ملامح الدولة والحكم في فلسفة الفارابي!

يُعدّ أبو نصر الفارابي (توفي 339 هـ / 950 م) من أبرز فلاسفة الإسلام الذين مزجوا بين الفلسفة اليونانية والرؤية الإسلامية في فهم الدولة والمجتمع والحكم في كتبه مثل “آراء أهل المدينة الفاضلة” و”السياسة المدنية” و”تحصيل السعادة”.
رسم الفارابي ملامح الدولة النموذجية التي تقوم على العقل والفضيلة لا على القوة والغلبة، حيث يرى أن السياسة أرفع الصناعات، وأنها ليست مجرد إدارة للسلطة، بل هي علم أخلاقي يرشد الناس نحو الكمال الإنساني، لذلك فإن تحصيل علم السياسة يأتي من التأمل في أحوال وأعمال الناس فيقول: “إِن أنفع الأمور التي يسلكها المرء فِي استجلاب علم السياسة وغيره من العلوم أَن يتَأَمَّل أَحْوَال النَّاس وأعمالهم ومتصرفاتهم مَا شَهِدَهَا وَمَا غاب عنها مِمَّا سَمعه وتناهى إِلَيْهِ منها، وَأَن يمعن النّظر فيها ويميز بين محاسنها ومساوئها وبين النافع والضار لَهُم منها، ثمَّ ليجتهد فِي التَّمَسُّك بمحاسنها لينال من مَنَافِعهَا مثل ما نالوا وفي التَّحَرُّز والاجتناب من مساوئها ليأمن من مضارها وَيسلم من غوائلها مثل مَا سلمُوا”.

وفي موضع آخر يعرِّف العقل العملي بأنه “قوة بها يحصل للإنسان، عن كثرة تجارب الأمور وعن طول مشاهدة الأشياء المحسوسة، مقدمات يمكنه بها الوقوف على ما ينبغي أن يؤثَر أو يُجتنَب في شيءٍ من الأمور التي فِعلها إلينا [أي من أفعال الإرادة]”.

و”يقال في الإنسان إنه عاقل وإنه يعقل متى اجتمع له شيئان: أحدهما أن يكون له جودة تمييز لما ينبغي أن يُؤثر أو يُجتنب من الأفعال، والثاني أن يستعمل الأفضل من كل ما وقف عليه بجودة تمييزه. فإنه إذا كان له جودة تمييز واستعمل مما ميَّزه أردأه وأرذله قيل فيه إنه داعية أو خبّ أو خبيث”.

أما عن الدولة وأهميتها والحاكم فيها فهو يرى أن “بلوغ السعادة إنما يكون بزوال الشرور عن المدن وعن الأمم، ليست الإرادية منها فقط [يقصد الشرور التي من فعل البشر] بل والطبيعية، وأن تحصل لها الخيرات كلها الطبيعية والإرادية. ومدبِّر المدينة، وهو المَلِك، إنما فعله أن يدبّر المدن تدبيراً ترتبط به أجزاء المدينة بعضها ببعض وتأتلف وترتَّب ترتيباً يتعاونون به على إزالة الشرور وتحصيل الخيرات، وأن ينظر في كل ما أعطته الأجسام السماوية فما كان منها مُعيناً ملائماً بوجه ما نافعاً بوجهٍ ما في بلوغ السعادة استبقاه وزيَّد فيه، وما كان ضاراً اجتهد في أن يصيّره نافعاً، وما لم يمكن ذلك فيه أبطله أو قلله؛ وبالجملة يلتمس إبطال الشرين جميعاً وإيجاب الخيرين جميعاً”.

حيث تقوم فكرته على أن “الدولة وسيلة لتحقيق السعادة الحقيقية لأفرادها، أي الكمال العقلي والروحي لهم، ويشترط أن يكون حاكم المدينة الفاضلة فيلسوفًا، عارفًا بالقوانين الكونية، وعادلاً في تدبيره، وإن الحكم لا يُكتسب بالغلبة، والرئاسة الحقة قائمة على العلم والعقل، لا على القوة أو الوراثة”.

لذلك فإن العقل طريق الكمال الإنساني، والإنسان لا يُبلغ الكمال إلا بالعقل، ولا يدرك السعادة إلا إذا قاد العقلُ النفس، لهذا فالحاكم المثالي يجب أن يكون متصلاً بالعقل الفعال (رمز للمعرفة الكونية)، ليسترشد به في الحكم، فهو يجمع في ذاته صفات الحكيم، ويتقدم قومه بالمعرفة والفضيلة. ويضيف أن المعرفة شرط الحكم الصالح، وأن الحكم العادل لا يتحقق إلا عند من يملك المعرفة العقلية المتكاملة بطبيعة الإنسان والمجتمع، وأن التأمل في أحوال الناس ضرورة فالتجربة وملاحظة سلوك البشر تُكمل النظر العقلي وتُنتج حكمة عملية ضرورية للحكم الرشيد.

من خلال الاستعراض السابق المختصر لآراء وأفكار هذا العالم الفذّ، الفارابي، الذي يُعد “المعلم الثاني” في “علم السياسة” على اعتبار أن أرسطو “المعلم الأول”، يمكننا الخروج بنقطة هامة ومحورية في الإصلاح السياسي لواقع حياة الناس في أي مجتمع من المجتمعات البشرية. وإن التأمل في الواقع الإنساني والمجتمعي ضروري لبناء فلسفة حكم عادلة ومبنية على التعقل والخبرة، ومقارنة ما هو فاضل بما هو ناقص، ليُستنبط منه ما ينبغي أن يكون عليه النظام الكامل. وهذه الجزئية بالذات، فإن السلطة في صنعاء في أمس الحاجة إليها في تحديد أولويات المجتمع والشعب والعمل لأجل معالجتها بصدق وتحرك عملي يلمسه المواطن البسيط. أما الاستمرار في التجاهل للمشكلة واختلاق الأعذار والتبريرات غير المقنعة فلن يحل المشاكل بل سيضاعفها مما يجعل إصلاحها أكبر كلفة إذا لم تكن خسارة فادحة من الصعب تحملها أو معالجتها بعد وقوع المحظور.

النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع

التعليقات مغلقة.