التطبيع يتسلل إلى السينما الأردنية: “اللي باقي منك” نموذجًا

لم يقتصر الظلام في قاعة السينما على الستار حين أسدل لبدء الفيلم بل امتد إلى العَرض الذي تطاول على العِرض والأرض، حيث طغى الظلام الفكري والتضليل طغيانًا في كل مشهد ولقطة، حتى غدا سواد التطبيع حاجبًا لأي نور بما فيه ذاك المنبعث من شاشة السينما نفسها التي ارتعدت من القتامة السياسية والأخلاقية في هذا الفيلم سيئ الصيت والذكر.

عُرض فيلم “اللي باقي منك” مؤخرًا في العاصمة الأردنية، عمّان، ورغم علمي أنني في بلاد تمنع الجهات الرسمية فيها رفع علم فلسطين ولم تكُن داعمة للمقاومة يومًا؛ إلاّ أن هناك أملًا كان يراودني بأن يحمل الفيلم رسالة وطنية ولو واحدة على الأقل، ما دفعني لتلبية طلب شخص عزيز على قلبي والذهاب برفقته لحضور هذا العمل الذي طعن قلبي منذ لحظاته الأولى حين بدأ حكايته التطبيعية من يافا مستترًا خلفها بالترويج لسلام الذل مع الأعداء، رغم علم صنّاعه وداعميه بأن يافا عصية عليهم، فهذه بلادي وعِرضي، ولا يمكن لمخرجي وصناع أفلام العالم بأجمعهم أن يقتربوا بعمالتهم من يافا، تلك التي تحيا الروح المنهكة لأجل لحظة انتزاع ثأرها، فلا حياة تطيب دونها، ولا حب يُدرك إلاّ حين أبصرها في عيني المحبوب وفؤاده.

فهذه يافا نبض القلب وبوصلته وكل ما تبقى منّا، وهنا تكمن المفارقة بين يافا الباقية لنا ومنّا ويافا التي تأبى أن تبقى لصناع هذا الفيلم، فقد كان الأجدر بهم ألّا يقتربوا من يافا جنة فلسطين وعروس البحر التي لطالما احتشد مقاومون فلسطينيون وعرب لأجلها، ولولا تآمر أنظمة العربان مع الأعداء لما دُنست برجسهم، فأجدادنا لم يتركوها خانعين خاضعين كما يحاول العمل الدنيء تصويره؛ فإبان النكبة كان بيافا أبطال فدائيون قاتلوا لآخر رمق دفاعًا عنها وآخرون خرجوا مثخنين بجراحهم تحت وطأة إرهاب الكيان الصهيوني وحلفائه، ورغم ذلك لم يسلموا أو يهادنوا بل تشبثوا حتى بمفاتيح منازلنا كما يتشبث القلب بنبضه الأخير، ونحن ورثناها عنهم حين علّمونا أن تلك المفاتيح أمانة في رقابنا، ووعد لعودتنا وتحرير أرضنا التي تتجسد فيها أسمى معاني العِرض والشرف الذي لا يُصان إلاّ بالدماء.

وللتنويه، فإن الأجيال التي أقصدها ليست هي ذاتها الأجيال التي حاول تشويهها الفيلم عبر عرض سيرة ثلاثة أجيال لعائلة فلسطينية خرجت من يافا عام 1948 في خضم النكبة إذ يسعى العمل بشكل خبيث إلى انكار تضحيات ومقاومة الشعب الفلسطيني وتشبثه بأرضه منذ الأزل.

ومن ثم ينتقل الفيلم إلى مرحلة النزوح والمخيمات حتى تمكث العائلة بالضفة الغربية. وبناءً على مشاهدتي، فإن الفيلم ينتمي إلى نوع درامي تطبيعي بحت والتراجيديا فيه ترتكز على صراع وخطايا صناع الفيلم أنفسهم التي قادتهم للسقوط حين حاولوا إثارة الشفقة في قلب الجمهور إزاء العدو لتطهير الكيان الصهيوني من مجازره الفادحة وإرهابه بشكل مبطن ومفضوح في آن واحد.

وسأمر سريعًا على أبرز ما جاء بالفيلم من سقطات عقب النزوح مثل مشهد يتعرض الأب فيه إلى الإهانة من قبل جنود العدو الصهيوني ويخضع لطلبهم بشتم نفسه وزوجته أمام طفله نور الذي يأخذ موقفًا من والده، وحين يصغي بمعية جده إلى أنشودة موطني يأتي الأب ويغلق المسجل، في إشارة فجة إلى قتل الروح النضالية داخل الفلسطيني، وكأن القائمين على الفيلم يجهلون الشعب الفلسطيني أو تعمدوا تشويهه، فالفلسطيني لو كان سيخضع كما صوره هذا العمل الهابط؛ لما بقيت قضيتنا لليوم، ولما صمد الشعب في البلاد بوجه إرهاب الاحتلال، فالشعب الفلسطيني ليس انهزاميًا ولا يقبل المذلة وإلاّ فكيف خرجت المقاومة من رحمه؟

وبالعودة إلى تسلسل العرض، ينتقل الفيلم إلى نور، الحفيد، حين يصبح شابًا في مقتبل العمر ويصاب بطلقة في رأسه من قبل العدو الصهيوني أثناء مشاركته في مسيرة احتجاجية. وهنا انتبهوا جيدًا إلى هذا السرد الهابط؛ فبعد إصابة نور يقترح الطبيب نقله إلى حيفا المحتلة لأحد مشافي العدو! وهنا يحاول الفيلم تبديل الحقائق وتزييفها حيث إنه يُظهر تجاوبًا من قبل العدو الذي وافق على نقله ووالديه لحيفا، وهذا أمر بعيد عن الواقع، فالعدو منذ قرن حتى الآن لم ينفك عن سفك الدماء وإبادة فلسطين وشعبها، ومحاصرة الطواقم الطبية وقصف المشافي بالتزامن مع ترك الجرحى يغرقون بدمائهم، فأي إنسانية مسمومة هذه التي يحاول الفيلم تسويقها لقاتل إرهابي وعدو تاريخي لأمتنا العربية!

وكي لا أطيل سأنتقل إلى السقطة الكبرى في هذا العمل والتي تمثلت بموافقة عائلة نور بعد استشهاده على طلب المستشفى الصهيوني المتمثل بالتبرع بأعضائه، وتوجههم إلى “شيخ دين” لا أعلم من أي دين أتوا به، ليتحدث عن القرآن الكريم، ونبي الله محمد عليه الصلاة والسلام، بشكل مغاير مُحرف جعله يُسقط آيات ربنا جلّ جلاله في مواضع خاطئة “لتحليل وشرعنة” التبرع بأعضاء الشهيد للعدو القاتل! حتى يُزرع قلب نور بجسد صهيوني مغتصب للأرض، في مشهد يبغضه حتى الله ويحرمه.

والمستفز أكثر أن صُناع الفيلم لم يكفِهم اغتيال جسد الفلسطيني وحجز جثمانه من قبل الاحتلال إنما أرادوا “شرعنة” ملاحقة أعضائه بطريقة سافلة ليغتالوا حقيقة الصراع وأحقية القضية، لكن والله خسئوا.

وإن ما يبرهن علمهم المسبق بفشل خطابهم المضاد والمُندس، يكمن بمحاولتهم تكريس سلام الذل خصيصًا في المشهد الذي تمثل بذهاب والدي نور للقاء مغتصب الأرض الذي زرع داخله قلب نور، فرفض الولد الصهيوني أن يسلم عليهما، وما لبثوا أن تبادلوا المزاح مع عائلته قبل أن يكبر وتذهب الأم لتجلس معه وينهال السم المغموس بالعسل علينا والترويج للعيش المشترك وسلام الذل والعار، والمحرقة، وبدعة “الإنسانية” الزائفة التي تساوي بين الضحية والقاتل بشكل منحط أخلاقيًا وسياسيًا.

وهنا لا بد من الإشارة إلى استماتة صناع الفيلم بتبرير التبرع بالأعضاء للصهاينة رغم علمهم المُطلق بأن هذا العدو يسرق أعضاء الفلسطينيين منذ قرن حتى الآن تارة في الأسر وتارة أخرى عند استشهادهم وحجز جثامينهم، إلاّ أنهم تعنتوا في تصدير هذا الطرح متجاهلين الأدلة الدامغة والشهادات الحية على قتل الفلسطيني مرارًا وتكرارًا واعتقال جسده وسلب أعضائه عقب ارتقاء روحه لبارئها.

وكل هذا العهر في الفيلم جاء تحت مسمى “إنسانيتك مقاومة” في مسعى من صُناعه إلى اختراع “مقاومة” وتفصيلها على مقاس الصهاينة والأميركيين وحلفائهم لتتوافر فيها كل معاني الذل والانبطاح التي تتناقض مع أصل المقاومة وجوهرها التحرري بتفسيرات إنسانية زائفة يجهلون معناها هم كما الكيان الإرهابي اللقيط عدو الإنسانية والبشرية.

ولا أدري هل صُناع الفيلم من كوكب آخر يجهلون تاريخ القضية الفلسطينية! أم يتجاهلونه عن سبق إصرار وترصد! هل هؤلاء الذين يحاولون تجريد فكرة المقاومة من السلاح وعمقها التاريخي لم يبصروا مجازر العدو الصهيوني في فلسطين منذ قرن حتى هذه اللحظة؟! هل أعماهم التطبيع عن دم الشهداء النازف من غزة والضفة واليمن إلى لبنان وطهران؟! ألم يلتقطوا شيئًا عن مفهوم الشرف الذي يُختزل بنعل المقاومين، والإنسانية التي تتمثل بسلاحهم الطاهر! ؟

ألم يستحضروا مآسي الجرحى الذين أفقدهم العدو الصهيوأميركي أعضاءهم في فلسطين وبلادنا العربية؟ ألم يخجلوا من جرحى البيجر في لبنان وهم يشرعنون التبرع للعدو بالأعضاء؟ العدو هذا لو انتزعنا كل أعضاء مغتصبيه وداعميه، والله، لن تساوي يد منها يدًا واحدة لجرحانا في فلسطين واليمن، ولا عينًا من أعين جرحى البيجر الصابرين في لبنان القابضين على جمر المقاومة في زمن الخيانة والتطبيع.

وقبل الختام، أقرّ بأنني لم أستغرب ما جاء بالفيلم من سقطات على يد صُناعه والممثلين فيه فإن “عُرف السبب بطُل العجب”، فمثلًا الشركات المنتجة والداعمة إذا دققنا فيها جيدًا سنعلم من يقف خلف هذا العمل الذي شارك أيضًا بمسابقات ومهرجانات سينمائية تضم أعمالًا صهيونية وعلى رأس تلك المهرجانات صندانس، وسان فرانسيسكو، وسيدني، ولم يأخذ القائمون على الفيلم موقفًا واحدًا بمقاطعة أي من تلك المهرجانات، كما أن مخرجته التي تحمل الجنسية الأميركية لا تتوانى عن الترويج لذل السلام بوسائل الإعلام الغربية الداعمة للعدو ولم تنكر حتى تطبيعهم معه واضطرارهم عقب انتصار السابع من تشرين الأول/ أكتوبر لمغادرة فلسطين والتراجع عن قرارهم بالتصوير في الضفة والأراضي المحتلة التي نعلم جميعًا أن التصوير فيها يحتاج موافقة من العدو.

كما أن الفيلم هذا يُعتبر أحد الإفرازات لحالات شاذة تطبيعية حيث إن “البطل” فيه محمد البكري المعروف بمعاداته للمقاومة وارتكابه خطايا تطبيعية فادحة، كمشاركته في أعمال مسرحية وسينمائية صهيونية، علاوة على اقتباسه أعماله من نصوص المطبع إميل حبيبي الذي خدم العدو لدرجة دفعت رئيس وزراء الكيان الإرهابي إسحاق شامير في تسعينيات القرن الماضي إلى منحه أهم جائزة ثقافية لدى الاحتلال.

وبناءً على ما سبق لا يمكن اعتبار هذا العمل فنيًا بقدر ما هو تطبيعي، ويمثل جريمة بحق القضية تُرتكب تحت بدعة “الإنسانية”، ومحاولة دنيئة للإسهام في كي وعي المشاهد العربي ودفعه لتقبل “التعايش” مع العدو الإرهابي والخضوع لـ “سلام” الذل والعار. وليس تفصيلًا بريئًا السماح للفيلم بأن يُعرض داخل كيان العدو نفسه في أراضينا المحتلة، بالتزامن مع فتح الباب له في الدول العربية المطبعة بالوقت الذي تُحظر فيه أعمال أخرى تسرد التاريخ الحقيقي للقضية الفلسطينية والمقاومة..

وعليه، فإن مقاطعة هذا الفيلم واجب أخلاقي ووطني في زمن الانحدار والسقوط، فالقضية الفلسطينية ليست بحاجة إلى دراما رخيصة “تؤنسن” القاتل، بل إلى ثقافة مقاومة تفضح إرهاب العدو وتنحاز إلى الدم الطاهر.

ونهايةً أقول ليافا اغفري لي فأنا لا أملك سوى هذا القلم لمجابهة هؤلاء الذين تطاولوا على قدسيتك، ولم أكترث في مقالي هذا إلى أي جانب إبداعي بقدر تركيزي على تعريتهم ونزع أقنعتهم أمامك وفضح دناءتهم في زمن بتنا نرى فيه الخيانة على شكل “فنّ” يُصفق له، لكن لا تقلقي يا حبيبتي فالرهان الحقيقي على محور المقاومة الذي ابتسمتِ لصواريخه وصلياته من غزة ولبنان واليمن وإيران حين دكّ حصون الأعداء في أرضكِ وسدد جزءًا من دمائنا وثأرنا الذي لن تهدأ الأرواح فينا حتى تنتزعه من أفئدة وأعين جنود الكيان الصهيوني وقطعانه المغتصبين.

النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع

التعليقات مغلقة.