هل تتجرّع إيران «السم»؟

يومًا بعد يوم تتزايد تهديدات الرئيس الأميركي ترامب للجمهورية الإسلامية الإيرانية، وتتزايد معها الحشودات العسكرية الأميركية في المنطقة، والحل الوحيد لتفادي الضربة العسكرية أن تعود إيران إلى طاولة المفاوضات، التي صار معلومًا للجميع ما عليها من شروط أميركية يجب على إيران الانصياع لها.
مع هذه التهديدات والحشودات، عاد بعض المحللين إلى إيراد تعبير “تجرّع السمّ”، الذي استخدمه الإمام الخميني عام 1988 يوم قبِلَ باتفاق وقف إطلاق النار مع العراق بعد حرب استمرت ثماني سنوات كان يقف خلف العراق فيها معظم دول العالم.
هذه العودة إلى استعمال هذا التعبير، كخيار قد تلجأ إليه إيران لتوقّي شر الحرب عليها، تتجاهل فروقات جوهرية بين إيران 1988 وإيران اليوم، وتصل إلى استنتاجات لا صحة ولا منطق لها.


اختلاف السياق: من حرب استنزاف إلى إدارة صراع
خاضت إيران عام 1988 حربًا شاملة لمدة ثماني سنوات، بعد عام واحد على الثورة التي أدت إلى زوال حكم الشاه وتحّول النظام السياسي إلى نظام إسلامي، بعد كل ما شهدته إيران من أحداث وتظاهرات. وقد أنهكت الحرب مع العراق المجتمع والاقتصاد، وكان القوات العسكرية الإيرانية في حالة صعبة، في التسليح والعتاد، فكان خيار الإمام الخميني القبول بوقف الحرب مع العراق، ووُصف القرار بأنه “تجرع للسمّ”.
اليوم، إيران ليست إيران 1988، فهي لا تخوض حربًا شاملة، عند حدودها، بل هي في حرب متعددة الجبهات، عسكرية، وإن بصورة غير مباشرة، ما عدا حرب الاثني عشر يومًا عام 2025، وسياسية واقتصادية، تمتلك فيها إيران هامشًا واسعًا للمناورة، وإمكانات عسكرية يمكن القول، بعد تجربة حرب الاثنين عشر يومًا، إنها متقدمة ورادعة، بالإضافة إلى العمق الإقليمي الذي لديها، ما يجعل أي حرب عليها حربًا قد تمتدّ إلى مناطق عديدة خارجها.

الإمام خامنئي ومنطق القيادة طويلة النفس
يضاف إلى ما ذكرناه، موقف الإمام الخامنئي السياسي/ الشرعي الديني الذي لم يتغير أنه لا تنازل تحت التهديد، وعلى الرغم من سنوات وجولات التفاوض مع الغرب حول الملف النووي، لم توافق إيران على أي تنازل منها بما يتعلق بحقها في النووي السلمي وفي صناعة وامتلاك الصواريخ بعيدة المدى.
وعليه، يصبح استخدام تعبير “تجرع السم” مستبعدًا لدى القيادة الإيرانية، لأنه سيحمل هذه المرة إشارات إلى هزيمة معنوية، ما يناقض الخطاب الرسمي الإيراني الذي سمعناه وقرأناه على مدى عقود.

لماذا يخشى الخصوم الحرب أكثر مما تخشاها إيران؟
على الرغم من كل التهويل والتهديد الأميركي يبدو أن القيادة الإيرانية مصرة على موقفها من الملف النووي والسلاح الصاروخي، مستفيدة في هذا الإصرار من تجربة تاريخية طويلة، تعودت فيها على أجواء الحرب إلى حد أنها تستطيع أن تتحمل كلفتها، فالمجتمع الإيراني أثبت، على الرغم من الضغوط الاقتصادية، قدرة عالية على الصبر والتكيّف، بحيث يتحول كل تهديد خارجي إلى عامل قوة وتوحيد داخلي.
في المقابل، ومع كل التهديدات الأميركية والإسرائيلية، فإن “إسرائيل” تعاني من هشاشة داخلية، فالرأي العام الداخلي لا يتحمل الاستنزاف، وانكشاف الجغرافيا والبنى التحتية الإسرائيلية الحساسة، يشكل كابوسًا لـ”إسرائيل، كما أن أي حرب مع إيران لا يمكن حصرها جغرافيًا أو زمنيًا، ولا يمكن ضمان نهايتها.

الخلاصة
كان تجرع السم توصيفًا للحظة استثنائية في تاريخ إيران، أما اليوم، فإيران أمام صراع لا يشهد حربًا عسكرية، وتدار الاشتباكات فيه بالعقل لا بالسلاح، على الرغم من التهديدات، فإن حصل أي اتفاق مع الولايات المتحدة سيكون عن رضا لا عن اضطرار، وسيكون إحدى محطات الصمود السياسي الإيراني، في مسارِ صراعٍ لا يبدو أن له نهاية مع “الشيطان الأكبر”.
إيران لا تسعى إلى الحرب، لكنها لا تخشاها، أما الأميركيون والإسرائيليون فيلوّحون بها، لأنهم يدركون أن الدخول فيها أسهل بكثير من الخروج منها.

النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع

التعليقات مغلقة.