ديمقراطية الكاوبوي.. ترامب النموذج الأقبح

49

بعيدًا عن كلّ التحليلات المتعلّقة بالاعتداء الأميركي القبيح الأخير على فنزويلا، لا بدّ من التوقّف عند جانبٍ بالغ الخطورة في سلوك الغرب، المتمثّل بالولايات المتحدة، وبشكلٍ خاصّ تحت قيادة هذا المريض المجنون دونالد ترامب. فهذه السياسات لم تعد تكتفي بعدم احترام سيادة الدول وإرادة الشعوب، بل انتقلت إلى مرحلةٍ أكثر انحدارًا لم يعد فيها أيّ اعتبارٍ لعقول الناس ووعيهم، وكأنّ الشعوب مجرّد كتلٍ صامتة يمكن تضليلها أو إخضاعها بالرواية الواحدة والقوّة العارية.
تخيّل، يا حضرة المشاهد، أنّ هناك رئيس دولة قرّر، انطلاقًا من إرادته وحريته -وهذا بالمناسبة ما يدّعي ترامب حمايته في العالم- أن يجعل من دولته دولةً ذات سيادة، غير خاضعة لمنطق الاستكبار العالمي، فيُكافأ على ذلك بخطفه من دولته ومن منزله، على يد قوّة أميركيّة معتدية، ونقله إلى الولايات المتحدة الأميركيّة ليُحاكَم هناك! وأين؟ في أميركا، «بلد الحريّات»، متصرّفًا وكأنّه الإله الحاكم الذي يمنح الحرية والمشروعية لمن يشاء وينزعها عمّن يشاء. كلّ ذلك في محاولةٍ فاضحة لتفصيل سرديّة جاهزة تُصوِّر هذا النظام على أنّه فاسد ومجرم، بما يفتح الطريق أمام السيطرة على الدولة، ونهب مواردها وخيراتها، تحت عناوين أخلاقيّة زائفة. يا للعجب! ويا للأسف! ويا لحسرة الإنسانيّة على هذا السقوط المدوّي في القيم والمعايير.

إنّ ما نشهده اليوم هو استخفافٌ فجّ بوعي البشر، إذ تُقدَّم الاعتداءات والتدخّلات على أنّها «دفاع عن الديمقراطيّة» أو «حماية للحرّيات»، بينما تكشف الوقائع على الأرض زيف هذا الخطاب وتفضحه بالكامل. فالولايات المتحدة، في عهد ترامب، لم تعد تعمل حسابًا للرأي العام العالمي، ولا للقانون الدولي، ولا حتى لأبسط قواعد المنطق السياسي، بل باتت تتصرّف بعقلية القوّة المطلقة، وبأسلوبٍ أكثر وقاحةً وفجورًا وانفلاتًا أخلاقيًا من أيّ مرحلةٍ سابقة، متوهّمةً أنّ امتلاكها أدوات الهيمنة العسكرية والإعلامية يمنحها القدرة على إعادة تشكيل الواقع وفرض الأكاذيب كحقائق. وهذا ما يجعل هذا العهد أخطر من سابقاته، لأنّه لا يحاول حتى إقناع الآخرين، بل يتعامل معهم باستخفافٍ صريح، وكأنّ وعي الشعوب تفصيلٌ لا قيمة له.
وفي خضمّ هذا المشهد القاتم يمكننا القول بأن الخطر الحقيقي أعمق من الأسماء والعناوين، لأنّه يستهدف الإنسان نفسه؛ وعيه، وإرادته، وحقّه في أن يفكّر ويختار بحرّية.

إنّ ما يجري اليوم يكشف عن مشروعٍ خطير لا يكتفي بالهيمنة على الدول، بل يسعى إلى التهام إرادة الإنسان من الداخل، وتحويله إلى كائنٍ مستسلم، فاقد القدرة على الرفض أو السؤال. ومن هنا، فإنّ المطلوب من كلّ إنسانٍ حرّ أن يستفيق، لا دفاعًا عن مادورو أو عن أيّ نظامٍ آخر فحسب، بل دفاعًا عن نفسه كإنسان، عن كرامته ووعيه وحقّه في ألّا يُستَغفَل أو يُساق كقطيع.

فالاستفاقة اليوم ليست ترفًا فكريًا ولا موقفًا سياسيًا عابرًا، بل ضرورة أخلاقية وإنسانية، لأنّ من يسمح بابتلاع إرادته اليوم، لن يكون قادرًا غدًا على الدفاع عن أيّ قضية، ولا عن أيّ حرّية، ولا حتى عن نفسه، وسيفقد في نهاية المطاف قيمته كإنسان.

النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع

التعليقات مغلقة.