سيادة الجغرافيا وسقوط “التدويل”: مضيقا هرمز وباب المندب نموذجًا
في اللحظة التي تقف فيها المنظومة الدولية عاجزة -أو متآمرة- أمام المجازر التي تنهش جسد غزة، تنهار شرعية كل ميثاق لا يحمي الحق في الحياة. إن القوانين التي يُراد لها أن تكون “عالمية” تسقط أخلاقيًا عندما تُستخدم كذريعة لتأمين مرور البضائع والأساطيل، بينما يُحاصر الإنسان ويُباد تحت سمع وبصر “المجتمع الدولي”.
من هنا، يبرز التساؤل الجوهري: كيف يطالبوننا باحترام “دولية” الممرات المائية بينما هم يضربون عرض الحائط بأقدس المواثيق الإنسانية؟
إن مضيق باب المندب ومضيق هرمز ليسا مجرد نقاط تقاطع على خريطة التجارة العالمية، بل هما رئتان جغرافيتان تنتميان حصرًا للدول المطلة عليهما. هذه الممرات، بجغرافيتها وتاريخها ودماء الشعوب التي تحرس شواطئها، هي مضائق محلية سيادية بامتياز، وليست مشاعًا دوليًا مستباحًا.
باب المندب: يمثل القلب النابض للسيادة العربية على مدخل البحر الأحمر. إن محاولات القوى الكبرى فرض قواعد “المرور العابر” لضمان تدفق مصالحها، في وقت تبارك فيه حصار الشعوب وقتلها، يجعل من حق الدول المطلة عليه أن تعيد تعريف قواعد اللعبة وفق أمنها القومي وحماية مصالح أمتها.
مضيق هرمز: هو الآخر شريان طاقة عالمي، لكنه في المقام الأول مياه إقليمية تخضع لسيادة جيرانها. إن تلويح القوى الاستعمارية بالاتفاقيات الدولية لتأمين هذا الممر يفتقر للنزاهة، طالما أن هذه القوانين نفسها تصمت صمت القبور عندما يتعلق الأمر بمجازر غزة وفلسطين.
إن الحق في السيطرة على هذه المضائق هو الرد الطبيعي على ازدواجية المعايير. فإذا كان القانون الدولي “انتقائيًا” يُطبق فقط لتأمين مصالح الأقوياء، فإن الجغرافيا ستبقى “ثابتة” ومنحازة لأصحاب الأرض.
ستظل هذه المضائق محلية بسيادتها، وطنية بقرارها، ولن تكون يومًا مجرد طرق سريعة لخدمة عالم لم يحرك ساكنًا لإنقاذ طفل في غزة. السيادة اليوم تُنتزع بالحق والواقع، لا بمواثيق أثبتت الأيام أنها حبر على ورق يُباع ويُشترى في سوق المصالح.
استقلالية الإرادة السيادية، والسيادة تُنتزع ولا تُمنح
إن الرسالة التي يجب أن يفهمها صنّاع القرار في المحافل الدولية والقوى المهيمنة واضحة وجلية: “إن المواثيق التي لا تحمي دماء أطفال غزة، لا تملك الحق في حماية سفنكم في مضائقنا”.
لقد سقطت شرعية “التدويل” يوم سكتت الأمم المتحدة عن أبشع مجازر العصر. لذا، فإن التعامل مع باب المندب ومضيق هرمز كممرات دولية هو وهمٌ قانوني تحطّم على صخرة الواقع. هذان المضيقان هما مياه إقليمية، وسيادتها محلية خالصة للدول المطلة عليها، ولن تكون يومًا “حدائق خلفية” لأساطيلكم أو طرقًا آمنة لتجارتكم بينما شعوبنا تُباد.
على كل من يتباكى اليوم على “حرية الملاحة” أن يدرك أن حرية الإنسان وحقه في الحياة يسبقان حرية التجارة بآلاف السنين الضوئية. ومن أراد استقرارًا في البحار، فليبدأ بإحقاق العدالة على الأرض.
ستبقى مضائقنا ملكًا لجغرافيتنا، وقرار إغلاقها أو تنظيمها هو حق سيادي أصيل نمارسه متى وكيفما شئنا، بعيدًا عن إملاءات القوانين الانتقائية. فالعالم الذي يحكمه قانون “القوة” لا يفهم إلا لغة “السيادة” المفروضة على الأرض والماء.
النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع

التعليقات مغلقة.