المعركة في مضيق هرمز وإعادة تشكيل العمليات البحرية
تتناول هذه المقالة التحول في فن العمليات البحرية في بيئة الخليج الفارسي، من خلال تحليل التفاعل بين مفهوم العمليات القاعدية الاستكشافية المتقدمة (EABO) الذي طورته الولايات المتحدة، واستراتيجية منع الوصول/الحرمان من المنطقة (A2/AD) الإيرانية. توظف المقالة إطارين نظريين هما نظرية الحلقات الخمس لجون واردن و(نموذج المنبع) لبول ميكيش، بهدف تحديد مراكز الثقل وإعادة تعريف أولويات الاستهداف، وتخلص إلى أن الحسم في هذا النوع من الصراعات يعتمد على القدرة على دمج الانتشار العملياتي مع الاستهداف البنيوي العميق، وليس على التفوق المادي التقليدي.
تكامل عمليات القواعد الاستكشافية الأميركية مع استراتيجية (منع الوصول والحرمان من المنطقة) A2/AD الإيرانية ضمن إطار نظريتي واردن والمنبع
شهدت العقيدة البحرية الأميركية منذ نهاية الحرب الباردة تحولًا تدريجيًا من نموذج السيطرة البحرية المطلقة إلى بيئة عملياتية أكثر تعقيدًا تتسم بتحدي قدرات منع الوصول/الحرمان من المنطقة (A2/AD) . ففي حين كانت الولايات المتحدة تعتمد تاريخيًا على التفوق البحري والجوي لتحقيق حرية الحركة، برزت قوى إقليمية مثل إيران كنموذج مضاد يستثمر الجغرافيا البحرية الضيقة، خصوصًا في مضيق هرمز، ويعتمد على تكثيف النيران منخفضة الكلفة وتوزيع القدرات القتالية بشكل لا مركزي. في هذا السياق، جاء مفهوم العمليات القاعدية الاستكشافية المتقدمة (EABO) كمحاولة لإعادة صياغة فن العمليات البحرية عبر نشر قوات صغيرة، مرنة، ومنخفضة البصمة داخل نطاق تهديد الخصم، بما يسمح باستعادة المبادرة العملياتية دون الاعتماد على القواعد الثابتة التقليدية.
لفهم هذا التفاعل، تستند المقالة إلى إطارين نظريين مكملين، الأول هو نظرية الحلقات الخمس لجون واردن، التي تفترض أن النظام الاستراتيجي يتكون من طبقات مترابطة تبدأ بالقيادة وتنتهي بالقوات، وأن التأثير الحاسم يتحقق من خلال استهداف الحلقات الداخلية وليس القوى القتالية فقط. أما الإطار الثاني فهو نموذج المنبع لبول ميكيش، الذي يركز على استهداف “منابع القوة” بدل مظاهرها، أي ضرب الأنظمة التي تنتج القوة العسكرية وليس فقط أدواتها. عند تطبيق هذين النموذجين على الحالة الأميركية، يظهر أن مركز الثقل الحقيقي لا يكمن فقط في الأسطول أو القواعد، بل في التكامل الشبكي الذي يربط بين القيادة، والاستشعار، والنيران ضمن منظومة C4ISR (قيادة – سيطرة – اتصالات – حواسيب – استخبارات – مراقبة -استطلاع) المتقدمة. في المقابل، يتمثل مركز الثقل الإيراني في القدرة على إغلاق المجال البحري عبر الكثافة النارية والانتشار الجغرافي، وهو ما يعكس اعتمادًا على نموذج عملياتي مرن وقابل للتكيّف.
في ضوء ذلك، يظهر السيناريو العملياتي قد بدأ بمرحلة تمهيدية تتضمن نشر الولايات المتحدة للمجموعات القتالية الخاصة (يو إس إس طرابلس التي وصلت الى منطقة العمليات ويو إس إس بوكسر المتوقع وصولوها قريبًا) بالتمهيد للقواعد المتقدمة الاستكشافية (EABs) في مناطق قريبة من مسرح العمليات، بينما كانت إيران قد صممت خطة للتعامل مع هذا السيناريو ونشرت وعززت قدراتها الصاروخية الساحلية. ومع اندلاع الصراع، قامت إيران بتقييد حركة المرور في المضيق والسيطرة على حركة المرور فيه، واستهداف القواعد الأميركية الأمامية، بينما ستحاول الولايات المتحدة تفعيل العمليات القاعدية الاستكشافية المتقدمة في منطقة هرمز لتنفيذ ضربات دقيقة وتوسيع نطاق الاستشعار والنيران مع وصول سفينتي يو إس إس طرابلس، ويو إس إس بوكسر مع القطع المرافقة لهما في المرحلة المقبلة. وهنا يتبلور الصراع على المبادرة حيث تسعى الولايات المتحدة إلى تحقيق “تركيز عمودي” للنيران عبر دمج القدرات الجوية والبحرية والبرية البعيدة والقريبة، بينما تعتمد إيران على تكتيكات الإغراق لإرباك الدفاعات واستنزافها. هذا التفاعل يعكس انتقالًا من المواجهة التقليدية إلى صراع شبكي متعدد المجالات.
من حيث نقاط القوة والضعف، تتمتع الولايات المتحدة بتفوق في التكامل العملياتي والتكنولوجيا، لكنها تعاني من اعتماد كبير على بنية شبكية معقدة قد تكون عرضة للتدمير وللحرب الإلكترونية والهجمات السيبرانية. في المقابل، تستفيد إيران من مرونة تكتيكية وكلفة منخفضة، مع اعتمادها على دعم من الحلفاء خارج بيئتها الجغرافية المباشرة في حال توسعت الحرب واستدامت. بناءً على ذلك، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية: الأول هو استمرار الردع المتبادل، وهو ما يظهر الى الآن، الثاني يتمثل في حرب محدودة ذات نطاق جغرافي وزمني مقيد، أما الثالث فهو تصعيد شامل يتضمن استهداف مراكز الثقل الحيوية، وهو السيناريو الأكثر خطورة.
تشير هذه القراءة إلى أن مفهوم EABO لا يمثل مجرد تطوير تكتيكي، بل تحولًا بنيويًا نحو “الانتشار الشبكي” بدل “التركيز البحري”، في حين تعكس استراتيجية A2/AD الإيرانية نموذج استنزاف طويل الأمد قائم على تعطيل حرية الحركة وضرب القواعد والقدرات الأميركية في المنطقة. إن الجمع بين نظريتي (الحلقات الخمس) لجون واردن والمنبع يوفر إطارًا تحليليًا متكاملًا يسمح بفهم أعمق لطبيعة الصراع، حيث لا يكفي تدمير القوات، بل يجب استهداف الأنظمة التي تدعمها وتنتجها عبر عقيدة (منع اسقاط القوة). وعليه، فإن الحسم في أي صراع بحري مستقبلي في الخليج لن يعتمد فقط على التفوق الكمي والنوعي، بل القدرة لأي طرف على تحديد مراكز الثقل بدقة، واستهداف المنابع البنيوية للقوة، وتحقيق توازن ديناميكي بين الانتشار العملياتي والقدرة النارية.
الخلاصة
تشير قراءة النموذج الإيراني والأميركي عبر دمج نظرية الحلقات الخمس لجون واردن ونموذج المنبع إلى أن ما يُرى على سطح الصراع (منصات الصواريخ، القواعد الأمامية، أو حتى تشكيلات EABO ) لا يمثل في الواقع مركز الثقل الحقيقي لأي من الطرفين، بل هو مجرد مخرجات تشغيلية لنظم أعمق وأكثر تجذرًا.
في الحالة الإيرانية، يظهر أن الحلقة الثالثة في نموذج واردن (البنية التحتية الهجومية مثل الصواريخ الساحلية، الألغام، والقواعد المتقدمة) ليست مصدر القوة بحد ذاتها، بل نتيجة مباشرة لـ”منابع” تتمثل في شبكة قوة لامركزية، واستثمار الجغرافيا البحرية الضيقة كرافعة عملياتية، وبنية تنظيمية مرنة داخل الحرس الثوري، إضافة إلى بساطة الأنظمة القتالية بما يسمح بسهولة الإخفاء والتعويض. وعليه، فإن تدمير المنصات لا يؤدي إلى انهيار القدرة القتالية، لأن “المنبع الإنتاجي” للقوة لا يزال فعالًا وقادرًا على إعادة توليد نفس القدرات بسرعة. كما تمتد الحلقة الثانية القيادة والسيطرة والاقتصاد) لتكشف عن اقتصاد ظل مرن، وشبكات اتصالات بديلة، وقدرة على التكيّف ما يجعل النظام الإيراني عالي “المقاومة البنيوية” وفق منطق المنبع. وبالتالي، فإن مركز الثقل الحقيقي لا يكمن في منظومة A2/AD نفسها، بل في القدرة على إعادة إنتاجها وتجديدها بشكل مستمر .
في المقابل، تكشف قراءة EABO الأميركية عبر الإطار نفسه أن الحلقة الثالثة (القواعد المتقدمة، نقاط الإمداد، والانتشار الأمامي) التي تعتمد بدورها على منظومة المنبع أكثر تعقيدًا لكنها أكثر هشاشة، تشمل شبكة القيادة والسيطرة، اللوجستيات الممتدة لإعادة التذخير والوقود، والتفوق المعلوماتي القائم على (الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع) الفضائية والشبكية، إضافة إلى الدعم السياسي والتحالفات الإقليمية. أما الحلقة الثانية فتتمثل في شبكة تكامل رقمية وعسكرية واسعة تعتمد على الأقمار الصناعية، والاتصالات المترابطة، وتكامل متعدد المجالات بين القوات. غير أن هذا التفوق نفسه يولّد نقطة ضعف بنيوية تتمثل في تركّز الشبكات وتعقيدها، ما يجعلها عرضة للتشويش أو التدمير او التعطيل الجزئي.
بناءً على ذلك، يتضح أن مركز الثقل الأميركي الحقيقي لا يتمثل في القواعد أو الانتشار الأمامي، بل في “التكامل الشبكي المستمر” (Networked Integration) والقدرة على الحفاظ على استمرارية اللوجستيات تحت الضغط. وفي المقابل، يتمثل مركز الثقل الإيراني في “القدرة التوليدية المتجددة” لمنظومة A2/AD عبر بيئة لامركزية مرنة وقابلة لإعادة الإنتاج. وعليه، فإن المواجهة بين الطرفين ليست مواجهة منصات أو قواعد، بل مواجهة بين نظام شبكي عالي التعقيد مقابل نظام لامركزي عالي القدرة على إعادة التكيف والتجدد.
المراجع:
• Warden, John A. (1995). The Air Campaign: Planning for Combat. National Defense University Press.
• Mikesh, Paul. (2018). Upstream Warfare: Targeting the Sources of Enemy Power. Air University Press.
• Department of the Navy. (2020). Expeditionary Advanced Base Operations (EABO) Handbook.
• US Marine Corps. (2020). Force Design 2030.
• Tangredi, Sam J. (2013). Anti-Access Warfare: Countering A2/AD Strategies. Naval Institute Press.
• Cordesman, Anthony H. (2019). Iran’s Military Forces and Warfighting Capabilities. CSIS.
• Friedman, Norman. (2019). Network-Centric Warfare. Naval Institute Press.
• Office of Naval Intelligence. (2021). Iranian Naval Forces: A Tale of Two Navies.
• Joint Chiefs of Staff. (2017). Joint Publication 3-0: Joint Operations.
النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع

التعليقات مغلقة.