود تنص على “الدفاع المتبادل” أو “التحالف العسكريّ الملزم” بمفهومه القانونيّ الدوليّ؛ إذ تفتقر الوثيقة إلى “بروتوكول تدخُّل” يحدّد آليّات الاستجابة العسكريّة في حال تعرُّض أحد الطرفَيْن للهجوم، وهو ما يميّزُها جذريًّا عن معاهدات الدفاع المشترك التي تُبْرمها القوى الكبرى.

وفي التفصيل، تركز الملاحق الثلاثة للوثيقة (الأهداف، مجالات التعاون، الإجراءات التنفيذيّة) على أهداف إستراتيجيّة اقتصاديّة وعسكريّة غير تقليديّة، حيث يُحدّد الملحق الأوّل مجالات مثل النفط والبتروكيماويّات والزراعة والشبكات الذكيّة، بينما يُفصّل الملحق الثاني الأهداف الأساسيّة في “المشاركة الفعّالة في مشروع الحزام والطريق”، وتطوير سواحل مكران، والتعاون في التكنولوجيا والاتّصالات السلكيّة/اللاسلكيّة، والماليّة، مع ذكر صريح للتعاون الثّنائي في المجالات العسكريّة والدفاعيّة والأمنيّة، لكنّه يقتصر على تعزيز البنية التحتيّة الدفاعيّة، مكافحة الإرهاب، ومناورات عسكريّة منتظمة كإظهار للقوّة والتوافق دون أيّ إشارة لآليّات الدفاع المُلزم.

أمّا الملحق الثالث فيركز على “الإجراءات التنفيذيّة” لتحقيق هذه الأهداف، مثل إمداد الصين بنفط خام مُستديم (1.8 مليون برميل/يوم)، وتطوير موانئ مثل جاسك، وإنشاء الجيل الخامس للاتّصالات (5G) ومحرك بحث إيرانيّ، مما يُؤكّد الطّابع التّجاريّ-الإستراتيجيّ للوثيقة بعيدًا عن الالتزامات العسكريّة المباشرة.

ويمكن فهم امتناع الصين عن التدخل العسكري المباشر دفاعًا عن إيران من خلال منظومة مصالح إستراتيجية متشابكة تحكم السلوك الصيني منذ عقود. فبكين، بخلاف موسكو، لا تنظر إلى الشرق الأوسط كساحة صراع عسكري، بل كفضاء حيوي لتأمين الطاقة واستقرار سلاسل الإمداد العالمية. أي تورط عسكري مباشر إلى جانب إيران سيضع الصين في مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة، ويهدّد المصالح الجوهرية التي تقوم عليها نهضتها الاقتصادية، وفي مقدمتها تدفق التجارة عبر الممرات البحرية الخاضعة عمليًا للهيمنة الأميركية، وعلى رأسها مضيق ملقا الذي يمر عبره القسم الأكبر من واردات الصين النفطية.

إلى جانب ذلك، تحرص بكين على الحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها مع أطراف متناقضة في الإقليم؛ فهي ترتبط بشراكات اقتصادية عميقة مع دول الخليج، التي تمثل موردًا رئيسيًا للطاقة وسوقًا استثماريًا ضخمًا، كما تسعى إلى توسيع نفوذها الدبلوماسي عبر سياسة “الوسيط المحايد” كما ظهر في رعايتها للاتفاق السعودي-الإيراني. هذا يعني أن التدخل العسكري لصالح طهران سيقوض هذا الدور، ويحوّل الصين من قوة توازن إلى طرف منحاز، بما يهدّد شبكة مصالحها الاقتصادية والاستثمارية التي بُنيت على مبدأ عدم الانخراط في الصراعات (مبدأ الصعود السلمي).

كما تنطلق المقاربة الصينية من عقيدة راسخة في سياستها الخارجية تقوم على رفض التحالفات العسكرية الصلبة والتدخلات المسلحة خارج حدودها، والاكتفاء بأدوات النفوذ غير المباشر: الاقتصاد، التكنولوجيا، والبنية التحتية. لذلك تفضّل بكين دعم إيران عبر تعزيز قدرتها على الصمود التقني والاقتصادي – من أنظمة الملاحة البديلة إلى التعاون السيبراني – دون تحمل كلفة سياسية أو عسكرية قد تعرّض مشروعها الأكبر، أي الصعود السلمي وإعادة تشكيل النظام الدولي من الداخل، إلى انتكاسة خطيرة.

أما بالنظر إلى جوهر العقيدة الأمنية الإيرانية في مواجهة هذه المعطيات، فيبدو جليًا أن طهران تدير أمنها القومي وفق إستراتيجية “الاعتماد على الذات”، مع تدعيم هذه القدرات بمنجزات التقنية الشرقية. ويمنح الدعم الروسي والصيني طهران ثلاث أوراق قوة جوهرية؛ أولها الردع التقني المتمثل في منظومات الدفاع الجوي والملاحي المتطورة التي ترفع من كلفة أي هجوم جوي، وثانيها الغطاء الدبلوماسي في مجلس الأمن الدولي الذي يعرقل محاولات “شرعنة” أي عمل عسكري ضدّها، وثالثها البدائل الاقتصادية واللوجستية التي تساهم في امتصاص صدمات الحصار الخانق.

ومع ذلك، يظل هذا الدعم محكومًا بسقف “الردع غير المباشر” والحسابات الباردة للقوى الكبرى؛ فروسيا لا تبدو مستعدة للتضحية بشبكة علاقاتها المعقّدة مع “إسرائيل” من جهة، ومع واشنطن من جهة أخرى خاصة بعد التدخل الأميركي في الموضوع الأوكراني، كما أن الصين لن تجازف بمصالحها في الأسواق العالمية وأمن إمدادات الطاقة من دول الخليج من أجل الانخراط في حرب مباشرة.

وبناءً عليه، فإن الأمن الإيراني لا يرتكز على الأحلاف أو وعود الدفاع المشترك إنْ حصلت، بل على معادلة حسابية قوامها أن السلاح الروسي والتقنية الصينية سيجعلان ثمن استهداف إيران باهظًا، إلا أن قرار المواجهة وحماية الأرض سيبقى رهنًا بالقدرات العسكرية الإيرانية الخالصة.

النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع

التعليقات مغلقة.