بين الميدان والمفاوضات: من يكتب النصر؟
في لحظات التحوّل الكبرى، لا تُكتب النتائج على طاولة المفاوضات بقدر ما تُحفر في الميدان، حيث تتقدّم الوقائع على الخطابات، وتفرض الدماء معادلاتها قبل أن تُصاغ الكلمات. الهدنة التي دخلت حيّز التنفيذ لعشرة أيام ليست تفصيلًا تقنيًا في مسار الصراع، بل هي خلاصة ميزان قوى تشكّل تحت النار، عنوانه الواضح: أن من يصمد في الميدان هو من يفرض شروط التهدئة، لا من يهرول إليها.
لقد أثبتت التجربة مرة جديدة أن جهاد المقاومين ليس مجرد فعل عسكري، بل هو فعل تأسيسي يعيد تعريف النصر ذاته. في الخيام، والطيبة، وبنت جبيل، لم تكن المعركة مجرد مواجهة جغرافية، بل اختبار إرادات. هناك، حيث عجزت آلة الحرب الإسرائيلية عن التوغل وتثبيت السيطرة، سقطت فرضية التفوق المطلق، وبرزت معادلة جديدة: الأرض لا تُؤخذ بالقوة وحدها، بل تُنتزع من صاحبها إن تراجع، وهذا ما لم يحصل.
ومن هنا، فإن الهدنة القائمة لا تعني بأي حال العودة إلى ما قبل الثاني من آذار، لأن ذلك التاريخ شكّل نقطة تحوّل مفصلية في قواعد الاشتباك. ما قبل هذا اليوم ليس كما بعده، وما كان يُحتمل سابقًا لم يعد مقبولًا اليوم. لقد ترسّخت معادلة واضحة: أي خرق إسرائيلي سيُقابل برد مباشر، لا بالصمت ولا بالاحتواء. هذه ليست مجرد رسالة سياسية، بل ترجمة ميدانية لتراكم التضحيات، تؤكد أن المقاومة انتقلت من موقع رد الفعل إلى موقع فرض الإيقاع، وأن زمن استباحة الأرض بلا كلفة قد انتهى. وهذا تأكيد لكلام الأمين العام الشيخ نعيم قاسم
الثابت وهو ما أعلنه: لا عودة إلى المرحلة السابقة التي كان العدوّ يعتدي فيها دون ردٍّ، ولن نقبل بأيّ وجودٍ له في أرضنا.
هذا الثبات لم يكن وليد لحظة، بل نتيجة تراكم عقيدة قتالية تعرف كيف تدير المعركة بمرونة، تجمع بين الصمود الدفاعي والمبادرة الهجومية، وتحوّل كل محاولة اختراق إلى استنزاف مفتوح. لذلك، لم يكن مستغربًا أن تتحول بعض المحاور إلى ما يشبه المصيدة الاستراتيجية، حيث يدخل الخصم ولا يخرج إلا مثقلًا بالخسائر، في مشهد أعاد رسم صورة الميدان بالكامل.
لكن المعركة لم تكن فقط على خطوط التماس، بل أيضًا في العمق الاجتماعي. النازحون، الذين خرجوا من بيوتهم قسرًا، لم يخرجوا من معادلة الصمود. في الخيم، على الطرقات، وفي أماكن اللجوء المؤقت، حافظوا على ما هو أخطر من الأرض: الكرامة. هذا الثبات الشعبي لم يكن تفصيلًا إنسانيًا، بل ركيزة أساسية في ميزان القوة، لأن الحرب الحديثة لا تُحسم بالسلاح فقط، بل بقدرة المجتمع على التحمّل والاستمرار.
في المقابل، برز مشهد آخر على الضفة السياسية، مشهد لا يشبه تضحيات الميدان. هناك، حيث تُختزل السيادة بصور تفاوضية، وتُقدَّم على أنها إنجاز، بينما هي في حقيقتها انعكاس لخلل في فهم طبيعة الصراع. إن الرهان على استجداء السلام من موقع ضعف لم يكن يومًا طريقًا لحماية الأوطان، بل غالبًا ما يتحوّل إلى مسار يُنتج تنازلات متراكمة تحت عنوان الواقعية السياسية.
وهنا يتبدّى الفارق الجوهري بين من يصنع الوقائع ومن يلهث خلفها. فالمقاومة، عبر أدائها الميداني، لم تترك فراغًا يُملأ سياسيًا، بل فرضت سقفًا واضحًا لأي مسار تفاوضي محتمل. أما حين تُختزل السياسة بمشهد إذلالي في عواصم القرار، حيث تُدار اللقاءات المباشرة تحت سقف الضغوط، فإن ذلك لا يعكس قوة الدولة، بل هشاشة موقعها التفاوضي.
ضمن هذا السياق، لا يمكن إغفال البعد الإقليمي في فرض معادلة الهدنة. فالتوازن الذي أنتج هذه اللحظة لم يكن محليًا صرفًا، بل ارتبط أيضًا بدور فاعل للجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي شكّلت، عبر دعمها الاستراتيجي، رافعة أساسية في تثبيت قواعد الاشتباك ومنع انزلاق المعركة نحو كسر كامل للتوازن. هذا البعد لا يُقرأ من زاوية سياسية ضيقة، بل ضمن إطار أوسع يعكس تشابك الساحات ووحدة مسارات الصراع.
إن الهدنة، بهذا المعنى، ليست نهاية مرحلة بقدر ما هي إعادة تموضع ضمن صراع مفتوح. هي لحظة يلتقط فيها الجميع أنفاسهم، لكن على قاعدة واضحة: من فرضها هو الميدان، لا البيانات. لذلك، فإن القراءة الحقيقية لما جرى لا تكون في عدد الأيام التي توقفت فيها النار، بل في السؤال الأهم: من أجبر الآخر على القبول بها؟
الجواب، كما تكشفه الوقائع، واضح لمن يريد أن يرى. لم يكن ذلك نتاج خطاب دبلوماسي ناعم، ولا نتيجة مبادرات سياسية مجتزأة، بل حصيلة صمود تراكمي، دفع الخصم إلى إعادة حساباته. وفي هذا يكمن جوهر المعادلة: النصر لا يُعلن في المؤتمرات، بل يُكتب على الأرض، سطرًا بدماء الشهداء، وصفحة بثبات الناس، وفصلًا كاملًا بجهاد المقاومين.
من هنا، يصبح أي حديث عن مستقبل هذه المواجهة مرتبطًا بفهم هذه القاعدة، لأن ما بعد هذه الهدنة ليس استمرارًا لما قبلها، بل تثبيت لمرحلة جديدة عنوانها الردع المتبادل المفروض بالقوة. فطالما أن هناك من يملك الإرادة على الصمود، والقدرة على تحويل الألم إلى قوة، فإن معادلة الردع ستبقى قائمة، وستبقى أي تسوية محكومة بما يفرضه الميدان، لا بما يُراد له أن يُفرض عليه.
النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع

التعليقات مغلقة.