كيف أسقطت إيران ستارلينك؟
نفذت إيران ما اعتبره كثيرون مستحيلًا. ففي عملية منسقة وسريعة، اختفى أكثر من 50 ألف جهاز اتصال تابع لخدمة الإنترنت الفضائي ستارلينك خلال ساعات قليلة، لتتوقف شبكة كان يُنظر إليها على أنها غير قابلة للتعطيل. لم يكن ما حدث خللًا تقنيًا، بل عملية أمنية واستخباراتية معقدة ستترك أثرًا طويل الأمد على طبيعة الحروب الحديثة.
هذه العملية لم تكن وليدة اللحظة. فعلى مدى أكثر من عامين، دخلت أجهزة ستارلينك إلى إيران عبر شبكات تهريب سرية، واستخدمها ناشطون ومحتجون لتجاوز الرقابة الحكومية، وتنسيق التحركات، ونقل المعلومات إلى الخارج. وبدا أن كوكبة الأقمار الصناعية التابعة لإيلون ماسك، التي تدور على ارتفاع نحو 400 كيلومتر فوق الأرض، تمنح مستخدميها حصانة من أدوات المنع التقليدية مثل قطع الإنترنت أو تعطيل أبراج الاتصالات.
لكن الاستخبارات الإيرانية كانت تراقب بهدوء. وبدلًا من محاولة تعطيل الأقمار الصناعية نفسها، ركّزت على نقطة الضعف الحقيقية “الأجهزة الموجودة على الأرض”. فكل جهاز ستارلينك يصدر بصمة تردد راديوي فريدة عند اتصاله بالأقمار الصناعية. وباستخدام معدات متطورة لتحديد الاتجاه، طوّر مهندسون إيرانيون أنظمة قادرة على رصد هذه الإشارات بدقة عالية.
على مدى زمني معين، جرى مسح المدن الإيرانية الكبرى، من طهران وأصفهان إلى شيراز وتبريز ومشهد، ومع كل مرة يُشغَّل فيها جهاز ستارلينك، كانت إحداثياته تُسجل وتُربط بعناوين ومستخدمين، لتُبنى قاعدة بيانات تضم آلاف مواقع البث، وعند إعطاء الأمر انطلقت العملية: مداهمات متزامنة في جميع المدن الكبرى، نفذتها مئات الفرق الأمنية في وقت واحد.
في أقل من أربع ساعات، تمت مصادرة الأجهزة، واعتقال الآلاف من الإرهابيين، وتفكيك شبكة استغرق بناؤها سنوات. لكن الأخطر لم يكن المصادرة وحدها، بل ما تلاها. إذ كشفت وثائق لاحقة أن وحدات سيبرانية إيرانية كانت قد قامت بهندسة عكسية لأجهزة ستارلينك، ودرست برمجياتها وبروتوكولات التشفير الخاصة بها. وخلال المداهمات، لم تُصادر بعض الأجهزة، بل زُرعت فيها برمجيات خبيثة، وحُولت إلى أدوات مراقبة تنقل البيانات وقوائم الاتصال وسجلات التواصل إلى أجهزة الاستخبارات.
بذلك، تحولت العملية إلى ضربة مزدوجة: تفكيك مادي للشبكة، واختراق رقمي لمستخدميها. وقد استمر بعض الناشطين في استخدام أجهزة ظنوا أنها ما زالت آمنة، بينما كانت خاضعة للمراقبة الكاملة.
أثار ما جرى ارتباكًا دوليًا واسعًا. اكتفت شركة «سبيس إكس» بالإقرار بوجود اضطرابات في الخدمة من دون تفاصيل، فيما سارعت أجهزة استخبارات غربية وشركات أقمار صناعية تجارية إلى تقييم مدى هشاشة شبكاتها. فقد أثبتت العملية أن الإنترنت الفضائي ليس محصنًا، وأن امتلاكه مكونات أرضية يجعله عرضة للرصد والاستهداف.
استراتيجيًا، كلفت العملية إيران نحو 70 مليون دولار، شملت تطوير المعدات وتدريب الوحدات وتنفيذ الحملة. في المقابل، جرى تحييد شبكة كلّف بناؤها مئات الملايين. غير أن الكلفة العالية وقعت في الشبكات والخلايا البشرية التي صممت للعمل على الأرض الإيرانية، إذ اعتُقل معظم أفرادها، وهذا ما أدخل الولايات المتحدة في عمى استخباراتي واستراتيجي.
تكشف هذه العملية تحولًا عميقًا في طبيعة الصراع، فالأدوات التي اعتمدت عليها أجهزة الاستخبارات الأمريكية والصهيونية تحولت الى فخ أنهى المشروع التخريبي الذي كان يراد منه إسقاط الجمهورية الإسلامية، وعلى ما يبدو إن نافذة التفوق التكنولوجي التي امتلكتها الولايات المتحدة بدأت تضيق بشكل كبير وتتحول لمفعول عكسي تمامًا.
الخلاصة أن إيران لم تُعطّل أجهزة ستارلينك فحسب، بل أسقطت افتراضًا راسخًا عن التفوق الأمريكي في الحرب السيبرانية، وفي ليلة من ليالي طهران أسقط هذا المفهوم في صمت، ومن دون عناوين عاجلة، لكن بتداعيات ستُدرَّس لسنوات طويلة قادمة.
النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع

التعليقات مغلقة.