معادلة الليطاني والاستنزاف: لماذا يفشل الاحتلال في فرض واقع “الشريط العازل”؟
وسط ضجيج المدافع وهدير المسيّرات، تتبلور في الجنوب اللبناني حقيقة ميدانية تتجاوز التصريحات السياسية. العدو الذي أعلن سعيه للوصول إلى نهر الليطاني، يجد نفسه اليوم عاجزًا ليس فقط عن بلوغ ضفافه، بل حتى عن تثبيت نقاط احتلال دائمة ومستقرة في قرى الحافة. إن المشهد الحالي لا يعكس مجرد مواجهة عسكرية، بل صراع إرادات يهدف لمنع تكرار سيناريو “الشريط الحدودي” الذي ساد ما قبل عام 2000.
الميدان جحيم يومي يمنع الاستقرار
تؤمن المقاومة بأن الضمانة الوحيدة لمنع تحول الاحتلال المؤقت إلى واقع دائم هي “تحويل الأرض تحت أقدام الغزاة إلى جحيم”. هذا ليس مجرد شعار، بل تكتيك عسكري مدروس يعتمد على الاستنزاف النوعي، والوصول إلى معدل 90 استهدافًا في يوم واحد قبيل الهدنة، باستخدام المسيّرات الانقضاضية والصواريخ الموجهة، يرسل رسالة واضحة بأن كلفة البقاء باهظة.
حرب الكر والفر منعت العدو من أخذ أنفاسه في أي منطقة عازلة، ما يجعل كلفة الحفاظ على “أمان” المستوطنات الشمالية أغلى من قدرة الجبهة الداخلية الإسرائيلية على الاحتمال.
الدبلوماسية تحت النار: شروط مرفوضة ووحدة مسارات
في أروقة واشنطن، تدور رحى حرب من نوع آخر. تحاول الإدارة الأمريكية جاهدة فصل “المسار اللبناني” عن العمق الإقليمي (الإيراني)، إلا أن الوقائع السياسية تشير إلى ترابط وثيق؛ حيث تصر طهران على أن أي تهدئة كبرى يجب أن تتعامل مع المنطقة كحزمة واحدة.
تتجه المفاوضات حاليًا نحو طريق مسدود بسبب السقوف الإسرائيلية المرتفعة، وعلى رأسها
حرية الحركة العسكرية، وهو الشرط الذي يعتبره حزب الله خرقًا للسيادة واحتلالًا مقنعًا، ويرفضه جملة وتفصيلًا.
رهان الوقت مدرسة عام 2000
المقاومة اليوم لا تستعجل الحرب الشاملة، لكنها في الوقت ذاته لا تخشاها. الرهان الأساسي يرتكز على “نفس المقاتل” مقابل “تفكك الجبهة الداخلية للعدو”. إن الضغط العسكري المتواصل، وتصاعد الخسائر البشرية والمادية، هما المحركان اللذان سيجبران الاحتلال في نهاية المطاف على التراجع تمامًا كما حدث في عام 2000.
إن استنزاف جيش الاحتلال لا يزال ممكنًا وموجعًا. وما دام الميدان قادرًا على إنتاج “مفاجآت نوعية”، فإن أي محاولة لفرض “منطقة عازلة” ستتحول إلى استنزاف مفتوح لن ينهيه إلا الانسحاب الكامل، ليبقى الجنوب عصيًا على الكسر كما كان دائمًا.
النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع

التعليقات مغلقة.