محاولة استهداف قاعدة دييغو غارسيا بصواريخ إيران “العابرة للقارات”… تطور تقني وقوة إرادة ورسائل مشفرة للعدو

في ظلّ التصعيد الإقليمي والدولي للحرب الدائرة، ظهرت مؤخرًا تقارير إعلامية يستند أغلبها إلى مصادر مفتوحة عن محاولة إيرانية لاستهداف قاعدة دييغو غارسيا العسكرية البريطانية–الأميركية المشتركة في المحيط الهندي باستخدام صواريخ بالستية عابرة للقارات. وفي الحقيقة، إن لم تكن هذه المحاولة ناجحة، فإن مجرد تداولها يحمل دلالات استراتيجية وتقنية وسياسية عميقة داخل دائرة الأحداث.

المحاولة أعادت رسم خارطة التوازنات العسكرية في العالم، فالحدث غير مسبوق؛ فإطلاق إيران صاروخين أو عدة صواريخ بالستية بعيدة المدى من طراز خرمشهر4، وربما صواريخ فتاح الفرط صوتية، أو نوع آخر لم يُعلن عنه (على اعتبار أن المعلومات متضاربة في العدد ومتفقة في الحدث) باتجاه قاعدة دييغو غارسيا الأميركية البريطانية المشتركة في قلب المحيط الهندي، لم يكن مجرد عملية عسكرية فشلت تقنيًا، بل كان إعلانًا سياسيًا واستراتيجيًا عن ولادة قوة صاروخية إيرانية عابرة للقارات ذات مدى عالمي.

مع أن الأنباء تضاربت بأن الهجوم فشل (واحد تعطّل، الآخر اعتُرض)، لكن مجرد حدوثه يؤكد الحدث ويرفع من مستوى مخاوف التصعيد إلى استخدام أسلحة واستراتيجيات جديدة.

التحول الاستراتيجي من الإقليمية إلى العالمية
لطالما أكدت طهران أن مدى صواريخها لا يتجاوز 2000 كيلومتر، وهو المدى الكافي للوصول إلى “إسرائيل” والقواعد الأميركية في الشرق الأوسط. إلا أن محاولة استهداف قاعدة دييغو غارسيا، التي تبعد حوالي 4000 كيلومتر عن الأراضي الإيرانية، مثّلت قفزة نوعية كسرت سقف المدى العملياتي الصاروخي الذي فرضته إيران على نفسها لسنوات، وخالفت تقديرات استخبارات الدفاع الأميركية التي تؤكد بأنها قد تمتلك صواريخ ICBM بحلول عام 2035 إذا ما قررت ذلك سياسيًا لتعزيز برامجها مستفيدة من برنامجها الفضائي (سيمورغ) بالتعاون مع كوريا وروسيا.

الدلالة الاستراتيجية للمدى العملياتي الجديد تؤكد القدرة الإيرانية على ضرب أهداف خارج منطقة الشرق الأوسط بمسافات تصل إلى أكثر من 4000 كم، وتجاوز هذا المدى فعليًا قادر على تحويل القواعد البعيدة من كونها “ملاذات آمنة” إلى أهداف محتملة، ووضع مناطق مثل المحيط الهندي، ووسط أوروبا، والقرن الأفريقي، والشرق الأوسط، والخليج، وشرق المتوسط، والعواصم الأوروبية ضمن مسودة بنك الأهداف الإيرانية. كما أنه ترجم عمليًا دمج تقنيات الفضاء في العمل العسكري بتطوير صواريخ ذات محركات ثنائية المراحل بقدرات فنية مميزة.

القفزة التقنية للصواريخ الفرط صوتية
تمثل الصواريخ الفرط صوتية تطورًا تقنيًا مذهلًا لإيران يعكس تقدمًا ليس في محركات الدفع وأنظمة التوجيه فحسب، بل أيضًا في مواد تصنيع الرؤوس الحربية القادرة على الصمود أثناء دخول الغلاف الجوي، وكذلك القدرة على حمل رؤوس قتالية متعددة وأنظمة الخداع والتضليل ضد مظلات أنظمة الصواريخ الأميركية.

وعلى الرغم من أن التقارير الغربية أشارت إلى استخدام صواريخ سيمورغ أو خرمشهر4 (المعروفة بقدرتها على حمل رؤوس حربية ثقيلة تصل إلى 1500 كغ)، إلا أن إقحام اسم الصواريخ الفرط صوتية في هذا السياق يحمل دلالة تقنية غريبة وعميقة، فالصواريخ الفرط صوتية مثل “فتاح2”، التي تتميز بقدرتها على المناورة خارج الغلاف الجوي بسرعات تتجاوز ماخ 15، واستخدام تقنيات المركبات الانزلاقية، يجعل اعتراضها من قبل المنظومات التقليدية أمرًا شبه مستحيل، ويُعد مؤشرًا كبيرًا على التطور الحاصل في مجال صناعة الصواريخ في إيران، لكنها لم تصل بعد إلى مستوى الصواريخ العابرة للقارات، الأمر الذي لم تصرح به وتؤكده إيران رسميًا.

بعض التقارير تفيد بأن إيران استخدمت صواريخ ثنائية المرحلة للوصول إلى القاعدة القابعة في المحيط الهندي، وهذا يعني أن إيران لم تعد تعتمد على الكثافة العددية لصواريخها فقط، بل انتقلت إلى الدقة والمناورة. فاستخدام صواريخ ثنائية المراحل يعني أن طهران نجحت في تحويل تقنيات إطلاق الأقمار الصناعية (SLVs) إلى صواريخ عسكرية بعيدة المدى، وهو ما حذرت منه وكالات الاستخبارات الغربية لسنوات.

لماذا دييغو غارسيا؟
تُعد قاعدة دييغو غارسيا ركنًا مهمًا في استراتيجية الهيمنة الأميركية في المحيط الهندي، وتستخدمها الولايات المتحدة كمركز لوجستي واستخباراتي ودعم جوي للعمليات الأميركية في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وحتى شرق إفريقيا. وهي القاعدة الرئيسية للقاذفات الاستراتيجية من طراز B-52 وB-2 التي تستهدف العمق الآسيوي والشرق أوسطي، والمرفأ الآمن للغواصات النووية الحاملة للصواريخ البالستية والموجهة، والملاذ البعيد عن متناول أي قوة إقليمية في منطقة الشرق الأوسط.

الجزيرة تقع في قلب المحيط الهندي، وهي قاعدة عسكرية أميركية بريطانية حيوية منذ حقبة الحرب الباردة، وقد لعبت القاعدة دورًا محوريًا في غزو أفغانستان والعراق، كما أنها نقطة انطلاق محتملة لأي عمل عسكري ضد إيران حاليًا أو مستقبلًا.

استهداف هذه القاعدة يعني الكثير سياسيًا وعسكريًا، فإيران قالت كلمتها لواشنطن وأوصلت رسالتها العملية التي جاء فيها: “لا يوجد مكان بعيد بما يكفي ليكون آمنًا لكم”.

وما أوردته التقارير الأميركية هو أن الضربة لم تقع، وهذا الوضع لا يجب إهماله قطعًا عند قراءة الحدث في صورته العسكرية والسياسية، لكن من الواضح أن هناك تعتيمًا كبيرًا على هذا الحدث، ومحاولة التكتم تعني أنه قد يكون حصل. وبغض النظر عن نتائجه، فهو حتمًا حدث غير مسبوق غيّر قواعد الحرب، فمجرد تهديد قاعدة كبيرة مثل هذه يعد علامة على ما وصلت إليه إيران في مسألة تطوير صواريخها وتهديد خصومها.

وإذا صح أن إيران استخدمت أو خططت لاستخدام صواريخ عابرة للقارات، أو على الأقل ذات مدى شبه قاري مثل صاروخ خرمشهر4 أو شهاب3 أو فتاح، فهذا يجعلها قادرة على الوصول إلى القواعد الأميركية في المحيط الهندي وأوروبا الشرقية، وهو تهديد مباشر لحاملات الطائرات ومراكز القيادة والسيطرة البعيدة، والأهم هو الدخول بقوة ضمن نادي الدول القليلة التي تمتلك تقنية ICBM مثل روسيا، الصين، أميركا، كوريا الشمالية، وفرنسا، والهند… إلخ.

الرسائل المشفرة… لمن؟ ولماذا؟
استهداف هذه القاعدة يعني الكثير سياسيًا وعسكريًا، فإيران قالت كلمتها، ومن خلال العملية حملت رسائلها العملية إلى عدة أطراف يمكننا قراءتها في النقاط التالية:

رسالة للولايات المتحدة: تقول: “لا يوجد مكان بعيد بما يكفي ليكون آمنًا لكم، لدينا الآن يد طويلة تستطيع أن تطالكم”، وهذا هو أقوى تهديد ممكن لأنه تهديد موثوق لا يمكن تجاهله.

رسالة إلى بريطانيا: تحمل تحذيرًا مهمًا (حيث حذر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي صراحة من أن السماح باستخدام القواعد البريطانية مثل دييغو غارسيا أو القواعد في قبرص لشن هجمات على إيران يعرّض “الأمن القومي البريطاني” للخطر المباشر).
رسالة إلى أوروبا: نستطيع الوصول لأبعد مدى ممكن (فالمدى الذي وصلت إليه الصواريخ (4000 كم) هو نفسه تقريبًا المسافة بين إيران وعواصم أوروبية مثل لندن وباريس، وهذا التحول يضع أوروبا أمام واقع أمني جديد، حيث أصبحت القارة في مرمى الصواريخ الإيرانية لأول مرة).

رسالة لدول الخليج: تفيد بأن “توازن الرعب قائم، والخيار العسكري ليس حصرًا لكم أو لحلفائكم”.

رسالة للعالم: تقول: “نحن قوة عظمى إقليمية، ولا نخضع للابتزاز، ونحن دولة ذات سيادة، ولنا حق الدفاع عن أنفسنا وامتلاك الأسلحة التي تؤمّن وجودنا وتحميه”.

والرسالة الأهم والأقوى هي قوة الإرادة الإيرانية، فطهران تقول للعالم، وخاصة لأميركا و”إسرائيل”، إنها لن تبقى رهينة للتهديدات أو العقوبات، وأنها مستعدة وقادرة على الرد في أي مكان وفي أي وقت. وهذه الرسالة ليست عسكرية فقط، بل نفسية واستراتيجية، وتهدف إلى إرباك الحسابات الأميركية.

التوسع الجغرافي في ميدان الحرب وتغيير قواعد الاشتباك
أثبتت إيران أنها مستعدة لتوسيع رقعة الحرب جغرافيًا إذا شعرت بتهديد وجودي، منتقلة من “الصبر الاستراتيجي” إلى “الردع الهجومي البعيد”. فمحاولة استهداف دييغو غارسيا، حتى وإن تم اعتراض الصواريخ الإيرانية بواسطة منظومات SM-3 الأميركية، تمثل نقطة تحول تاريخية في المواجهة مع أعدائها.

وهذا التحول يعني تغييرًا كبيرًا في قواعد الاشتباك، ويعني أيضًا أن أي مواجهة مستقبلية لن تقتصر على حدود الشرق الأوسط، بل قد تمتد لتشمل ممرات الملاحة الدولية والقواعد الاستراتيجية في المحيطات، مما يفرض على القوى الكبرى إعادة تقييم شاملة لاستراتيجياتها الدفاعية في مواجهة الترسانة الصاروخية الإيرانية المتطورة.

إن محاولة استهداف دييغو غارسيا (سواء تمت فعلاً أو بقيت في إطار التخطيط أو التهديد) تمثل علامة فارقة في الاستراتيجية الإيرانية، فقد جمعت بين التطور التقني المتسارع الذي يضع إيران على عتبة نادي الصواريخ العابرة للقارات، والإرادة السياسية الصلبة التي نجحت في إرباك الخصم ورفعت سقف الردع، مع ذكاء القيادة الاستراتيجية ومهارتها في اختيار الهدف والتوقيت والرسائل.

ما بعد محاولة الهجوم
تواجه أميركا معضلة ضمن هذا السجال؛ فإذا ردّت بقوة على إيران، فالرد الإيراني قد يكون بضرب دييغو غارسيا مرة أخرى، وهذه المرة قد يكون الاستهداف مختلفًا، والضربة ستكون مؤلمة. وإذا لم يرد الأميركيون، سيفقدون هيبتهم ليس فقط أمام إيران، بل أمام كل أعدائهم وحلفائهم في العالم.

وحتى الآن، يبدو أن أميركا اختارت أن تتظاهر بأن الهجوم فشل تمامًا، وتتجاهله، وتأمل أن ينتقل الاهتمام إلى محور آخر، وربما يكون ما يصدر من قرارات من الرئيس ترامب بإيقاف وتأجيل الضربات موافقًا لذلك.

في أروقة السياسة والإعلام والمراكز الاستراتيجية، يدور حاليًا سؤال مهم: هل الهجوم نجح أم فشل؟ وأعتقد بأنه سؤال خاطئ، وربما السياق الصحيح هو: هل تم تحقيق الهدف من الهجوم؟

من خلال المتابعة للحدث وخفاياه، فالجواب هو نعم، بشكل كامل وثابت. فإيران لم تذهب لتدمر قاعدة في المحيط الهندي عبثًا، بل ذهبت لتثبت أنها تستطيع فعل ذلك، وكل خصومها يعلمون الآن أنها تستطيع. وهذا هو التغيير الاستراتيجي الكبير الذي سيبقى ويُذكر في التاريخ، وهو يعني عمليًا انتقالها إلى عضوية نادي جديد ضمن الأسلحة البعيدة المدى، لتؤكد قوتها الفنية والقتالية وقدرتها على صناعة الأحداث وتغيير دفتها لصالحها ووفق ما تراه موافقًا لوضعها.

العميد صلاح الدين الزيداني الأنصاري – الدفاع العربي

النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع

التعليقات مغلقة.