الوصول إلى الذروة في نزع صفة الطفولة

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

لا مدارس ولا تعليم في غزة

ولم يعد فيها أطفال

ولن نذهب إلى المدرسة غداً

لا وجود للأطفال في غزة! والله! غزة مقبرة!

المركز الدولي للمعلومات في الشرق الأوسط

الوكالات، 2014

مقدمة

لا تقتصر صيحات الغضب التي يعددها جمهور يميني إسرائيلي هائج على دعوات قتل الأطفال الفلسطينيين وتدمير مدارسهم وتحويل بيوتهم في قطاع غزة إلى مقبرة فحسب، بل تشمل أيضاً تصريحات لمسؤولين كبار في إسرائيل ولصانعي سياستها الذين يتكلمون لغة الرعاع نفسها. لقذ أشارت أيليت شاكيد، وهي مشرّعة إسرائيلية ووزيرة (سابقة) للعدل في الدولة، في تموز/يوليو 2014، في رسالة نشرتها على الإنترنت إلى الأطفال الفلسطينيين “بالثعابين الصغيرة”، وأردفت بأنه “ينبغي أن يختفي كل أثر لهم، بما يشمل منازلهم حيث ترعرت هذه الثعابين، وإلاّ فهذه المنازل سوف تستولد الكثير منهم.” وفي سنة 1967، صرح موشيه دايان، الذي كان يومئذ وزيراً للدفاع، مخاطباً الفلسطينيين في الأراضي المحتلة: “سوف تستمرون في العيش كالكلاب، فليرحل كل من يرغب” (Shalhoub-Kevorkian, 2019، ص 101-102).

لقد افتتحت الفقرة أعلاه كتابي عن نزع الطفولة، وخصوصاً الفصل المتعلق بقطاع غزة، وذلك كي أفسر جرائم الدولة ضد الأطفال. لقد موضعت هذه الجرائم الفلسطينيين الأطفال في خانات تحليلية تحتم عليهم “العيش كالكلاب” وتصفهم “كثعابين صغيرة”، تتحكم في استهلاكهم السعرات الحرارية في الغذاء وتدفعهم إلى الموت جوعاً. إن تشبيه الفلسطينيين بالحيوانات، سواء أكانوا أطفالاً أم راشدين، وتحويل حيز الحياة عندهم إلى حيز إماتة، كانت وما زالت، استراتيجيات تقود وتسيّر سياسات الدولة الاستيطانية-الاستعمارية. السطوة على حياة الطفل الفلسطيني وتحويله عبر سياسات “اللاطفلنة” إلى رأس مال اجتماعي-سياسي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بعنف المستعمِر بشقيه المادي والمعنوي باختلاف المضمون والأداء وكسلاح فتاك. يُستخدَم ويستغَلّ سلاح “اللاطفلنة” من جانب المشروع الصهيوني وسياساتهِ وآلياتهِ العسكرية لإيذاء الفلسطينيين في كيانات اجتماعية-سياسية حميمية وغالية، ألا وهي أطفالهم. ولفهم سياسات نزع الطفولة أو “اللاطفلنة” يجدر التذكير بالمبدأ الناظم للمشروع الاستيطاني الكولونيالي، من خلال منظومتهِ المزدوجة والمتزامنة؛ أي “الهدم والبناء”. فالهدم والمحو يتم ضد الفلسطيني، بينما يتم استلاب الأرض والبناء لمصلحة الهوية المتخيّلة للمستوطن، الهوية التي أنشأها لذاته ولمجموعته. تشدد سيرورة محو الذوات الأصلانيّة في مقابل إنشاء ذات المستوطن اليهودي المتخيَّلة، اعتماداً على تحليلات نقدية سابقة، على الامتيازات العنصرية التي تعطيها الدولة الصهيونية لليهودي، من حيث مركَزة جميع منظوماتها لموضعته في مكانة متفوقة (Rouhana, 2017)، ومن أجل تدعيم منظومة محو المشهد الأصلاني وإقصاء أطفاله وأفراده أيديولوجياً، وقانونياً، ومادياً من خلال صياغتهم عبر صور عرقية/ إثنية “متدنية” و”غير متحضرة” تحفّز مخيلة المستوطن ودولته، وتشجع الاقتلاع (Makdisi, 2010). وتتجذر أيديولوجيات الاستحواذ الاستيطانية-الاستعمارية بواسطة توالي الاقتلاع وتنوعه، وتتطور استراتيجيات محو “قانونية”-وسياسية واقتصادية-اجتماعية وعملية وفق قوانين المستعمر وممارساته.

يقول داريل لي (Li, 2006) إن قطاع غزة يجسد المأزق الذي طالما عانت جرّاءه الصهيونية، ويتجسد هذا المأزق في “طريقة التعامل مع مجموعات كثيفة من السكان الفلسطينيين. فهم من جهة لا ينبغي أن يُمنحوا المساواة لكن لا يمكن اقتلاعهم أو إبادتهم عن بكرة أبيهم” (2006، ص 38). حددت هذه السياسات العنصرية (Salamanka, 2011) ، المستندة إلى إبادة شعب بأسره، موقفها من أطفال فلسطين بأنهم خُلقوا كي يُقتلوا ويموتوا، وقد أضحت هذه الأيديولوجيا العنصرية (سياسات الإماتة واقتصادياتها الواضحة تماماً في هذه الأيام) مقبولة عند القوى المهيمنة الصهيونية وكل من يؤمن بمنطقها، وهذا ليس فقط عبر الهجوم على غزة وحياتها اليومية، وعلى مدارس أطفالها، ومنازلهم، وارتكاب جرائم الإبادة بحقها، بل أيضاً عبر الهجوم على المستشفيات لقتل حديثي الولادة ومن على حافّة الخروج من أرحام أمهاتهم لهذا العالم، من دون تردد أو تلعثُم، كما جاء في بيان صدر في 1 تشرين الثاني/نوفمبر 2023 عن مئة طبيب يساندون “حقوق جيش الدفاع الإسرائيلي”، إذ أكدوا أن “الهجوم على مقرات الإرهابيين الموجودة داخل المستشفيات هو هجوم محق، بل هو واجب بالنسبة إلى الجيش الإسرائيلي.” وقد أضحت هذه الأيديولوجيا العنصرية التي يدعمها سياسيون، وأكاديميون، وأفراد ومهنيون – بعضهم خبراء في العلوم الطبية وأساتذة جامعات- بمثابة علم تطبيقي يجيز الإبادة -المتلفزة منها أيضاً- في السياق الاستيطاني الاستعماري، والسياق العالمي، يجيز ويشرّع ويدعم اقتلاع الحياة من الناس، وتحوير عالم أطفال فلسطين من عالم البراءة واللعب والترعرع إلى عالم إماتة وتشويه يتكلم لغة الدم والموت، لتمارس الدولة قتلهم على مرأى ومسمع من العالم بأسره ودون أي رادع.

تخيم حرب الإبادة الحالية/الجارية، مع ما يواكبها من صدمات نفسية على الأطفال ومجتمعهم ومساحاتهم وحيزهم وأجسادهم، ومن عنف لا متناهٍ في الحقل السياسي، على جميع نواحي حياة الأطفال الفلسطينيين، سواء أكانت جسدية أم اجتماعية أم نفسية وذهنيّة أيضاً. فالأطفال في غزة هم بمثابة شهود عيان على نظام فكري يحول أجساد الأطفال إلى حلبة عقاب جماعية، ويحول أجسادهم وحياتهم إلى مختبرات لتجربة الأسلحة الفتاكة المحرمة دولياً. وعلى امتداد القطاع، فإن كلماتهم ومشاهدهم وشهاداتهم تحتم علينا إعادة النظر في هذا الامتناع الدولي، الراهن والتاريخي، من اتخاذ أي خطوة تجاه حياة هؤلاء الأطفال الذين تعرضوا لعنف عنصري، وتم وسمهم بالحيوانات التي يمكن قتلها وإبادتها من دون أي محاسبة أو عواقب، على يد دولة أدت أفعالها إلى مقتل ما يزيد على أربعة آلاف طفل في شهر واحد. إنه لواقع يتماشى تماماً مع ما قاله الرعاع: “لن تبقى في غزة مدرسة واحدة، إذ لا ينبغي وجود أي أطفال في غزة بعد الآن”، لكن أطفال فلسطين من خلال لغتهم الصادقة والطفولية أكدوا على خياراتهم وتبنيهم لغة الحياة بدلاً من لغة الدم والإماتة، فنراهم وعلى الرغم من كل ما شهدوه ما زالوا يبحثون عن ألعابهم وعن تفاصيلهم الطفولية بين الأنقاض، وما زالوا يصرون أن ينتشل أحد والديهم ما تبقى من آثار الطفولة السابقة بين الأنقاض لتكون امتداداً من طفولة مسلوبة إلى مستقبل ما زالوا يعلّقون الآمال عليه.

نزع صفة الطفولة: قراءات نظرية وشهادات من غزة، 2023

يكشف التفحص النقدي (, Shalhoub-Kevorkian2019) لمشاريع الاستيطان الكولونيالي لتحليل منظومة نزع الطفولة، عن أساليب وأيديولوجيات تبرير المحو التي تتوسط وتتأرجح بين أيديولوجيتين على قطبين؛ فمن جانب، نجد سرداً “حضارياً/استشراقياً” يدعم إحدى تلك الأيديولوجيات التي تبرر السعي [المزعوم] لـ”إنقاذ” أطفال الشعب الأصلاني بالتزامن مع محو هويتهم الأصلانية (كما برز في أستراليا، وكندا، وغيرهما). وبموجب هذه الأيديولوجيا، فإن الأطفال وعائلاتهم، كما يفترض المستعمر، هم ضحايا ثقافة غير حضارية، ودونية، فينبغي وفق الافتراض أن يجري “إنقاذ” هؤلاء الأطفال ودمجهم في الاقتصاد السياسي للدولة الاستيطانية، وأن يعاد تثقيفهم وتكوينهم كي يتخلوا عن تخلفهم ( Moses2004، Razack ,2015). وفي الجانب المقابل، والذي يبدو كأنه نقيض الطرف الأول، هناك أيديولوجيا أُخرى تستخدم خطاباً يشيطن الأطفال، وينزع الإنسانية عنهم، ويعاملهم كمشكلة أمنية وجودية وديموغرافية، معتبراً إياهم “إرهابيين بالفطرة”.

بالاستناد إلى الادعاء بأن عملية لا-طفلنة الأطفال تكشف عنف الأيديولوجيات المسيرة للدولة الكولونيالية وعنصريتها السياسية، فإن حجتي هي بأنها تؤطر الأطفال الفلسطينيين القابعين تحت منظومة الاحتلال والعسكرة والاقتلاع اللامتناهي كأفراد خطرين وغير مرغوب فيهم، وبأنهم حيوانات مهددين للدولة بشكل دائم، حتى لو كانوا أطفالاً رضعاً أو حديثي الولادة أو حتى كأجنة في طريقهم إلى النور، أو بالأحرى إلى الظلام. تسمح هذه الايديولوجيا للدولة بأن تدير حياتهم بما يتيح نبذهم ونزع صفة الطفولة عنهم بالكامل، وبالتالي، لا-طفلنتهم. وهذا النزع يتلاءم ويتماشى مع ذلك المنطق النكرو-سياسي الساجن المسيطر والماحي لطفولة الأصلاني. إذ إنه رسم الحاضر والماضي والمستقبل، وحدد من يجب أن يُذكر ويولد ويعيش، ومن عليه أن يشوه (Puar,2017 ) أو يُترك ليموت (إمّا في الواقع وإمّا رمزياً). كلها أمور بمثابة ديناميات واستراتيجيات هيمنة ومحافظة على الدولة، التي تحفر على أجساد وأرواح الأطفال من الأحياء والمشوهين والأموات. إذ إن هؤلاء الأطفال اللا-مطفلنين هم أشخاص غير شرعيين، لكن كونهم وُلدوا للموت، بمساراته السريعة أو البطيئة، يُباح استخدامهم من جانب الدولة كرأس مال سياسي لتؤكد تفردها واستعلاءها. ومن شأن هذا النزع أيضاً أن يؤكد أهمية تداعيات العنف العنصري والكولونيالي على حياة الأطفال، بحيث أنه يتقلب بين سياقات متعددة (السياقين المحلي والعالمي)، وبين فضاءات متنوعة (منها التعليم والصحة والاقتصاد والنفس).

علاوة على ذلك، ينتهك هذا النزع أرحام النساء، والعائلات، والصداقات، والبيوت، والمدارس، والمستشفيات. كما أنه يمكّن من استخدام أساليب معقدة من العنف ضد الأطفال بما في ذلك الزج في السجون، والأذية الجسدية، والحرمان والصدمة النفسية، والقتل، والاحتلال السياسي والعسكري. ويخترق هذا النزع زمانهم في الطريق إلى المدرسة وعند اللعب وفي أوقات نومهم، بل ينفذ إلى، ويحتل حواسهم ومخالجهم. في المقابل، نستطيع أن نرصد طاقات الحياة والمقاومة عند الأطفال الفلسطينيين وقدرتهم على اعتراض العنف الكولونيالي واستعادة طفولتهم وحيزهم وطاقاتهم ومستقبلهم كأطفال.

إن رسم خريطة للسياسات الرامية إلى نزع الطفولة وتحليلها تبرز مخططات تفصيلية لمنطق المحو الكولونيالي الذي من شأنه أن يستولي على الولادة والطفولة والحياة والموت وما بعد الموت. وهذه العقلية النيكرو-سياسية، من خلال آليات القتل المتعددة، تفرض اقتلاعاً من نوع آخر، ليس فقط للفلسطيني من أرضه، بل أيضاً لأطفاله من طفولتهم. وتولد هذه العقلية (أو تحاول إنتاج) طفولة تلغى في لحظة ولادتها، إذ تمارَس عليها سياسات خنق ومحو لامتناهية والتي لا تصم الأطفال كـ “لا أطفال” فقط، بل تحدد وتؤثر وتعيق مساراتهم وتسجنهم وتشوههم وتقتلهم وتستمر حتى بعد مماتهم بتشويههم وبإلغاء إنسانيتهم، وطفولتهم. إن التعامل مع “الطفل الكولونيالي” وتفكيك أساليب التخلص منه، في هكذا أوضاع/ سياق، يكشف المزايا العنصرية والاستلابية للدولة الاستيطانية، فتلك الدولة لا “تقتل الطفل”، وإنما بحسب زعمها، تقتل “إرهابياً/حيواناً/خطراً أمنياً” من شأنه أن يهدد كيان الدولة. وتنبع الحاجة إلى استخدام العنف ضد الطفل الكولونيالي، عن طريق الاعتقال والتشويه والخنق والسيطرة والشل ونزع الطفولة، لمنعه من النمو والنضوج والوصول إلى سن الرشد، وتشييد المستقبل الحي للفلسطيني. ويرتكز هذا العنف الاستعماري على الطفولة على قضيتين أساسيتين تسيّران المنطق الاستيطاني الاستعماري؛ ترتكز القضية الأولى على ادعاءات توراتية وتأويلات دينية تشير إلى حق الدولة اليهودية فقط في السيطرة على الأرض، والحاجة إلى التخلص من اللا-يهودي أياً يكن (انظر كتاب “عندما تقدس السياسة” لنديم روحانا وشلهوب-كيفوركيان، 2019). وتعتمد القضية الثانية على اعتبار الطفل ومجموعته الاجتماعية-السياسية “خطراً أمنياً” لسيادة الدولة اليهودية وحكمها، الأمر الذي يفسر منطق الإبادة بادعاءات “قانونية” و”أمنية”. بناء على ذلك، فإن وسم الأطفال الفلسطينيين على نطاق واسع بأنهم إرهابيون خطرون هو الأساس الذي يُبنى عليه نزع الطفولة. وعند مواكبة ما تقوم به الدولة من جرائم مروعة، فإن هذا النزع يعيننا في فهم إرهاب الدولة بصورة أفضل، وبالتالي يساعدنا على إدراك العنف بصورة أصح، كعنف متعاظم ومتأصل في الدولة ضد طبيعة الطفل الذي يحمل الأمل، ويرسم الحب على وجوه أحبائه، ويقاوم العنف والاستلاب، ويبني الحياة، ويؤكد المستقبل الفلسطيني. من هنا، فإن اعتبار الأطفال بمثابة مرجع معرفي يُمكننا من إعادة النظر في النظريات السياسية، وخصوصاً التي تخوض في عنف الاستعمار، والتي تشكل مقاربة تحليلية بإمكانها أن تقودنا عبر تلك الثنائية النفسية/الإجرامية بين المحتل الكولونيالي ومن يرزح تحت الاحتلال، وتلقي الضوء على المحتل والأساليب التي يجري فيها نزع الطفولة سياسياً وبلاغياً في مجتمع المحتل الكولونيالي.

إن نزع الطفولة عن هؤلاء الأطفال يشير إلى أنه تم تصنيفهم كلا-انسان في الوجود ذاته، وبالتالي، فإن تشويههم وقتلهم أمر ينبغي ألاّ يسبب أزمة أخلاقية عند ذوي التأثير على مستوى العالم، ناهيك بالدولة الكولونيالية ذاتها. ويشير هذا النزع إلى أن أجساد الأطفال، وكيانهم الحياتي، ومساكنهم هي دوماً، وإلى الأبد، وفي السرديات، كائنات طفولية تقع على أطراف العدالة (Da Silva, 2009). وعمليات النزع، كالتشويه والجرح والقتل والإبادة، يتم تفسيرها كـ”أمر لم يحدث قط.” وحين يطال هذا العنف الأطفال يوماً بعد يوم في ذلك المنعطف الجغرافي، والذي يُسمى فلسطين، يجرى تصنيف الأطفال على أنهم لا يستحقون الوجود مطلقاً، أو حتى الاكتراث لهم . وحين يصبح هذا النزع ممكناً، وإقامته كأحد أشكال انعدام الوجود لهؤلاء الأفراد، فإنه يتمدد، هو وما يواكبه من اندفاع سياسي، إلى خارج حدود القانون الجيوسياسي. وهكذا، فإن نزع الطفولة يستغل الطفولة لتعزيز السيادة الكولونيالية، ويسهل محو طفولة وحياتية ومستقبلية السكان الأصليين من جانب الطرف الكولونيالي، كما أنه يشحذ همة الماكنة الكولونيالية التي ترمي إلى “الهدم والاستبدال” (هدم الفلسطيني كإنسان، وككيان حتى لو كان طفلاً وإلغاؤه، واستبداله باليهودي “المختار”)، كما يصفها Wolfe (2006). وهذا النزع، بصفته أيديولوجيا، يجيز ويمكّن النكروبوليتيك، ويعبر خلال الحدود الجيوسياسية ليصل إلى الحدود الأخلاقية في كل أمة من الأمم، وذلك لكونه يبرر حق الدولة الكولونيالية في القتل والإبادة بينما تصرح أن “لا وجود للأطفال هناك (في غزة)”، حتى لو وُجدوا، فلا قيمة لطفولتهم وحقوقها ولا لكيانهم كأطفال بحاجة إلى أوكسجين عند ولادتهم، أو حتى كجثث يجب إنتشالها من تحت الأنقاض.

وتميط أيدلوجيا النزع المجردة اللثام عن مستويات متعددة من عنف وجراىم الدولة، بما في ذلك تثبيت العنف المؤسس للاستيطان الاستعماري منذ لحظة الاقتلاع في بداية هذا القرن، وهو يثبّت -وخصوصاً بما يتلقاه من دعم عالمي لسردياته التوراتية والأمنية- سلطات الدولة وحقها في معاقبة ملايين الأصلانيين وسجنهم ونزع حقوقهم في الحياة، وفي الموت الإنساني حتى. إن الفحص والتحليل لحياة الأطفال ومعاناتهم، بصفتهم أداة وأسرى للعنف الكولونيالي، يستدعي فحص الأوجه السياسية والأخلاقية ذات الصلة، كما يستدعي تحليل هذه اللحظات والأوقات الدائمة التي تجري فيها العمليات المتفاوتة للاطفلنة والإبادة ونهب الحياة (كما في غزة اليوم). وعبر إلغاء صفة الطفولة، فإن حجتي هي أن الأطفال الذين يعيشون في المجتمع الكولونيالي هم بمثابة رأس مال سياسي في أيدي الدولة، إذ يعيشون على الدوام في حالة قابلة للاختراق، وتحت التصرف التام لمنظومات عسكرية أمنية ولاهوتية تستخدم العنف بتفاوت خلال المراحل المتفاوتة في عملية نزع الطفولة. وتعمل المنظومات التي تسيطر على الطفولة، عبر أجهزة متعددة قانونية وسياسية-اجتماعية بحسب المكان الجغرافي الذي يوجدون فيه، كالأطفال في غزة وفي الضفة الغربية وفي القدس المحتلة أو في الداخل الفلسطيني. إن تنظير منظومة السيطرة الكولونيالية على الأطفال والطفولة وفهمها يفتح المجال أمام مساحات واسعة وجديدة لفهم الطفولة من منظور نقدي يفكك سرديات القوى ودينامياتها، لنتمكن من زعزعة مسوغات سلطان الظلم.

إن طرح النظريات بشأن الطفولة المستَغَلة -وتحديها اللامتناهي ومقاومتها- في قتالها الفلسطيني، ومن جانب باحثين وطنيين ونقديين، من شأنه أن يتخطى نظريات الطفولة الآتية من الغرب، وأن يتخطى في بعض النواحي أولئك الذين يسعون لنزع الصفة الكولونيالية من دراسات الطفولة. يوفر لنا هذا التنظير الموطن تحليلاً للطفولة تحت الحكم الكولونيالي أخذاً بعين الاعتبار السياق والإجحاف التاريخي-السياسي والاجتماعي والثقافي. لذا، فإن الشروع في الحديث عن الأهوال التي قاساها الأطفال خلال نكبة 1948 يسعى لإضفاء البعد التاريخي على تنظيرنا الراهن للطفولة الفلسطينية بصفتها رأس مال سياسياً في أيدي الدولة الكولونيالية لتقتلع حياتهم، وتؤكد كونهم “تهديداً ديموغرافياً أمنياً وجودياً” للدولة التي بنت كيانها من خلال محوهم، وبواسطة منطق المحو المسير. يستند هذا التنظير إلى سياق محدد يسمح لنا برسم خريطة تشمل جميع أنواع الخطابات الداعمة لمنطق الاستلاب والمحو الكولونيالي، ويؤكد أن تعددية هذه الخطابات، من الخطاب التوراتي، إلى “إنقاذي” ثقافوي استشراقي، لغاية الأمني الديموغرافي، والجغرافي والنكرو-سياسي تمثل، بصورة أساسية، في المعلم العام لنزع الطفولة. وهكذا يتم تشخيص نزع الطفولة وجعله ممكناً كأمر حتمي داخل بنية الدولة وفي مخيلتها واستناداً إلى منطق الإبادة، وكثيراً ما تجري كل هذه الأمور في زمن واحد، أو في طرق عديدة وفق الأوضاع والسياق واللحظة الإجرامية المعينة للدولة الاستيطانية.

حين نعاين أطفال غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2023، وما يواكبونه من عمليات تعجيلية لعجلة نزع الطفولة، ومن إدمائها، وتشويهها، وقتلها وما بعد قتلها (يمكننا توسيع التنظير بشأن موضوع مراكمة القتل ما بعد القتل لاحقاً) من جانب الدولة الاستيطانية وحلفائها، نجد أن هذه العملية المستمرة هي التي تمكّن النظام النكرو-سياسي من التصاعد محلياً وعالمياً. إذ إن القوة النازعة تتكلم حالياً بلغة سفك الدماء، وعلى الرغم من أن عملية نزع الطفولة، على امتداد تاريخ فلسطين، تُنجز على مراحل متعددة وطرق متفاوتة، فإن الإبادة العرقية التي تجري الآن في غزة تكشف المرحلة الأخيرة المتسارعة والمباشرة للا-طفلنة، فالقتل ودفن الأحياء تحت ركام المنازل، وترك الأطفال أشلاء صارخة تحت الأنقاض، ومنع سيارات الإسعاف من الوصول، واستهداف المسعفين والصحافيين والأطباء وأطفالهم، ومدارسهم ومستشفياتهم، كلها دليل واضح على أن القوى التي تسعى بلا كلل لنزع الطفولة قد أصبحت بمثابة سياسة تمارَس بصورة بنيوية منتظمة ومُكثّفة ولا-اعتذارية وصريحة. وخلال هذه المرحلة من القتل الجماعي، فإن عقلية استلاب الحياة والعسكرة هي المبدأ السائد والمنظم والذي يجري تسويقه عبر خطابات متعددة، منها “أمن الدولة” و”الدفاع عن النفس” و”الحقوق التوراتية” و”السيادة الوطنية”.

إن المنطق الإبادي والأفعال الراهنة، كما تلك النتائج المتعددة وغير المحسوبة لنظام الحوكمة والقانون الكولونيالي، كلها أمور من شأنها أن تتخطى التحكم بالطفولة لتصل إلى التحكم بأجساد الأطفال ومنازلهم وحياتهم ومستقبلهم، فهي تسفح عقولهم وتبني أسواراً حديدية داخل منظومة القانون عند المستوطن. فالإبادة العرقية النكرو-سياسية المستمرة في غزة، في شكلها الجسدي والعنصري وبصمتها على الأرض، تملك الحق القانوني، وهي التي تحدد مَن الذي يمكن استغلاله والحكم عليه حتى لو كان أشلاء، ومَن الذي يجب نزع الطفولة منه حتى حين يستجدي ليتنفس داخل حاضنات الخدج. ويتم هذا النزع على المستوى الاجتماعي الأوسع عبر تمزيق الحميمية الكامنة في مجال السياسة البيولوجية العميقة وسياسة القتل واقتصادياته المؤلمة. كما يتم أيضاً عبر سياسات دولية ومحلية قوامها الإنكار والصمت والإهمال واللا-تدخل لحماية المتألمين وانعدام الحركة. ويواكب كل هذا قوانين جارحة وغياب القوانين الكامنة في جغرافيا القوة داخل السياق الكولونيالي الاستيطاني الذي لا شغل له سوى الأطفال/المستقبل، حتى لو تُركوا أجساداً ميتة تحت الركام من دون أن تُعرف هويتهم، ناهيك بعدم السماح بدفنهم.

يحاول التنظير بشأن قراءة معاناة الأطفال، وإطلاق النار عليهم، وجعلهم أيتاماً، والعبث بجثثهم المقتولة بأشلائها الملقاة على حافات الشوارع وتحت أنقاض البيوت، والتي تواجه في مماتها وتمزقها إماتات إضافية، إذ تحيكها القوى المستعمرة كأجساد/أشلاء قابلة لزيادة القتل وتكثيف تعنيفها، ان يؤكد طاقات الدولة في تحقيق قدرتها على القتل ما بعد القتل. إن ما نكتشفه من بربرية القتل ما بعد القتل، هي الديناميات التفعيلية لأنظمة العنصرية المتعددة التي تؤطر حياة الطفل الأصلاني كميت، وجسده الميت الفلسطيني كخطر إلى ما لا نهاية، حتى عند تمزيقه كأشلاء مباحة ومعنفة. إن هذه الدائرة من نزع الطفولة المطلقة المتمثلة بالقتل وما بعد القتل، تؤدي إلى جرح ووهن لا نهاية له، وكل هذا يزود الدولة بمخيالات سيادية تأديبية تتغذى من آلام من حتّمت نزع طفولتهم. إن القتل ما بعد القتل يعني أن يُستخدم الأطفال هنا كمرئية للعقاب والتعذيب لتأديب مَن لا يزال حياً لتبرزه سلطة المحتل على المحتلين، أحياء كانوا أو أمواتاً، أو أشلاء. فجسد الطفل الفلسطيني يبرز الإرهاب السياسي للدولة، ويأتي الإرهاب هنا ليتحكم بخوف المحتل من الطفل الأصلاني، وبالتالي الحاجة إلى الاستثمار بقتله، وما بعد قتله. إن ما بعد القتل ليس بقضية سياسية أو أمنية، إنما هو أيديولوجيا ثقافية حتمية تبني نظاماً ومعتقداً معيارياً يصور الأطفال الأصلانيين على أنهم أقل من البشر بطبيعتهم وطباعهم. ما أدعيه أن الأوهام الرهابية للمستعمر تنتج تقنيات جديدة للإفراط في القتل وما بعده.

وما نشهده اليوم في غزة هو نزع كامل لصفة الطفولة كوسيلة من وسائل القتل العنصري، لكن ليس فقط من حيث قتل الأطفال أو تشويههم فعلياً، بل من حيث القضاءعلى إمكانات الطفولة ذاتها، ومستقبل هؤلاء الأطفال أيضاً. وإذا راجعنا نصوص معاهدة “منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها” (CPPCG)، في الفقرة الثانية، نجد ما يلي: (أ) قتل أعضاء في جماعة ما؛ (ب) التسبب بإلحاق أذى جسيم جسدي أو نفسي لأعضاء في جماعة ما؛ (ج) فرض نمط من الحياة وعن سابق تصور وتصميم على أعضاء في جماعة ما من شأنه أن يؤدي إلى إبادتهم كلياً أو جزئياً؛ (د) فرض إجراءات ترمي إلى منع التوالد ضمن مجموعة ما؛ (هـ) ترحيل أطفال المجموعة بالقوة إلى مجموعة أُخرى. وحجتي هي أن إبادة إمكانات الحياة والطفولة هي استراتيجيات رئيسية للاستيطان الكولونيالي، ونزع الطفولة من شأنه أن يصون شرعية السلم الهرمي داخل هذا الاستيطان، لأنه حينئذ، في إمكان الطفل المستوطن أن يتسلط على الطفل الفلسطيني الذي نُزعت منه الطفولة. وحين تلغى صفة الطفولة عن الأطفال في المجتمع الأصلاني فلن يتمكنوا من المحافظة على جسم معافى بلا جروح فيه، ولن يعيشوا أو يملكوا أية حقوق أو حتى أن يكون لهم أب أو أُمّ أو مدرسة أو سقف يظللهم أو بيت يأويهم. وهذا النزع تشمله المواد “أ”، و”ب”، و”ج” من الفقرة الثانية في المعاهدة، وهنا تكمن الانعكاسات القانونية على منظومة الإبادة في الاستيطان الكولونيالي-الإحلالي الإسرائيلي.

في تحليلنا للطفولة ونزعها من خلال اعتبارها رأس مال سياسيً للدولة المستعمِرة، وفي أخذنا أصوات الأطفال وشهاداتهم وانتقاداتهم ومقاوماتهم وملاحظاتهم بشأن السلطة الكولونيالية على محمل الجد، نرى كيف أن أطفال فلسطين لم يتوقفوا للحظة عن رفض منطق الإبادة وأيديولوجيا العذاب ومنظومته التي يتعرضون لها؛ فمنهم من يعيد بناء ملعب له في أوضاع من التهجير ليؤكد حقه في اللعب وعناق قطته ومداعبتها، ومنهم من يحمي إخوته الصغار، فيغني لهم ويعانقهم وهم تحت الأنقاض، ومنهم من يبكي صارخاً رافضاً الألم عند التهجير والإبادة، ومنهم من يصيح صارخاً للعالم “أوقفوا هذه المجازر”، ومنهم من يبحث عن ألعابه وملابسه بين الأنقاض ومنهم من يبتسم لرغيف خبز.

تتخطى ردة فعل الأطفال الفلسطينيين على الاستيطان الكولونيالي العسكري مجرد أنهم هم المستقبل. فديناميات النكرو-سياسة والعقاب وما يواكبها من “تأثيرات بنيوية” ترمي إلى ترويض الأشخاص ثقافياً وسياسياً كي يتلاءم الأمر مع عقيدة المحو التي تعتنقها الدولة، والتي تجعل من الأطفال أفراداً منزوعي الطفولة، لا-إنسان لا حسرة عليه أو مجرمين قابلين للعقاب ولا يستحقون العزاء. يفسر هذا الأمر السردية العنصرية التي تصرح أن ثمة وحوشاً تلد وحوشاً لا أطفالاً، التي وصلت إلى ذروتها في نزع الطفولة اليوم في غزة. الأطفال الموتى أو من هم على وشك الموت من جروحهم وتحويل أجسادهم إلى آلية فعلية تهدف إلى رسم حدود سيادية الدولة، مع ما يواكب ذلك من ألعاب للقوة عبر أفعال الإعدام العلني وتقطيع أوصال الأجساد حتى في حالة الموت، هو ما يسميه أندرو لانتز “الجثث كرسائل”. الأمر الذي يقلب نزع الطفولة إلى إحدى وسائل العقاب النكرو-سياسي الذي يرسم الحدود ويحدد من هم أهل للكرامة، سواء كانوا أحياءً أو أمواتاً، من الموجودين في مساحة إبادية، حتى لو كانوا أطفالاً. إن صورة الإبادة والقذائف المنهمرة باستمرار، ورسائل الجثث المجتثة والتي نقرأها كفلسطينيين عبر “الجثث كرسائل”، وخصوصاً جثث أطفال فلسطين، والعنف الذي يبطل الحاجة إلى التوابيت، والأكفان الجماعية، والنظر إلى أجساد الأطفال كأنها قمامة، كلها آلام وفقدان يسعى إليه المستعمر من خلال نزع الطفولة بصورته الكاملة والمكتملة. أمّا التعامل مع الأحزان، وعدم السماح بممارسة الحق في التعزية، وسرقة ما يُعلم وما يُذاع، وإيداع العيش بكرامة في السجن المرئي وغير المرئي، وترك الجثث لتبرد وتتعفّن تحت الأنقاض الكولونيالية، فكلها جزء لا يتجزأ من نظام يتبنى سياسة الإماتة، والدفن، والقبر الجمعي، والمقابر العقابية ليصل إلى تحقيق نزع الطفولة المطلقة، مستنداً إلى تجسيد العنصرية القهرية من حيث التمثيل في حياة الأطفال، وآلامهم، وأجسادهم، وجثثهم الهامدة. أمّا السؤال فهو: “هل إن الجروح في أجساد الأطفال، وإدماءها والتشنيع فيها، وخنقها العلني من شأنه أن يتحدى حدود الحق والعدالة ويتخطاهما؟”

إن نزع الطفولة خلال هذه الحرب المستمرة على غزة، والتي تعلن نفسها على أنها ترمي في نهاية المطاف إلى “تدمير ‘حماس‘” من أجل “الثأر”، هو أمر يخفي وراءه ما هو أكثر شراً. فالهجوم الإبادي على غزة وأطفالها في تشرين الأول/أكتوبر 2023 يشي بهذا النزع بحيث يتم وصف الأطفال الفلسطينيين بأنهم دوماً، وإلى الأبد يولدون كلا-أطفالا، كـ”إرهابيين” بالفطرة يجب التخلص منهم. وإن ما نراه حتى في أعداد الأطفال الموثقة في اللوائح الفلسطينية والتي يتم التشكيك فيها من جانب زعماء إمبرياليين، كالرئيس جو بايدن تشير إلى لا-طفلنة دموية قاتلة، تتعدى القتل إلى ما بعده. فنزع الطفولة واضح للعيان حين يصاب الأطفال بالصدمة جرّاء العنف، وحين يضطرون إلى تحمل إغلاق جروحهم وبتر أطرافهم دون تخدير، فمع كل جرح ومع كل بتر يُبتر فصل من فصول طفولتهم. ولا يجري استبعادهم كالمعهود والموصى به في الحروب، بل بالعكس يجري استهدافهم واستخدامهم في عمليات الاجتياح والهجوم، وكذلك عندما يصبحون يتامى جرّاء القصف الذي لا يتوقف. وهو أيضاً يكمن في أن يُمنع الأطفال من الوصول إلى العناية المطلوبة، وأن تُسمى منازلهم “أوكار دبابير”، كما جاء في بيان بعض أطباء إسرائيل، أو أن تزعم عبر وسائل الإعلام الأوروبية أن رؤوس الأطفال الإسرائيليين قد قُطعت كي يطغى هذا الزعم غير المثبت على الأطفال القتلى والمشوهين فعلياً للا-طفلنتهم فقط لأنهم سكان منطقة جغرافية معينة، وهم أصلاً كانوا السكان الأصلييّن في مساحات الدولة المستعمِرة. كذلك، فمن الأمور الأكثر شراً وغموضاً، والتي يخفيها هذا الهدف المعلن لعملية تشرين الأول/أكتوبر 2023، والزاعم إلى “تدمير ‘حماس‘” من أجل “الثأر”، القيام بهذا النزع منذ كون الأطفال أجنة في الأرحام، ولا يمكن إخفاء هذا الأمر المرتكَب بحق الأطفال، أحياء وأمواتاً وحتى قبل أن يولدوا، وبحق أجسادهم، وكذلك الأمر بالنسبة إلى مدى الإصابات البليغة والمباشرة، ولا حتى عن أعين العالم “المتحضر”، هي كلها أمور تقدم إلينا لغة جديدة ومختلفة قوامها نظام أخلاقي يحدد الجسد والحياة التي نزعت منها الطفولة ويسجنهما. وهذا النظام الأخلاقي هو الذي يحدد المفاهيم والحدود لفهم ما نشاهده من قتل وتشويه وتقطيع للأوصال واستئصال للطفولة كصفة إنسانية من الفلسطينيين. ونزع الطفولة في يومنا هذا، وفي غزة، يكشف مدى القدرة على التحريف والتشويه حين يجري وصف الأطفال بأنهم “أضرار تواكب الحروب”، أو أنهم مجرد “ضحايا حرب”. واليوم، وبعد أن وصل هذا الأمر إلى الذروة في غزة، فهو يميط اللثام عن ترتيبات وخطط سياسية كولونيالية وعسكرية حيث لا يسبب أي أزمة أخلاقية، سواء للعالم وقيادته، أو للدولة الكولونيالية، لأن أطفال فلسطين، وغزة اليوم تحديداً، يُعتبرون مجرد إرهابيين حاضنين ‘لحماس‘ أو مشاريع مقاومة مستقبلية لحماس، ليست لهم أجساد ولا أرواح تليق بالحياة، ويرمزون دوماً إلى العنف (Da Silva, 2009). إن التصويب على الأطفال يشي بنوع معين من الإبادة الذي لا يشمل ويشوه الحاضر فحسب، بل ينفي أيضاً إمكان حصوله على المستقبل. يجري فهم مشهد الأطفال الواضح في غزة عبر خاصية التفوق العنصري الإسرائيلي فقط (والذي يغض المجتمع الدولي الطرف عنه وعن فظاعاته)، كما يجري فهمه أيضاً عبر منظومة المنطق العنصري العادي داخل الاستيطان الإسرائيلي والذي يرمي لا إلى تسوية المساحات والمدن بالأرض فحسب، بل أيضاً إلى محو إنسانية الطفولة في غزة وردمها تحت تلك المساحات.

المراجع:

Da Silva, D. F. (2009). “No bodies: Law, Raciality and Violence.” Griffith Law Review, 18(2), pp. 212–236.
Giacaman, Rita (Winter 2018). “Reframing Public Health in Wartime: From the Biomedical Model to the ‘Wounds Inside,’” Journal of Palestine Studies, vol. xlvii, no.2, pp. 9–26.
Li, Darryl. (Winter 2006). “The Gaza Strip as Laboratory: Notes in the Wake of Disengagement.” Journal of Palestine Studies, vol. xxxv, no. 2, pp. 38–55.
Makdisi, Saree. (2010). Palestine Inside out: An Everyday Occupation. New York: W.W Norton & Company.
Mbembe, Achille. “Necropolitics.” Public Culture, vol. 15, no. 1 (Winter 2003), pp. 1–40. See also Nadera Shalhoub-Kevorkian, “Necropenology: Conquering New Bodies, Psychics, and Territories in East Jerusalem.” Identities, vol. 27, no. 3 (2020), pp. 285–301.
Moses, A. Dirk. (Ed.). (2004). Genocide and Settler Society: Frontier Violence and Stolen Indigenous Children in Australian History. New York and Oxford: Berghahn Books.
Puar, Jasbir K. (2015). The ‘Right’ to Maim: Disablement and Inhumanist Biopolitics in Palestine.” Borderlands, vol. 14, no. 1, pp. 1-27.
. (2017). The right to Maim: Debility, Capacity, Disability. Durham, NC: Duke University.
Rabaia, Yoke, Saleh, Mahasin F., & Giacaman, Rita. (2014). “Sick or Sad? Supporting Palestinian Children Living in Conditions of Chronic Political Violence.” Children & Society, vol. 28, issue 3, pp. 172-181.
Razack, Sherene. (2015). Dying from Improvement: Inquests and Inquiries into Indigenous Deaths in Custody. Toronto: University of Toronto Press.
Rouhana, Nadim N. (2017). “The Psychopolitical Foundations of Ethnic Privileges in the Jewish State.” In Israel and its Palestinian Citizens: Ethnic Privileges in the Jewish State. Edited by Rouhana, Nadim N. & Sahar S. Huneidi. Cambridge: Cambridge University Press, pp. 3-36.
Salamanca, Jabary. (2011). “Unplug and Play: Manufacturing Collapse in Gaze.” Human Geography, vol. 4, no.1, pp. 22-37.
Shalhoub-Kevorkian, Nadera. (2014). “Palestinian Children as Tools for ‘Legalized’ State Violence.” Borderlands, vol. 13, no.1, pp. 1-24.
. (2019). Incarcerated Childhood and the Politics of Unchilding. Cambridge: Cambridge University Press.
__
. (2020). “Gun to Body: Mental Health against Unchilding.” International Journal of Applied Psychoanalytic Studies, vol. 17, issue 2, pp. 126-145.
Wolfe, P. (2006). “Settler Colonialism and the Elimination of the Native.” Journal of Genocide Research, vol. 8, issue 4, pp. 387–409.

نادرة شلهوب – كيفوركيان – مؤسسة الدراسات الفلسطينية

النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد