بين فكي “الصفقة” و”الخارطة” هل يرتطم قطار ترامب بطموحات نتنياهو؟
في دهاليز السياسة الإيرانية، ثمة قناعة تتبلور بأن الرئيس دونالد ترامب، رغم خطابه المتشدد، ليس “رجل حرب” بالمعنى التقليدي، بل هو “رجل صفقات” بامتياز، يكره الاستنزاف الطويل ويعشق النهايات الخاطفة التي تمنحه لقب المنتصر. وانطلاقًا من هذه القراءة، تبدو التحركات الإيرانية الأخيرة في المضائق المائية وكأنها عملية “إعادة تسعير” سياسية شاملة.
طهران ورفع سقف التفاوض
إن التلويح بإغلاق شريان الطاقة العالمي ليس مجرد استعراض قوة عسكري، بل هو تحديد دقيق لـ “سعر الافتتاح” على طاولة المفاوضات القادمة. الرسالة الإيرانية الموجهة للبيت الأبيض تتلخص في معادلة بسيطة لكنها قاسية: أمن الطاقة العالمي يمر عبر كبح جماح التوسع الإسرائيلي. بهذا المعنى، تحاول طهران تحويل الضغط العسكري لنتنياهو إلى عبء سياسي واقتصادي على كاهل ترامب، واضعة إياه أمام خيار صعب: إما تأمين تدفق النفط عبر “لجم” حليفه المدلل، أو الغرق في وحل أزمة طاقة عالمية تطيح بوعوده الانتخابية.
تضارب المصالح صراع “الانعزالية” و”التوسعية”
هنا تبرز الفجوة البنيوية في التحالف، فنحن أمام رؤيتين متناقضين تمامًا للمنطقة:
عقيدة ترامب تنطلق من مبدأ “أميركا أولًا”، وهي نزعة انعزالية براغماتية ترى في حروب الشرق الأوسط “ثقوبًا سوداء” تبتلع المليارات وتعيق التفرغ لمنافسة الصين.
عقيدة نتنياهو ترى في وجود ترامب “نافذة تاريخية” لا تتكرر، ليس فقط لتوجيه ضربات تكتيكية، بل لإعادة رسم خارطة المنطقة جذريًا، وهو مشروع يتطلب بالضرورة تورطًا أمريكيًا عسكريًا ومباشرًا.
الصدام الحتمي
بينما يبحث ترامب عن “إنجاز سريع” يتباهى به كصانع للسلام القوي، يقدم له نتنياهو “حروبًا مفتوحة” بلا جداول زمنية. هذا التناقض يجعل الصدام بين الرجلين ليس مجرد احتمال، بل ضرورة بنيوية؛ فترامب لن يقبل طويلًا أن يُقاد من مقعد الركاب في قطار يقوده نتنياهو نحو مواجهة شاملة قد تحرق “صفقة العمر” التي يحلم بها.
إن المنطقة تشهد اليوم صراع إرادات بين من يريد “إغلاق الملفات” بالصفقات، ومن يريد “فتح الخرائط” بالبارود. وفي هذه اللعبة، قد يجد ترامب نفسه مضطرًا للاختيار بين “حليفه الأيديولوجي” وبين “استقراره الاقتصادي”، وهو خيار نعرف يقينًا أن ترامب التاجر سيحسمه لصالح الأرقام لا العواطف.
النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع

التعليقات مغلقة.