من “الولايات” إلى “الويلات”: هل تشهد أميركا ربيعًا ينهي زمن الهيمنة؟

​بعد أن كانت واشنطن تصدّر نظريات “الفوضى الخلاقة” و”الربيع العربي” إلى أرجاء العالم، يبدو أن عجلة التاريخ دارت دورة كاملة في عام 2026، لتقف الولايات المتحدة اليوم على أعتاب ربيع أميركي مضطرب ينذر بتحويلها من ولايات متحدة إلى “ويلات” ممزقة بفعل الأزمات الهيكلية والانكشاف الداخلي غير المسبوق.

​إن نيران الحروب التي تشعلها الإدارة الأميركية في الخليج العربي لم تعد بعيدة عن الداخل، ومع تصاعد حدة المواجهات العسكرية وارتفاع أسعار النفط إلى مستويات جنونية، بدأت نيران الشرق تغذي فعليًا احتجاجات العاصمة واشنطن وشوارع نيويورك. لم يعد المواطن الأميركي قادرًا على تحمل كلفة الحروب العبثية التي تستنزف جيبه قبل خزانة دولته، ما وضع إدارة ترامب أمام خيارين أحلاهما مر؛ فإما التصعيد العسكري بآمال ضئيلة في حسم مستحيل، وهو ما يعني سقوط ما تبقى من هيبة وهيمنة دولية، وإما الانسحاب المذل الذي سيُسجل في التاريخ كإعلان رسمي عن نهاية القرن الأميركي.

​ولأول مرة في تاريخها الحديث، تدخل الولايات المتحدة نفق أزمة طاقة مظلمة، حيث تشير التقارير الواردة من عدة ولايات إلى بدء إجراءات تقنين الكهرباء وشح في الوقود، وهو مشهد كان يراه الأميركيون فقط في الدول التي يفرضون عليها العقوبات. هذا العجز الطاقوي ليس مجرد خلل فني، بل هو شرارة الفوضى المدنية التي بدأت تلوح في الأفق، حيث يتحول الظلام في المدن الكبرى إلى بيئة خصبة للاحتجاجات العنيفة والاشتباكات.

​وفي مواجهة هذا الانحدار، اختار الرئيس ترامب الهروب إلى الأمام عبر تبني خطاب تخويني حاد، فبدلًا من معالجة أسباب الانفجار الشعبي، يجري وصم المتظاهرين بأنهم مدفوعون من أعداء الداخل أو قوى خارجية. هذا التحريض يمهد الطريق لتدخل الحرس الوطني لفض الاعتصامات بالقوة، ما يرفع احتمالات العنف المسلح إلى مستويات تنذر بانقسام أهلي حقيقي، خصوصًا مع وجود مجموعات مسلحة مؤيدة وأخرى معارضة للسياسات الحالية، ما قد يؤدي إلى اشتباكات دموية داخل المدن ذات التنوع العرقي والسياسي الكبير.

​إن ما تمر به هذه “الويلات الشيطانية” اليوم ليس مجرد أزمة سياسية عابرة، بل هو مخاض عسير لكيان يتآكل من الداخل بسبب غطرسة القوة والحروب الخارجية والانهيار الاقتصادي المتسارع. هذا الانكشاف الداخلي يشير بوضوح إلى أن مصطلح الولايات قد يصبح قريبًا جزءًا من الماضي، لتحل محله ويلات غارقة في صراعاتها، لتشرب أميركا من نفس الكأس التي سقت منها شعوبًا كثيرة تحت مسميات واهية.

النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع

التعليقات مغلقة.