“الرهان على الخطأ” وخفايا السيناريو الأميركي.. لماذا لن تقع إيران في فخّ اليابان؟
ثمة تقاطع تاريخي لافت بين المشهد الياباني عشية عام 1941 والواقع الإيراني في عام 2026 في طبيعة المواجهة المحتدمة مع الولايات المتحدة الأميركية، وهو تقاطعٌ يتجاوز مجرد التشابه السطحي بين حصارين، ليعبّر عن منطق “القوة المستكبرة” حين تبلغ ذروة ضغطها وتراهن على أن الخصم، المحاصر اقتصاديًا ونفسيًا، سيسقط في فخ الانفعال. في الحالتين، يُستخدم ما يمكن توصيفه بـ”الخنق الإستراتيجي” عبر العقوبات، والعزل، والاستعراض العسكري كبديل مدروس للحرب الشاملة، مع افتراض أن الطرف المُحاصَر سيُدفَع إما إلى القبول بشروط قسرية أو إلى ارتكاب “الخطأ الأول” الذي يمنح “شرعية” الانفجار العسكري.
هذا الفرض يستند إلى نتائج بحث أكاديمي معمّق عالجتُه في أطروحة الدكتوراه التي تناولت تطوّر التحدّي الأميركي-الياباني منذ مرحلة ما قبل الحرب العالمية الثانية وصولًا إلى إعادة هندسة شرق آسيا في سياق الحرب الباردة. وقد بيّنت تلك الدراسة أن أدوات الضغط الأميركية، من “دبلوماسية السفن السوداء” إلى الحصار النفطي عام 1941، كانت مكونات لعقيدة قسرية متكاملة تهدف إلى إعادة تشكيل سلوك الخصم وحدود حركته الإستراتيجية.
انطلاقًا من هذا الإطار، أود التوضيح بداية أن الربط بين نموذجي اليابان وإيران لا يهدف إلى كونهما حالتين متشابهتين أو إلى إسقاطٍ آلي للتجربة التاريخية، بل إلى تفكيك منطق الإكراه الإستراتيجي الأميركي وحدود فاعليته. فالإشكالية المركزية لا تكمن كما يركز العديد من الباحثين على احتمال اندلاع المواجهة، بل تندرج في إطار سؤال يُطرح تلقائيًا حول “من يملك زمام المبادرة في لحظة الانتقال من الضغط إلى الانفجار؟”، وهو ما يجعل الحالة الإيرانية اختبارًا معاصرًا لصلاحية هذا النموذج في عالم أكثر تعقيدًا وتعددًا في أدوات الردع.
إن القراءة المتأنية للتجربة اليابانية، وما تلاها من حرب مدمرة، تكشف أن الانزلاق إلى الحرب لم يكن قرارًا عقلانيًا بقدر ما كان نتاج سوء تقدير مزدوج. آنذاك اعتقدت واشنطن أن الحصار سيشلّ اليابان، وطوكيو اعتقدت أن الضربة الاستباقية ستغيّر ميزان القوّة. اليوم، يبدو أن واشنطن تحاول إعادة إنتاج هذا النموذج مع إيران، لكن مع فارق جوهري هو أن طهران تعي الدرس التاريخي جيدًا، وتبني إستراتيجيتها على تفادي الخطأ الذي ارتكبته اليابان.
ولتأكيد فرضيتنا، لا بد من الإشارة أولًا إلى أن التاريخ يبرهن بوضوحٍ على أن الحصار حينما يبلغ مستوياتٍ تهدّد بقاء الدولة أو تمس كرامتها السيادية، قد يتحول من أداة ردعٍ تهدف لضبط السلوك إلى محفزٍ قسريٍ يدفع نحو المواجهة الشاملة. وتكمن الخطورة البنيوية في الإستراتيجية الأميركية الراهنة في المراهنة على انهيار إيران أو ارتكابها خطأً إستراتيجيًا تحت وطأة الضغط؛ إذ تبدو واشنطن في الاشتباك الحالي مع طهران، وكأنها تستعيد نهج عام 1941 عبر استخدام أدوات الحصار الاقتصادي والضغط العسكري المكثف كوسيلةٍ لإخضاع الخصم دون الانجرار إلى صدامٍ مباشرٍ. وعليه، تمثّل سياسة “الضغط الأقصى” الممارسة ضدّ طهران اليوم النسخة المعاصرة من الحصار النفطي التاريخي الذي فُرض على اليابان، ولكن ضمن قوالب أكثر تعقيدًا تشمل العقوبات المالية المغلظة، والخنق البحري المستجد، والتهديد الدائم باستخدام القوّة، إلى جانب التحشيد العسكري المتدرج في محيطٍ جغرافيٍ شديد الحساسية والتعقيد.
بناءً على هذا التقاطع التاريخي والجيوسياسي المعقّد، تبرز حاجة ملحّة لاستشراف المآلات الميدانية التي قد تفرزها حالة “الخنق الإستراتيجي” الراهنة، إذ إن هذا التوّتر المشحون بالاحتمالات يفتح الباب أمام مساراتٍ متمايزةٍ تتراوح بين الانفجار المفاجئ و”الاحتواء الهش”، ما يستوجب رسم مسارات للسيناريوهات المتوقعة التي تحاكي منطق الصراع الحالي المحتدم بين واشنطن وطهران.
السيناريوهات المحتملة
أولًا: سيناريو الخنق الممنهج
في هذا السيناريو، تمضي واشنطن في تشديد الحصار الاقتصادي والبحري، مع إبقاء الخيار العسكري حاضرًا دون استخدامه، وصولًا إلى نقطة يصبح فيها استمرار الوضع القائم مكلفًا للغاية بالنسبة لإيران. تاريخيًا، دفع هذا النوع من الضغط اليابان إلى “الهروب للأمام” عبر ضربة بيرل هاربر.
لكن الفارق الحاسم هنا أن إيران لا ترى في الضربة الاستباقية مخرجًا بل فخًا. طهران تدرك أن أي مبادرة هجومية ستمنح واشنطن الشرعية السياسية والأخلاقية التي تفتقدها لشن حرب واسعة. لذلك، فإن هذا السيناريو، رغم خطورته، لا يرجّح اندفاعًا إيرانيًا نحو ضربة أولى.
ثانيًا: سيناريو الردع المرن (استعراض القوّة دون الحرب)
يشبه هذا السيناريو نموذج “السفن السوداء” الذي استخدمه الجنرال الأميركي ماثيو كالبرايث بيري (Matthew Calbraith Perry) في القرن التاسع عشر لإجبار اليابان على الانفتاح. الولايات المتحدة اليوم تحشد حاملات طائرات وقاذفات وقوات بحرية وجوية في الخليج وشرق المتوسط، بهدف فرض معادلة ردع تفاوضي قاسية.
غير أن هذا النموذج يصطدم بواقع مختلف جذريًا، إذ إن إيران ليست دولة معزولة تقنيًا، بل تمتلك منظومة صاروخية ومسيّرات قادرة على تحويل هذا الحشد إلى عبء إستراتيجي، وهو ما أقرّ به مسؤولون أميركيون، من بينهم وزير الخارجية ماركو روبيو في تصريحه الأخير (الأربعاء 28/1/2026). وبالتالي، يبقى هذا السيناريو أداة ضغط، لا ضمانة إخضاع.
ثالثًا: سيناريو الاحتكاك المتدرج (حرب الأعصاب والاستنزاف المحدود)
يقوم هذا السيناريو على منطق “الاحتكاكات المتدرجة” التي تتجنب الحرب الشاملة لكنّها تلامس حوافها؛ وذلك عبر تشديد الحصار البحري، واعتراض السفن، وتوجيه ضرباتٍ غير معلنةٍ، فضلًا عن العمليات السيبرانية ودعم القلاقل الداخلية. وتكمن الخطورة التاريخية في هذا النوع من التصعيد في كونه يترك الباب مشرعًا أمام سوء التقدير أو الأخطاء الحسابية التي قد تخرج عن السيطرة. ومع ذلك، تبرز مفارقةٌ جوهريةٌ عند المقارنة مع التجربة اليابانية في الأربعينيات؛ إذ تتبنّى إيران اليوم قاعدة اشتباكٍ معلنةً ومختلفةً، تقوم على مبدأ الرد المتناسب “بالمثل”؛ أي أن أي اعتداءٍ سيقابله ردٌّ محسوبٌ بدقةٍ، ومصممٌ ليكون أداة ردعٍ تمنع التدحرج نحو الانفجار الكبير بدلًا من تسريعه.
رابعًا: سيناريو الاحتواء الوجودي (الضغط دون إسقاط النظام)
يستند هذا السيناريو إلى فرضيةٍ مفادها أن واشنطن لا تسعى فعليًا إلى “تقويض” أركان النظام الإيراني بقدر ما تهدف إلى تحجيمه في الملفين النووي والإقليمي، وهو توجهٌ تتدعم واقعيته بتصريحات ماركو روبيو التي حذر فيها من التداعيات الكارثية والمجهولة لأي انهيارٍ مفاجئٍ للسلطة في طهران. وتؤكد الدروس المستخلصة من التجارب التاريخية، سواء في الحالة الإيرانية ذاتها أو في أي نموذج آخر، أن استهداف الرموز السيادية والوطنية غالبًا ما يأتي بنتائج عكسية؛ إذ يؤدي إلى موجة اصطفافٍ شعبيٍ خلف القيادة بدلًا من إحداث التصدع الداخلي المنشود. وبناءً على ذلك، قد تجد الإدارة الأميركية مصلحتها في إبقاء وتيرة الضغط تحت سقف الانفجار الشامل، مفضلةً إستراتيجية “إدارة الصراع” الممنهجة على مغامرة الحسم العسكري غير مأمونة العواقب.
لماذا لن تكرّر إيران خطأ اليابان؟
تتجلى الإجابة عن تساؤل “لماذا لن تكرّر إيران خطأ اليابان؟” في اختلاف المنطلقات الإستراتيجية بين التجربتين. فإيران، وخلافًا لليابان في عام 1941، لا تندفع وراء “ضربة خلاصٍ” تنهي بها حالة الخنق، كما أنها لا تعوّل بأي شكلٍ من الأشكال على حليفٍ خارجيٍ ينتشلها في لحظة المواجهة الحاسمة. ويبدو أن تجربة اليابان مع الاتحاد السوفيتي، الذي خذلها في اللحظات الحرجة ولم يفتح جبهةً ثانيةً ضدّ الولايات المتحدة، حاضرةٌ بقوةٍ في الذاكرة الإستراتيجية الإيرانية؛ ولذلك لا تبني طهران حساباتها اليوم على دعم روسيا أو غيرها، بل ترتكز بصلابةٍ على قدراتها الذاتية المتنامية وشبكة ردعها الإقليمية الممتدة.
والأهم من ذلك كله، أن إيران تتبنّى مبدأً صارمًا يقضي بأنها لن تكون الطرف البادئ بالقصف؛ إذ تقوم إستراتيجيتها على امتصاص الضغط ورفع كلفة أي عدوانٍ محتملٍ إلى مستوياتٍ غير محتملةٍ، دون منح الخصم “الذريعة القانونية أو الأخلاقية” لشن حربٍ شاملةٍ. وبناءً على ذلك، فإن الرد الإيراني فسيكون محكومًا بحجم الاعتداء وتوقيته، وبما يخدم تعزيز “معادلة الردع” القائمة، بعيدًا عن أي انزلاقٍ نحو حرب شاملة، لربما تخدم الطرف المعتدي.
السيناريو المرجّح
استنادًا إلى المعطيات الميدانية والسياسية الراهنة، يبرز سيناريو “الاحتكاك المتدرج تحت سقف المواجهة الشاملة” بوصفه المسار الأكثر ترجيحًا بناء على ما تقدّم من حيثيات.
في الواقع، تمضي الولايات المتحدة في مراكمة حشودها العسكرية متجاوزةً منطق الردع التقليدي لجعل خيار الحرب جاهزًا للتنفيذ عند أول فرصة سانحة، مع الدفع باتّجاه استفزاز طهران عبر تكتيكاتٍ متعددة تشمل تشديد الحصار البحري، وتكثيف النشاط الاستخباري، وإعادة تفعيل أدوات الضغط الداخلي تحت ستار “الدعم”. والهدف الجوهري من هذا التصعيد هو دفع إيران نحو ارتكاب “الخطأ الأول” الذي يمنح واشنطن الذريعة التي تفتقدها للحسم.
ولا يمكن في هذا الصدد إغفال المعطى الأكثر حساسية في الحسابات الأميركية، والمتمثل في اليقين بأن أي مواجهة مباشرة مع طهران ستضع “إسرائيل” في مرمى نيران الرد الإيراني الفوري. فواشنطن تدرك تمامًا أن قدرات الردع الإيرانية ليست موجهة فقط نحو القواعد الأميركية في المنطقة، بل إنها مصممة لتجعل من أمن الحليف الأبرز للولايات المتحدة رهينةً لأي قرار بالتصعيد؛ ما يفرض على صانع القرار في البيت الأبيض موازنة كلفة الحرب ليس بمعايير الخسائر البشرية والمادية الأميركية فحسب، بل بمخاطر تعرض “إسرائيل” لضربات صاروخية ومسيّرة واسعة قد تتجاوز قدرة المنظومات الدفاعية على الاستيعاب الكامل، وهو ما يجعل “الضربة الإيرانية المحتملة” فاعلًا أساسيًا في لجم الاندفاع نحو خيار المواجهة الشاملة.
في المقابل، تراهن طهران على إستراتيجية “الصبر الفعّال” والردود المحسوبة، مدفوعةً بقناعةٍ راسخة بأن عامل الزمن يعمل ضدّ الإدارة الأميركية وتطلعاتها الانتخابية والداخلية. وبناءً عليه، لا يبدو أن العالم يقف اليوم على أعتاب “بيرل هاربر” جديدة كما حدث في القرن الماضي، بل أمام لعبة ممتدة ومعقّدة، تدرك فيها الأطراف كافة أن الطرف الذي يرتكب “الخطأ الأول” هو من سيتحمل الكلفة الكبرى. ويبدو أن إيران مصممةٌ، بأدائها الدبلوماسي والعسكري، على ألا تكون هي ذلك الطرف، لكن إنْ أخطأ الطرف المعتدي ستكون الحسابات مختلفة والضربة جاهزة لتلقنه درسًا تاريخيًا لن ينساه أبدًا.
النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع

التعليقات مغلقة.