الفنّ اللبناني “ما بيحكي لبناني”

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

لم يكن لبنان يومًا الأقوى فنيًا على صعيد البلاد العربية، فقد احتلّت مصر منذ بداية القرن العشرين الصدارة في صناعة الأفلام السينمائية وبعدها المسلسلات، وما زالت حتى اليوم تتصدّر رغم منافسة بعض المسلسلات السورية لها أواخر القرن الماضي، وحتى قبيل اندلاع الحرب السورية. أما لبنان، فقد مرّ بالعديد من المحطات حيث كانت إنتاجاته السينمائية والمسرحية والتلفزيونية -من مسلسلات وبرامج- والغنائية تكثر في بعض الأحيان وتموت أحيانًا أخرى. فهذه الصناعات تحتاج إلى استقرار نسبيّ وهو ما فقده لبنان إجمالًا منذ نشوئه.

الإنتاجات اللبنانية يمكن تجزئتها، فلنبدأ بالسينما والدراما. عرف لبنان إنتاج السينما فعليًا في أواسط القرن العشرين عبر خبرات أجانب ولبنانيين قد تعلموها عبر التجربة والخطأ أو ما يسمى بالـ trial and error، وازدهرت هذه الصناعة فيه حتى الحرب اللبنانية.

الجيل الحالي لا يعرف الأعمال اللبنانية القديمة، أو ربما قد شاهدوا بضعة مشاهد من أعمال الممثل صلاح تيزاني -فرقة أبو سليم- أو بعض المسلسلات التجارية المشهورة مثل عشرة عبيد صغار والمعلمة والأستاذ أو كابتن بوب وغيرها. الجيل الحالي منذ صغره عرف المسلسلات الأميركية من كرتون وغيرها بأعمال قناة ديزني وكارتون نيتوورك، أو شاهد مسلسلات كرتون يابانية مدبلجة للعربية على قناة سبايس تون. بداية تعرفهم على المسلسلات اللبنانية كان عبر مسلسلات تجارية بحتة الهدف منها جني الأرباح فقط لا غير، سيناريوهات مبتذلة مع حوارات سطحية يخجل الممثل نفسه من قولها ولكن للضرورة أحكام.

لنقارن مثلًا المسلسلات اللبنانية بتلك السورية؛ العديد من اللبنانيين كانوا يعتبرون المسلسلات السورية أقرب للواقع وتشبههم أكثر من المسلسلات اللبنانية، ولا نتكلّم هنا عن مسلسلات البيئة الشامية، مسلسل جميل وهناء على سبيل المثال كان يدور حول زوج يشغل منصب مدير في إحدى الإدارات يسكن منزلًا متواضعًا، زوجته تعمل هي الأخرى، ولداه تلميذا مدرسة يلاحقهما يوميًا في درسهم، وتقيم بقربهم جارة أرملة متطفّلة.

إن أردنا مقارنة هذا العمل مع مسلسل لبناني في الحقبة نفسها لن نضطرّ لتسمية مسلسل لهذه المقارنة، بل سنترك الإسقاط للقارئ. في مسلسل لبناني، الكل غني، الكل يمتلك قصرين وأكثر وشقة كبيرة في المدينة، أحدث سيارات، أغلى مطاعم، ولا أحد يعمل فالكلّ منهمك بالمسلسل وكأنّ الحياة هي عبارة عن قصص نقضي كل حياتنا نلاحقها ونكسب مالًا من دون أن نعمل.

هذا في الدراما. في فنّ الكوميديا، يُعدّ أسهل نوع من الكوميديا هو كوميديا “المُهرّج”، هو حين تُضحك الجمهور على فعلك عوضًا عن قولك، وهذا ما برع فيه اللبنانيون والسوريون في الكوميديا الخاصة بهم. مسلسل “عيلة سبع نجوم” السوري هو مثال على ذلك، كل الشخصيات حمقاء أشكالها مضحكة ولبسها غير متناسق ويتصرّف كل فرد فيه على أنه مهرّج لإضحاك الناس، تارّة يضحكون على وزن “هاني” الزائد، وتارّة على سقوط “أبو طمزة” على قفاه وغيرها من أعمال التهريج.

في لبنان كذلك كنّا رائدين في هذا المجال، ففي أي مسلسل كوميدي لبناني تكون كل الشخصيات غبية على شعار “الغبي واللي أغبى منه”، ودائمًا هناك شخصية وأكثر لديها لهجة غريبة على الأغلب تكون لهجة أحد أهالي الأطراف، ومشاهد مليئة بالحوادث المؤسفة وكأنّ العالم هو مجرّد حوادث مؤسفة، وهو كذلك إلى حدّ ما. ولكن المسلسلات الكوميدية اللبنانية كانت قليلة نسبيًا إذا ما قورنت بالبرامج التي اشتهرت باللوحات (السكيتشات) الكوميدية التي اعتمدت في غالبها على الاستهزاء بالآخر وعلى الأفكار النمطية والدعابات الطائفية والعنصرية والجنسية -ليس أنّ هذه أمور لا ينبغي التطرّق إليها ولكنّ مستوى النكتة كان مستهلكًا ويُعاد تدويره دائمًا-.

أما في الأفلام فقلّما تجد فيلمًا لا يحمل نفس العنوان المرتكز على الطائفية، وهذا أمرٌ مستغرب، ففي الأفلام اللبنانية جرى استهلاك عنوان الطائفية، مسيحية تحب مسلمًا وشيعي يريد الارتباط بدرزية، وسنيّ ينوي التقرّب من أرمنية، أو أشخاص اختلفوا على مشاكل شخصية تحولت لاقتتال طائفي، أو قصة متحابّين أحدهما يسكن الشرقية والآخر الغربية وكيف تمكنّا من كسر كل الأعراف وهاجرا سويًا، أو عن الزواج المدني، أو عن فلسطيني يقطن قرب قواتيّ، وغيرها الكثير من الأفكار التي تدور كلها في فلك الطائفية والواقع اللبناني. بينما في المسلسلات اللبنانية يطغى الانفصال الكامل عن الواقع اللبناني، فكلّ الأسماء لا تدلّ على طائفة حامل الاسم، كل الشخصيات اسمها سمير وعدنان وفراس وسليم وسامي وشادي ولارا ونور وسارة، وحتى أسامي العائلات هي كلها حداد ونجار وحرب ومطر. إن أردنا نحن أن ننشر إنتاجاتنا عربيًا، كيف تكون مواضيع أفلامنا لا تهمّ العرب؟ في المغرب لا يكترثون أنّ جورج يحبّ خديجة أو أنّ ضيعتين مسلمة ومسيحية اتفقتا، فهذا فيلمٌ أشبه بأفلام الخيال العلمي عندهم، لا يألفونه ولا يشاهدونه كاللبنانيين، بينما في مسلسلاتك التي في أفضل الأحوال وقبل الحرب السورية وبداية حقبة ما يعرف بـ”الأعمال المشتركة” كان جمهورها لا يتعدى مشاهدي محطة أرضية لبنانية تتجاهل الطائفية كليًّا وكأنّنا مجموعة من أناس اسمهم سمير وسامي وعدنان. (سمير وسامي هما اسمان متكرران مستهلكان ولا نعني بهما رئيس أي حزب).

إذًا، أمام دراما تلفزيونية مليئة بضعف الإنتاج والإخراج وقلّة موهبة تمثيلية وكتّاب يكتبون خمسة مسلسلات سنويًا، تمكّنت المسلسلات اللبنانية من أن تصبح مجرّد مادة للسخرية. يُقال إن هذه المسلسلات تحسنت قليلًا بفضل الأعمال السورية اللبنانية المشتركة، ولكن ما زالت الإنتاجات المحليّة تعاني في غالبها من هذه المشاكل نفسها.

إن أردنا الآن أن نتكلم عما برع به لبنان فنًّا فهو الغناء والموسيقى والبرامج التلفزيونية. البرامج التلفزيونية اللبنانية شهدت تقلبات عديدة لنفس الأسباب التي شهدتها السينما والتلفزيون، ولكنها وصلت لذروة عطائها مطلع الألفية الثالثة، فكانت انطلاقة برامج الهواة والغناء العربية المشتركة في بيروت مثل سوبر ستار وستار أكاديمي، فشاهد العرب متسابقين من كل البلاد العربية يتبارزون وفوزهم معلّق بحجم مساندة أولاد بلدهم لهم، تبعتها برامج عديدة بنفس العنوان لاحقًا وإن كان إنتاجها غير لبناني ولكنّ التصوير كان في بيروت والعاملين فيها أغلبهم من اللبنانيين، إلى برامج المسابقات والبرامج السياسية والحوارية والصباحية والتكنولوجية، فكان عصرًا ذهبيًا للتلفزيون اللبناني استطاع فيه ولو لبضع سنوات أن يستفيد كثيرًا لبتأمين فرص عمل للعديد من الشباب وأيضًا لجعل اللكنة اللبنانية مألوفة عربيًا ما عزّز السياحة والاستثمار.

اليوم البرامج التلفزيونية هي عبارة عن برامج اجتماعية تتكلم عن مدى فقر ومأساة الشعب، أو ساخرة بنفس النّكات المستنزفة، أو سياسية، معبّرة عن المزاج العام للشعب الذي بات يستثقل الضحك والمتعة على نفسه والذي خسر التلفزيون معظمه بسبب انقطاع الكهرباء وتعذّر مشاهدة التلفاز لدى فئة كبيرة من الشعب.

نصل الآن إلى الموسيقى والغناء، وهما السبب الأكبر بعد الحرب لشهرة لبنان، ولسنا بوارد التكلّم عن فنانين كبار رسموا عصرًا ذهبيًا للأغنية اللبنانية بل سنكتفي بالأغاني التي تمّ طرحها أثناء الحرب وبعدها وصولًا لليوم.

لعبت الأغنية اللبنانية دورًا كبيرًا أثناء الحرب، فكانت من الأمور القليلة التي يستطيع اللبناني التسلّي بها ليشعر أنّه ما زال على قيد الحياة، وهو قابعٌ تحت الأرض لا يملك سوى جهاز راديو يعمل على البطارية، وأوصلت للخارج حبَّ اللبنانيين للحياة والفنّ بعكس صورة الحرب والدمار التي كان ينظر الجميع للبنان عبرها. بالإضافة إلى أغانٍ وطنية بالمئات، تكاد تقسم أنّنا أكثر بلد يملك أغاني وطنية، فيندُر وجود فنان لا يملك على الأقل أغنية وطنية واحدة في أرشيفه. وهنا لا بدّ من ذكر قاعدةٍ شعبية أنّ البلاد التي يطغى على شعبها عدم التمسّك بوطنه تكثر فيه الأغاني الوطنية.

تبعت هذه المرحلة آلاف الأعمال الموسيقية أدّت لتربّع الفنانين اللبنانيين مع المصريين على عرش الأغنية العربية، فشهد العالم العربي عصرًا بدأ في أواسط التسعينيات كان للفنانين اللبنانيين فيه شهرةٌ عربيةٌ كبيرة جعلت من حفلِ الفنان اللبناني سببًا كفيلًا لزيارة لبنان.

بدَأ تراجع الأغنية اللبنانية تدريجيًا مع انتشار يوتيوب في العالم العربي، فبدأت أغاني المغرب العربي بالصعود شيئًا فشيئًا، تلتها العراقية، ثمّ الأردنية المتمثّلة بالفرق الموسيقية والـ indie music، ثمّ الخليجية، طبعًا مع بقاء مصر في القائمة، ولو أنّ الأغاني التي تشتهر بها حاليًا هي بمستوى فني يعتبر هابطًا (المهرجانات) إلا أنها ما زالت في الطليعة وتحقق أكبر انتشار عربي.

حتى الآن ما زالت الأغنية اللبنانية تتراجع لعوامل عدة، منها تغيّر أذواق المستمعين العرب وتوجّههم نحو أنماط موسيقية جديدة نوعًا ما، لم يستطعِ الملحنون والشعراء اللبنانيون مواكبتها، وكحلّ لهذه المعضلة، بدأ أغلب فناني لبنان بالغناء باللهجة الخليجية عوضًا عن اللبنانية كي يكسبوا شيئًا من انتشارها. فالآن يندر أن تجد مطربًا لبنانيًا ليس في رصيده أغنية خليجية أو عراقية. وقد أدّت الأزمة اللبنانية التي فقد فيها اللبنانيون جنى أعمارهم في المصارف إلى صعوبة في إقامة الحفلات في لبنان فتوجّه الفنانون ذوو عشرات الأغاني الوطنية اللبنانية نحو بلاد الخليج العربي حيث الحفلات اليوم حتى أنّ العديد منهم استقرّوا في تلك البلاد.

قد لا يكون الفنّ اللبناني أولوية في واقع البلد الحالي، وهو على الأغلب كذلك، ولكنّ في فقده أثرًا لن نشهده اليوم بل بعد بضع سنوات حين يبدأ العديد من العرب بنسيان كيف تبدو اللهجة اللبنانية البيضاء، وحين يفقد العاملون بهذا المجال وهم كثر أعمالهم ولا يجدون عملًا بديلًا، إذ هم لا يبرعون بعمل آخر.

صناعة تلوَ صناعة وقطاع تلوَ قطاع يجري تهجير اللبنانيين أكثر فأكثر بواقع سوداويّ وأرقام هجرة متزايدة يوميًا، ويفقد فيها أهمّ موارده وهم السكان. مجتمعٌ يتبدّد وكأنّما المخطّط إفراغ لبنان من كل طاقاته حتى نصل إلى يومٍ حتى وإن جاء من يريد القيامة بالبلد لن يجدَ أي طاقات بقيت لكي تشهد هذه القيامة.

النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.