أربعة وخامسهم محمولة

لو أنّ رجلًا جاء من أقصى الخيام أو عيتا أو الطّيبة يسعى إلينا، ليخبرنا أنّ أربعة قد انطلقت لتعيد توازن الرّعب، وأنّ خامسهم محمولة لا تبيد لما كنّا لنصدّق، وإنّها لنعمة حقيقيّة أنّ تصويرًا يحفظ هذا السّداد الكربلائيّ والتّوفيق الإلهي.

إنّ أهل الأرض موفّقون بأبنائها، يعيشون كما الشّجر، كزيتون يطلع مواسم نصر خريفيّة، أو كلوز يحمل البياض في ربيع زهوره، وربّما كشاطىء يغنّي للصّيف فتصفّق أمواجه لصيد مبارك، أو كشتاء تستعر في مواقده نار الكرامة. إنّ أبناء هذه الأرض توفيق إلهيّ لا يُختزل ولا يفنى، لا بل إنّ ما يأتي إلينا ليس إلّا سدادًا كربلائيًّا لا يزال يرتفع بنا ويرقى مشرئبًّا من غير هوادة.

أربعة وخامسهم محمولة يكاد زيتها يضيء، ولو لم تمسسه نار، ولكنّ أياديهم الشّريفة تمسح عليها بإيمان ويقين، نور على نور، ونورهم يرفع عنّا عتم الذّلّ والاستسلام، يهدي الله لنوره من يشاء، وقد منّ عليهم ببركاته فاهتدوا لنور الله الأزليّ، ويضرب الله الأمثال للنّاس، وقد ضرب لنا فيهم مثلًا كي نزداد يقينًا.

إنّ أربعة ستصير سبعة وثامنهم محمولة، ولأنّ محمولةً تسير بعين الله فإنّ احتمالات كونها ألفًا وعمادها محمولة هو الاحتمال الأقوى، لأنّ عمادًا صلب الرّوح ليس إلّا أصالة البطولة والرّجولة، ولأنّ روح العماد ثابتة في روح كلّ مقاتل فإنّ من يصلح روحه ويزكّي نفسه أسهل ما يتمكّن منه هو إصلاح محمولة وزكاتها أربعة فما فوق، فزكاة السّلاح إنفاقه في وجه محتلّ غاصب، وزكاة الأرواح جهادها.

إنّ النّصر يأتي من جهود هؤلاء الرّجال الّذين يعملون في القيظ والزّمهرير، لا تثنيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، في ظلّ ظروف تعدّ حجّة للاستسلام، ولكنّهم تحت إطباق جوّيّ وسياسيّ واجتماعيّ في كثير من الأحيان، تحت إطباق يستحيل الإفلات منه، عبروا الجغرافيا ليعيدوا تدوين التّاريخ من غير تزييف في الحقائق.

هؤلاء الّذين تبيّن لهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود حين جاء نصر الله، فدخلوا دين الجهاد طوعًا، وطمعًا برضا إلهيّ يجبر ما تكسره الدّنيا الفانية، ويرفع مقامهم عند عزيز مقتدر، هؤلاء الّذين ما ضعفوا وما استكانوا فما هانوا عند الله، ففضّلهم على كثير منّا، وعلى الرّغم من كثرة المتخاذلين إلّا أنّهم لم يخافوا لومة لائم.

لك عزيزي القارىء أن تتخيّل أنّ رجالًا يحفظون مال الجهاد فلا يستسهلون رمي سلاح غير صالح، إذ يعيدون تدويره، وهنا يأتي السّؤال: كيف سينتزعون منهم قوّتهم، وهم يعبّدون طريق الضّعف لتصير قوّة، وقد ثبّتوا أقدامهم منتصرين على المستكبرين؟

يحبّ الله صبرهم فيمدّهم بنصره، ويمدّهم بملائكة تسدّد رميهم، وقد بلغوا المجد الرّوحيّ من أطرافه كلّها.
قلتم لنا: “أربعة وخامسهم محمولة أصلحناها”، ونحن نقول لكم: “الحمد لله الّذي منّ علينا بكم، فأنتم آياته إلينا لنؤمن بما جئتم به، ولنذكر الله كثيرًا، إنّكم فتية آمنتم بربّكم فزادكم هدى، فادعوا الله أن يثبّتنا كي لا نكون راقدين في كهف الغيّ والضّلال، إنّا بكم منتصرون فالله لا يضيع أجر المحسنين، ستجدوننا بإذن الله صابرين، لا يرهقنا عسر ولا ضعف، فما جزاء الإحسان إلّا الإحسان، علّنا نردّ لكم حسن صنيعكم، فلا يجحد بجهدكم إلّا كلّ ختّال، بوركتم وبوركت سواعدكم، ونحن لا نملك إلّا الدّعاء، فكونوا في رعاية المنتقم الجبّار”.

النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع

التعليقات مغلقة.