السلب الغربي للعلوم والثقافات والاستلاب الثقافي العربي والإسلامي
(مقال للقراءة… لم يُكتب ترفًا)
لم يكن الاهتمام الكبير بالأمانة العلمية عند الغربيين، في معظم الأحيان، إلا من الزاوية الاقتصادية، بهدف تعظيم أرباحهم وتعزيز ذواتهم في معركتي الاقتصاد والهيمنة الثقافية والفكرية. والأمانة العلمية، كغيرها من مفردات السياسة والإدارة والاجتماع وسواها، طالتها الازدواجية.
فالمتتبع لمناهجنا الدراسية يُدرك أنّ الرسالة الأساسية التي أراد الغرب أن تستوطن عقولنا الباطنة تتمحور حول فكرة رئيسة مفادها أنّ التحول النوعي والاستثنائي المفيد قد حققه الغرب وحده في ما يُسمّى بعصر النهضة، وعلى صعيد مختلف العلوم التجريبية والإنسانية، إلى درجة الاكتفاء المجتمعي في مواجهة مشكلاته وتطوره ومآلاته، وحتى في رؤيته الغيبية، وكأنّ هذه التجربة كانت منفصلة عمّا سبقها من تجارب، وأنّ ما فعله السابقون لم يتجاوز، في أحسن الأحوال، قدح الشرارة الأولى، بكل سلبياتهم وأخطائهم.
نحن نعترف أنّ هناك تطورًا في العلوم التجريبية الطبيعية، وأنّ هذا التطور لا ينفكّ عن السياق التراكمي عبر التاريخ، منذ أن اخترع الإنسان أول أداة للصيد وصولًا إلى عصر الذكاء الاصطناعي، الذي أخشى أن تتحقق على يديه نهاية البشرية، أو على الأقل اضطراب وضعها وصولًا إلى فوضى عارمة. وما نظام «ميثوس» للذكاء الاصطناعي إلا مثال صارخ يثير مخاوف جمّة لدى الخبراء والمسؤولين.
لكن، هل يعكس التطور في هذه الفروع تطورًا حتميًا في العلوم الاجتماعية والفكرية والفلسفية، التي تشكل أطرًا لتنظيم الحياة، انطلاقًا من القدرة على التفكير والتعقل وصولًا إلى تبني رؤية كونية تحدد السيرورة والصيرورة في الدنيا وما بعد الموت؟
بالطبع لا، وهذا جواب منطقي. بل أكثر من ذلك، فإنّ التطور المادي ترافق، بالشكل العام والكلي، مع اتجاه عكسي في العلوم الإنسانية، ولو أنّ الغرب طوّر أفكارًا تخدم الفلسفة التي بنى عليها رؤيته الكونية، وهي، على أي حال، رؤية مادية بتعدد أبعادها.
لقد سلب الغرب ثقافتنا وتراثنا، وتعاطى معهما بشكل انتقائي، والأمثلة على ذلك كثيرة، كما أنّ الأمثلة على الاستلاب الثقافي الذي تعيشه المجتمعات العربية والإسلامية تجاه ما حرّفه الغرب، سواء أكان ذلك عبر الاستفادة أو الابتكار، كثيرة أيضًا.
وقد أدى هذا الواقع، إلى جانب عوامل أخرى، إلى الهزيمة التاريخية للعرب والمسلمين، والتي تجلت في فقدان الهوية والانتماء، وضياع الاتجاهات، واحتدام الصراعات البينية والعبثية، ضمن مشهد سريالي يمعن في الهبوط نحو قاع لا نعرف لحظة الارتطام فيه، وكأنّه يتوسع نزولًا باتجاه واحد.
وما كل هذه التضحيات التي تقدمها فئة قليلة في مواجهة المنظومة الغربية المتغولة أصلًا، والتي تزداد تغولًا مع تراجع الموارد وازدياد المنافسين عليها، إلا محاولة لانتشال الجميع من السقوط الحر المتسارع.
ومن باب الحرص على مجتمعنا، وأنا أحبه بكل ما فيه من مشكلات وأزمات وعثرات وجمال، استوقفني موضوع شديد الأهمية. ولأنني أدرس التراث الإسلامي، ولو بشكل متواضع، كما أدرس العلوم الغربية، بحكم عملي مدربًا ومستشارًا في التنمية الإدارية والسياسية، فقد سرّني أن أنقل إليكم المثال الآتي، وهو دالّ على بعض السلب، والكثير من الاستلاب.
يُطرح هذا الموضوع في دورات مهارات التواصل، تحت عنوان الشروط الثلاثة للتواصل الفعّال والعميق، ويمكن اعتبارها من المبادئ الأساسية:
شرط التقييد (Condition of Restriction):
ألّا يتحدث الفرد بكل ما يمتلكه من معلومات ومعارف، وألّا يبوح بكل ما لديه من معطيات.
شرط الأهلية (Condition of Eligibility):
أن يتأكد الفرد من أنّ المستمعين مؤهلون لتلقي هذه المعارف، والتأكد من قدرتهم على الفهم، أو الثقة بهم، أو علاقتهم بما سيُقال وضرورة معرفته، أو انتفاء هذه العلاقة وعدم الحاجة إلى المعرفة.
شرط التوقيت (Condition of Timing):
التأكد من أنّ الوقت ملائم للكلام.
وهذه الشروط تُستقى عادة من كتابات فلاسفة غربيين، مثل إيمانويل كانط، ومن علماء وخبراء في التنمية والتطوير مثل ديل كارنيجي، وللأمانة، فإنّها تثير إعجاب كل مدرب في هذا المجال.
لكنّ كل هذا الإعجاب انهار منذ عدة أيام، عندما قرأت حديثًا قاله علي بن أبي طالب قبل ما يقارب 1400 عام، يلخص هذه الشروط بجملة بليغة وساحرة: «ليس كل ما يُعرف يُقال، وليس كل ما يُقال حضر أهله، وليس كل ما حضر أهله حان وقته، وليس كل ما حان وقته صحّ قوله».
بعد هذا الكلام… هل من كلام؟
التعليقات مغلقة.