دعائم الإصلاح المالي في الإسلام

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

وليد عصام الضيقة – خاص الناشر |

لأية جماعة من البشر الحرية أن لا تتصل بالسماء من طريق محمد “لا إكراه في الدين”، ولكنهم جميعًا في حاجة إلى الاتصال بالأرض من طريقه وعلى منهاجه. وكان من حظ بلاد العرب أنها شهدت، لأول مرة ، تجربة نظام محمد الإصلاحي، وقد نجحت في حدودها، ونجحت خارج حدودها، وفيها القدرة على النجاح دائمًا.

ويكفي لنعرف مدى نجاح ذلك النظام أنه سما بمجتمعه كثيرًا “فوق خط الفقر” وفق تعبير الاقتصاديين اليوم، إذ كانت التجربة ناجحة، ليس نجاحًا في حد وبمقدار بل أعطت الرقم القياسي في النجاح وسرعة مفاعيله، فعلينا أن ندرس جيدًا ذلك النظام والوسائل التي اتحدت من أجله، خصوصًا أنه فريد في التاريخ، فقد أظهرت التجربة سلامته. ودعائم هذا النظام هي: مفهوم الثروة – قانون جبرية القرض – قانون وجوب فترة السماح – تحريم الكنز – التكافلية التعاونية – قانون جبرية الحركة في التداول – التعميم الطوعي.

مفهوم الثروة
الثروة كانت في الأصل محاصيل تعبر عن حاجات حيوية، وبتولد فكرة “الغد” وبتحرك مخاوفه، تولد الادخار وأعان عليه الطمع والنهم. ولما كانت المحاصيل لا يمكن ادخارها حينذاك، تولّد في سلسلة من المراحل “النقد” الذي ساعد على استفحال النهم والشره. وكان في هذا الاستعمال النهمي، الذي قاعدته النقد، ما نقل العمل الاجتماعي من تسلسله الطبيعي محاصيل فنقد فمحاصيل إلى تسلسل إجرامي نقد فمخاصيل فنقد، وبذلك تولّد “رأسمال” البغيض، واتخذ غاية ما اصطلحت عليه الجماعة وسيلة، فوقف النشاط عند أقلية ضئيلة.

وعليه فالثروة ورمزها النقد -ومعادلته رياضيًا أنه حاصل جهد + ضرورة تعبر عن احتياجات حيوية عضوية- جمدتها الأنانية واستلبها الذين هم أكثر تطفلًا واستبدادًا بها. وبما أنها كذلك، حاجة الجماعة، وجهد الجماعة، فكل استحواذ للفرد عليها استحواذ أناني، يشير إلى اعتداء، دون ما ريب، لأنه استحواذ على الجماعة نفسها، وبالتالي كلما وُجد استقطاب مالي أناني فهناك أنكر وجه من وجوه الجريمة.

قانون جبرية القرض
هذه نظرية تشيع في نظم وتعاليم الإسلام على شكل واضح. خذ إليك ما يمكن أن نسميه “قانون الحماية الجبرية للقرض”، الماثل في هذه الآية الكريمة: “وأقرضوا الله قرضًا حسنًا”. وغفر الله للفقهاء الذين حملوا “صيغة الأمر” فيها على نحو الندب، أي من دون ما يصرف عن قصد الوجوب، وحين يكون الأمر فيها بالوجوب، أي على حقيقته في الدلالة، تخرج من الآية الكريمة بنظرية -على أنها جديدة في ميدان التشريع القانوني- نبيلة في حقل التعاطي والتعامل الإنسانيين وهي: كلما وُجد إعسار فردي أو جماعي وجب القرض الحسن، أي اللاربوي كذلك فرديًا أو جماعيًا، بمعنى أن حال الإعسار توجب وتفرض على الجهات القادرة دوليًا والمصارف التي لها هذه الصفة الإقراض الحسن عند الطلب على وجه حتمي. مثلًا لبنان اليوم في حال إعسار يبلغ حد الاختناق فله حق الاقتراض الحسن على وجه فرضي من الدول النفطية، وليس لهذه الدول أن ترضى أو ترفض؛ فدول الخليج النفطية ملزمة بالإقراض على وجه حتمي، شاءت تلك الدول أم كرهت، رضيت أم أبت. ليس لأهل النفط مقدراته، وعدم الإقراض إثم قومي وديني، بل أكثر من إثم يرتكب علانية ولا من سائل أو محاسب، وقد قال النبي الكريم : “الناس شركاء في ثلاث الماء والكلأ والنار” .

قانون جبرية فترة السماح
وخذ إليك أيضًا قانون “النظرة إلى ميسرة” المعروف عند الاقتصاديين اليوم بـ”فترة السماح”. وتسمية القرآن أكثر دقة وأمعن في معنى الإيجاب. فالإسلام قد أوجب القرض، وحارب الإرهاق في الإيفاء والتسديد، وأوجب النظرة، أي إعطاء المهل، التي تتضمن آليًا قوة السريان، ففي القرآن “وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة”، وفي الحديث “ولينفس عن معسر أو يضع عنه”.

واضمم الى هذا وهذا تحريم الربا المبني على ملاحظة أن النقد رمز فقط وقوة توليده تكمن في الجهد والعمل، فليست فيه قوة توليد ذاتية، إذًا فالربا تطفل واستحواذ أناني، ومن هنا جاء تحريمه، إذ لم يكن حاصل جهد، بل استغلال جهد الغير.

تحريم الكنز
على ضوء هذا التعريف للثروة عرفنا أنها تعبر عن حاجات حيوية وجهود اجتماعية؛ فالقطعة من النقد رمز ضرورة حيوية وجهد اجتماعي بقدرها. فإذا خزنها الفرد وحبسها عن التعامل ، فمعناه أنه عزل عن ميدان الطاقة والقدرة، من الشريان الاجتماعي المتواصل في جسم المجتمع، حفنة من الكريات الحمراء والبيضاء ووضعها في أنبوب مسحوق ذلك السائل الأقدس. وعلى هذا جاء الإسلام بالمعجزة الكبرى والحل المناسب في التنظيم، فحرم خزن الأموال، وعزلها عن محيط العمل العام وتداول الكل، وذلك لأنك في نظره كلما خزنت قطعًا نقدية أكثر فأكثر فقد أسرت أعضاء اجتماعيين أكثر فأكثر، حتى يشل المجتمع، فقد أسرت أعضاء اجتماعيين أكثر فأكثر حتى يفشل المجتمع، وتقف حركته في أيدي خازنين آثمين أو بالأحرى يتحرك في شباكهم.

قانون جبرية الحركة في التداول
التحريم المذكور الذي يسوغ أن نسميه “الجبر في حركة الإنتاج والتداول المالي” يوفر القوى الإنتاجية الى أبعد حد ويضمن، حال نشاط، عملية جبارة.
فالإسلام لا يرى الضر في النقد عينه ولا في وضع الأفراد أيديهم عليه، فهذه تسميات لا أكثر، ولكن يرى الضرر الأعظم والجريمة الكبرى في قانون النقد وفي قانون وضع اليد عليه، فأصلحهما وأقام مجتمعه، من هذه الناحية، على نظرية الجهد الذاتي ونظرية الجبر في الإنتاج الاجتماعي.

وإن ما يعده البعض مأخذًا على الإسلام “الزكاة ” نعدّه نظرة مباركة في قانون الأموال .

الزكاة ، وهي مفنية لرأس المال حتمًا إذا خزن وعزل عن نطاق العمل، تجيء وكأنها وضع للجزاء في أساس الاقتناء الحاد، فلا تخزن من ثمة روؤس الأموال رهبة في النتيجة المرعبة، وهذا مصداق ما أشار إليه الحديث الشريف: “فليتجر به ولا يتركه مخزونًا حتى تأكله الصدقة”.

وطبيعي أنه كلما تهيأت فرص النشاط العملي وتوافر مردودها في أيدي الأفراد والجماعات، تتولد رغبة التحوج، وتتسنى للفئات القدرة عليه بتسني الطاقة الشرائية لديها.

إن الاسلام حل المعضلة ببساطة أكثر. ولا أظن مجتمعًا في التاريخ اتخذ قانونًا بتحريم الكنز أو عهد قانونًا قريبًا مما جاء به الإسلام. وهذا التحريم بدوره يؤول إلى إيجاد المشاريع دومًا، وبالتالي فرص العمل أبدًا، أي التمكين للطاقة الشرائية لدى الأفراد والجماعات عامة، وهكذا دواليك بين حركتي الإنتاج والاستهلاك.

يقولون إن أرسطو أنزل الفلسفة من السماء إلى الأرض، ونحن نقول إن محمدًا أنزل نزعة التدين من السماء إلى الأرض، وصرفها في إصلاح سعي المجتمع نحو معارج تطوره؛ فبعد أن كان الدين فعلًا واستغراقًا مثاليًا، جعلة فكرة حية واجتماعًا، واستطاع أن يسوق تيار التدين في أقنية المجتمع ويوجهه قوةً ماديةً وروحيةً في عروقه وبذلك جعل محمد الدين طريقًا منفتحًا إلى المجتمع، لا دربًا مكفوفًا على الشخص، جعله عامل إيجاب، لا عامل سلب.

التكافلية التعاونية
وجاء الاسلام بما نسميه مبدأ التكافل الاجتماعي، ومن نتائجه احترام الجهد الذاتي للفرد والمحافظة على توازن الفئات، بالتعاون القرضي، فأقر الملكية الخاصة في غير ما استقطاب وأوجب الزكاة بمنطق التعاون الواجب. جاء الإسلام باحترام الملكية، ولكن في الحدود التي لا تجحف بالجمعية الحية، لذلك أخرج الفقهاء الأعلام الزكاة مخرج الدَّين، اعتمادًا على التعبير القرآني بكلمة حق وفي الآية الكريمة “وفي أموالهم حق للسائل والمحروم”.

على أن الزكاة في فلسفتها تقر أنّ كل امرئ في أي مسعى أو مضمار يؤول إلى كسب هو مدين فيه للمجتمع، عن علي (ع) قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وآله لاوي الصدقة (أي مانع الصدقة) والمعتدي فيها.

التعميم الطوعي لا التأميم
تشجيع الوقف على المرافق العامة، وعلى نحو طوعي، ولكن مع الحض والترغيب فيه، وذلك بجعله مؤسسة اجتماعية. ومن هنا شاع الوقف في العهود الإسلامية من مسجد الى مدرسة الى مشفى إلى فنادق لمن انقطعت بهم السبل إلى تعبيد الطرق وإنارتها إلى رعاية الحيوان…

هذه أهم دعائم الإصلاح المالي في الإسلام. إن الإسلام قاد إلى إيجاد حال اجتماعية صحيحة، والى خلق مجتمع سعيد، وقد نجح أيما نجاح في إيجاد حال رضا شائعة، وحارب الثروة والعدم جميعًا. فمحمد(ص) لم يجعل مجتمعه ثريًّا بل أمكن له أن يجعله غنيًّا، يحيا في كفاية رمزها التقدم والأمل، في مقابل العدم ورمزه الاندحار والتراخي واليأس. فيجب أن لا نقيس حياة المجتمع بمقدار ما معه من ثروة راكدة، لا تنشط نحو المجموع، بل بمقدار ما فيه من جهد سعيًا لإشباع الحاجات والضرورات الشعبية الحيوية العامة.

فالبشرية لا تتطلع إلى مجتمع ثري، يشيع فيه الترف والفساد والنهم، بل إلى مجتمع غني مكتفٍ يشيع فيه الرضا مشفوعًا بالطمأنينة “وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا”.

النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.