في المشهد اليمني اليوم، تتخذ المملكة العربية السعودية سياسة خطيرة وبالغة التهوّر حيث تُدير الصراع القائم بعقلية قصيرة النظر، سياسة تراهن على تفجير التناقضات الداخلية واللعب عليها بدل معالجتها، وتتعامل مع اليمن كساحة تجارب لا كجارٍ لصيق سيعود عليها بالدخان قبل النار، لأن هذه المقاربة والإدارة السعودية للوضع اليمني المُعقد لا تهدد “الكيان اليمني” وحده، بل تضع المملكة أيضًا على حافة الخطر لو حدث “لا سمح الله” المحظور وعمت الفوضى كل الخارطة اليمنية.
بدأت التدخلات السعودية في اليمن مُذ اليوم الأول لوجود المملكة، واعتمدت العائلة السعودية المتعاقبة على حُكم بلاد الحرمين للدخل في اليمن من خلال عاملين هامين، الأول عبر الدين، والثاني من خلال شراء الولاءات اليمنية بالمال، بالذات بعد الطفرة النفطية للمملكة، فمن خلال المسار الأول صدّرت السعودية مشائخ التيار السلفي إلى الداخل اليمني ودعمتهم دعمًا سخيًا في مواجهة المدرستين الشافعية والزيدية اللتين يُعرف بهما اليمن تاريخيًا ولا يوجد غيرهما على طول وعرض الخارطة اليمنية كلها، وظل التيار السلفي اليمني المرتبط بالسعودية ناشطًا وفعالًا وللأسف نجح في تزييف وعي مئات الآلاف من اليمنيين البسطاء بالذات في المناطق الشافعية في جنوب الوطن والمحافظات الساحلية، وقدم السلفيون أنفسهم على أنهم “سنّة”، وأن الفكر الوهابي المتطرف للمؤسس محمد بن عبد الوهاب الشريك الديني للمؤسس الأول للدولة السعودية عبد العزيز آل سعود هو الفكر السُني الصحيح وكل ما سواه هو ضلال وباطل، فانقلب أولئك البسطاء على شافعيتهم المعتدلة التي لم يُعد لهم منها إلا الاسم.
لكن مع تسارع الأحداث على الساحة اليمنية ومع ظهور المشروع القرآني للشهيد القائد المؤسس السيد حسين بدر الدين الحوثي أوائل القرن الـ21، بدأت السعودية في تحريك التيار السلفي المتشدد المرتبط بها من خلال الإيعاز لهم بدعم نظام صالح آنذاك دينيًا من خلال إصدار الفتاوى بتكفير كل من ينتمي للمشروع القرآني وجواز قتله، وقام الآلاف من المشايخ السلفيين بالتحريض على أهل صعدة وكل من ينتمي للمشروع الجديد، وأصدروا الكتب والأشرطة والمحاضرات الدينية التكفيرية المسجلة ونشروها في المساجد والجامعات وغيرها، ونشط أولئك المشايخ السلفيون في المعسكرات بالمحاضرات والندوات التحريضية والتعبوية للجنود والضباط في الجيش اليمني، عادّين ما يقومون به جهادًا مقدسًا ومن يُقتل منهم في مواجهة من أسموهم “الشيعة الرافضة” فهو شهيد، بينما كانت تلك الحروب الست الظالمة في الحقيقة حروبًا عبثية ضد طيف واسع من أبناء محافظة صعدة ومن يؤمن بالمشروع القرآني الذي يدعو إلى العودة للقرآن الكريم ككتاب هداية شامل والعمل من خلاله على مواجهة قوى الاستكبار العالمي المتمثل في أميركا و”إسرائيل”.
تاريخيًا، ظل التيار السلفي في اليمن بعيدًا نسبيًا عن العمل السياسي والعسكري المنظم، فقد اقتصر دوره، خلال العقود الماضية، على نشر الفكر الديني المرتبط بالمدرسة السلفية السعودية ودعم نظام الحكم القائم في صنعاء خدمة للرياض وتوجيهاتها، مع تلقي دعم مباشر من الرياض، دون انخراط فعلي في مؤسسات الدولة والقرار السياسي. غير أن اندلاع شرارة ثورة 11 شباط/فبراير 2011 ضد نظام حكم صالح آنذاك، شكّل نقطة تحوّل مفصلية، حيث اضطرت السعودية إلى الزج بالسلفيين في معارك عسكرية مباشرة ضد أنصار الله في دماج وكتاف في صعدة، وكانت تُعد هذه الأماكن معاقل تلك الجماعات التكفيرية المتشددة في محافظة صعدة. وظلت السعودية تدعمها وتمدها بالمال والسلاح لعقود من الزمن، وكانت هذه المرة الأولى التي يدخل فيها السلفيون المواجهة العسكرية واتخاذ موقف عسكري مُعلن. ثم ما إن شن تحالف العدوان السعودي الإماراتي الأميركي الحرب بقيادة وزعامة الرياض، حتى أعادت المملكة تفعيل الورقة السلفية من جديد للمرة الثانية مستفيدة من خطاب السلفيين التعبوي، وطاعتهم التنظيمية، وبعدهم عن الطموحات السياسية المستقلة.
وظلت المملكة السعودية تُعد وتجهز مئات الآلاف من السلفيين المتشددين في اليمن وتضمهم إلى القوات العسكرية لما يُسمى “الجيش الوطني”، قوات “الشرعية” المزعومة التابعة للرياض. ومؤخرًا أنشأت لهم قوات عسكرية خاصة بهم تحت مسمى “قوات درع الوطن”، وهي تتبع المملكة رأسًا وولاؤها الوطني للرياض. لذلك جوهر الخطر اليوم لا يكمن في الصراع السياسي المباشر، بل في الخيار الآخر الذي عكفت السعودية مؤخرًا على استثماره ومحاولة الاستفادة منه وإضافته إلى أوراق قوتها على الساحة اليمنية، وهو من خلال المشروع القديم الجديد حيث قامت المملكة بتجنيد عشرات الآلاف من العناصر الإرهـابية المتطرفة، وإعادة تدويرها وإنتاجها من جديد، وتحويلها إلى أدوات فاعلة على الأرض لتحقيق مكاسب آنية للرياض وحاكمها المراهق الطامح بن سلمان. إلا إن هذه المقامرة الخطيرة تُنتج وحشًا بلا قيود، لا يعترف بحدود ولا بولاءات، ويستحيل ضبطه متى ما شعر بالقوة والشرعية الزائفة. والتجارب المتكررة على المدى القريب والبعيد أيضًا تُظهر أن الجماعات الإجرامية المتشددة لا تبقى أدوات بيد من يرعاها، بل تتحول سريعًا إلى تهديد مستقل يتغذى على الفوضى ويعيد إنتاجها، وهذا على ما يبدو لم تستوعبه الرياض بعد رغم تجاربها السابقة كحالها في أفغانستان وغيرها من الساحات التي نشطت فيها تلك الجماعات المماثلة ودعمتها الرياض وموّلتها ثم بعد ذلك انقلبت تلك الجماعات المارقة على المملكة.
بالإضافة إلى أن الأخطر في هذا المسار أنه لا يستهدف سلطة سياسية بعينها بقدر ما يزرع قنابل موقوتة في نسيج المجتمع اليمني، ويفتح الباب أمام تفخيخ الهوية والدين، ما يعني أن هناك جيلًا جديدًا من العنف العابر للحدود تزرعه الرياض على الأرض اليمنية، وعند هذه النقطة، لن تكون الجغرافيا السعودية بمنأى عن الخطر المجاور ولا تملك درعًا واقيًا، فالتاريخ الأمني للمنطقة يؤكد أن الجماعات الراديكالية الإجرامية تعتبر الدول الراعية لها سابقًا أهدافًا مشروعة عند أول خلاف في المصالح أو الرؤى.
إقليميًا، فإن اللعب بورقة التطرف والإرهاب يُهدد بتوسيع دائرة عدم الاستقرار بداية من البحر الأحمر إلى الخليج، ولن يتوقف حتى يعم المنطقة بكلها، ويقوّض أي أمل في نظام أمني جماعي، لأن انتشار جماعات مسلحة عقائدية متطرفة يعني طرق تهريب، ونشاط اقتصادات الأسواق السوداء، وحدودًا مُخترقة، وكلها عناصر تضرب أمن الدول المجاورة دون استثناء والتي ستكون السعودية في مقدمتها، وهذه ليست فرضية نظرية، بل خلاصة تجارب عايشتها المنطقة في أكثر من ساحة صراع، وهي نتائج بديهية لأي صراع من هذا النوع في أي بقعة جغرافية على وجه المعمورة.
إن أخطر ما في هذه السياسة أنها تفترض إمكانية إعادة حبس العنف بعد إطلاقه، وكأن التاريخ لم يعلّمنا أن التطرف، متى ما تحرر، يفرض منطقه الخاص ويصنع أعداءه بلا استئذان. من هنا، فإن الاستمرار في هذا النهج لا يمثل خطأً تكتيكيًا فحسب، بل مقامرة وجودية تهدد مستقبل اليمن، وتضع أمن السعودية والمنطقة بأسرها أمام سيناريوهات سوداء لا يمكن التحكم بمآلاتها.
النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع

التعليقات مغلقة.