بين الضحية والجلاد.. كوثر بن هنية تسقط أقنعة “المساواة” في المهرجانات الدولية

المحرر الثقافي

المخرجة التونسية كوثر بن هنية صوت سينمائي وتوعوي لا يساوم، وقد تجلى ذلك بوضوح في موقفها المبدئي والأخير برفض جائزة مهرجان “سينما من أجل السلام” (Cinema for Peace). هذا الموقف لم يكن مجرد احتجاج عابر، بل صرخة في وجه “المساواة الأخلاقية” الزائفة التي تحاول الخلط بين الضحية والجلاد تحت شعارات السلام الرنانة.

سياق الحادثة: المساواة المستحيلة
تعود تفاصيل الواقعة إلى قرار إدارة المهرجان تقسيم الجائزة مناصفة بين القضية الفلسطينية والكيان الإسرائيلي. بالنسبة لبن هنية، التي رُشح فيلمها “بنات ألفة” لجوائز الأوسكار، فإن هذا “التقسيم” يمثل إهانة للحقائق التاريخية وللواقع الإنساني المرير الذي يعيشه الشعب الفلسطيني. رفضت المخرجة التونسية أن يُزج باسمها أو بعملها الفني في سياق يضع الحقوق الفلسطينية المشروعة في كفة متساوية مع القوة التي تمارس الاحتلال.

الفن كفعل مقاومة
يرتكز موقف كوثر بن هنية على قناعة راسخة بأن السينما ليست أداة ترفيهية فحسب، بل هي وثيقة أخلاقية. فالمساواة في توزيع الجوائز بين طرفي الصراع في ظل حرب إبادة وتجويع مستمرة في غزة، تُعد نوعاً من “التبييض” (Whitewashing) السياسي الذي يسعى لتبرئة المعتدي عبر إشراكه في منصات التكريم بجوار ضحاياه.

لماذا رفضت بن هنية الجائزة؟
ترى بن هنية أن اتخاذ موقف محايد في قضايا الظلم هو انحياز للظالم، والجائزة التي تحمل اسم “السلام” تفقد معناها عندما تتجاهل جذور الصراع وتكتفي بصورة شكلية للتصالح، وأن قبولها للجائزة في هذه الظروف يعد خيانة للدماء التي تسيل، وتقزيماً للقضية التي دافعت عنها في المحافل الدولية.

الأثر والصدى
لقد أعاد هذا الموقف تسليط الضوء على دور المثقف والفنان العربي في الساحة الدولية. ففي الوقت الذي تتعرض فيه الأصوات الداعمة لفلسطين في الغرب للتضييق، اختارت بن هنية أن تضحي بجائزة مرموقة لصالح “جائزة الضمير”. هذا التصرف أكد أن الهوية الثقافية التونسية والعربية تظل حية ونابضة بالحق، مهما بلغت إغراءات السجاد الأحمر.

موقف كوثر بن هنية يذكرنا بمقولة المناضل ديزموند توتو: “إذا كنت محايداً في حالات الظلم، فقد اخترت جانب الظالم”. لقد اختارت كوثر الجانب الصحيح من التاريخ، مؤكدة أن “السينما من أجل السلام” الحقيقي لا يمكن أن تقوم إلا على قواعد العدل والاعتراف بالحقوق، لا على المجاملات السياسية الملطخة بالدماء.

موقف كوثر بن هنية ليس معزولاً، بل يأتي ضمن موجة متصاعدة من “المقاومة الثقافية” التي يقودها سينمائيون ومؤسسات فنية عربية، خاصة في عامي 2025 و2026. إليك أبرز هذه المواقف التي سجلها التاريخ السينمائي الحديث:

  1. انسحاب “سيماتك” والقوى السينمائية من مهرجان برلين 2026
    في فبراير 2026، شهد مهرجان برلين السينمائي (Berlinale) زلزالاً فنياً تمثل في انسحاب “سيماتك – مركز الفيلم البديل” في القاهرة، بالتنسيق مع ورثة المخرجة المصرية عطيات الأبنودي والمخرج السوداني حسين شريف.

وقد جاء الانسحاب رداً على “الصمت المؤسساتي” للمهرجان تجاه حرب الإبادة في غزة، واحتجاجاً على تصريحات رئيس لجنة التحكيم (فيم فيندرز) التي دعا فيها لفصل السينما عن السياسة، وهو ما اعتبره المخرجون العرب تكريساً لازدواجية المعايير.

  1. موقف حسين فهمي ومهرجان القاهرة السينمائي
    خلال التحضيرات للدورة الـ 46 من مهرجان القاهرة السينمائي في سبتمبر 2025، أعلن الفنان حسين فهمي (رئيس المهرجان) عن رفضه لعرض رعاية بقيمة مليون دولار من جهات رفض تسميتها، لكنها مرتبطة بقوائم المقاطعة أو لا تتماشى مع الموقف الوطني الداعم لفلسطين، وأكد أن المهرجان سيظل منصة لدعم السينما الفلسطينية، كما حدث في الدورة السابقة بافتتاح المهرجان بفيلم “أحلام عابرة” للمخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي.
  2. المخرجان “طرزان وعرب ناصر” (غزة في قلب العالم)
    المخرجان الغزيّان طرزان وعرب ناصر، اللذان يشاركان باستمرار في مهرجانات “كان” و”فينيسيا”، صرحا في نوفمبر 2025 خلال محافل دولية بأن أكبر جائزة لهما ليست التكريمات، بل إيصال صوت الإنسان الفلسطيني الذي سئم من صورة الضحية. وقد حولا منصات التكريم الدولية إلى منابر للمطالبة بموقف أخلاقي واضح من العالم، رافضين فكرة “الفن من أجل الفن” في وقت تباد فيه مدينتهم غزة.
  3. حملة “عاملون في السينما من أجل فلسطين”
    شهد عام 2025 توقيع أكثر من 5000 فنان ومشتغل بالسينما (بينهم أسماء عربية وعالمية بارزة) على تعهد بمقاطعة المؤسسات السينمائية الإسرائيلية المتورطة في “تبييض” صوة الاحتلال، مؤكدين أن المقاطعة الثقافية هي أداة ضغط مشروعة وفعالة.

لماذا تزايدت هذه المواقف مؤخراً؟
تزايدت هذه المواقف مؤخرًا لأسباب كثيرة منها:
سقوط الحياد: أصبح الفنان العربي يرى أن الصمت في المهرجانات الكبرى (مثل برلين ولوكارنو) لم يعد خياراً، بل تواطؤاً.

قوة المقاطعة: نجاح حملات المقاطعة الشعبية شجع الفنانين على التضحية بالجوائز مقابل الحفاظ على الموقف الأخلاقي.

الاستقلالية: بدأت المؤسسات الفنية العربية تبحث عن بدائل لتمويل الأفلام بعيداً عن الشروط الأوروبية التي قد تفرض قيوداً على المحتوى السياسي.

موقف كوثر بن هنية وزملائها يثبت أن “العدسة” العربية لم تعد تكتفي برصد الواقع، بل أصبحت هي نفسها جزءاً من المعركة من أجل العدالة.

النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع

التعليقات مغلقة.