من المناورة إلى التفكيك: كيف يُدار الميدان في جنوب لبنان؟
منذ اللحظة الأولى، يتضح أن العدو الإسرائيلي لا يخوض حرب اقتحام تقليدية، بل يعتمد نمطًا عملياتيًا قائمًا على “تجاوز العقد” بدل كسرها. أي أنه لا يسعى للسيطرة المباشرة على القرى، بل لتطويقها وتحييدها، بما يجنّبه كلفة الاشتباك المباشر، ويمنحه في الوقت نفسه قدرة على ادعاء تحقيق تقدّم سريع.
الجوهر الحقيقي لهذا الأسلوب هو محاولة إعادة تشكيل الجغرافيا العسكرية للجنوب، عبر تفكيكها إلى مساحات منفصلة بدل كونها بيئة مترابطة.
أولًا: القطاع الغربي: التقدّم من دون احتكاك
في المحور الغربي، يتّبع العدو مسارًا التفافيًا، يتجنب الدخول إلى القرى، ويكتفي بالوصول إلى نقاط مرتفعة أو مفصلية تتيح له الإشراف وقطع الإمداد. هذا يعكس رغبة في السيطرة “عن بعد”، لا عبر الاحتكاك المباشر. لكن هذا التقدّم يبقى ناقصًا، لأنه لا يُترجم إلى سيطرة فعلية داخل الأرض.
ثانيًا: القطاع الأوسط: ضرب الشرايين بدل الأطراف
في الوسط، تتركّز الجهود على الأودية والمسارات التي تربط القرى بعضها ببعض، في محاولة لتفكيك شبكة الإمداد. إلا أن أي محاولة للانتقال إلى الاشتباك المباشر تُقابل برد قاسٍ، ما يعيد القوات إلى أسلوب الالتفاف. وهذا يؤكد أن العقد الجغرافية ما زالت عصيّة على الكسر، وأن المعركة هنا هي معركة استمرارية لا معركة اختراق سريع.
ثالثًا: القطاع الشرقي: صلابة الدفاع وفشل التثبيت
في الشرق، ورغم محاولات التقدم من أكثر من محور، بقيت المناطق الأساسية شمال الخيام منيعة، فيما تحوّلت محاولات التوغل في الطيبة ومحيطها إلى استنزاف مباشر. كما أن محاولات التقدم نحو بعض البلدات قوبلت بتصدٍّ قوي أجبر القوات على التراجع، ما يعكس عجزًا واضحًا عن تحويل التقدم إلى سيطرة مستقرة.
تحوّل نوعي: نقل المعركة إلى عمق التقدّم
اللافت في المرحلة الأخيرة ليس فقط صدّ التقدم، بل نقل الاشتباك إلى داخل النقاط التي يعتبرها العدو “مناطق وصول”. فقد شهدت إحدى العمليات تسلل مجموعات مقاتلة إلى داخل بلدة حدودية، ومباغتة قوة إسرائيلية في موقع تموضعها، حيث جرى الاشتباك المباشر باستخدام الأسلحة الرشاشة والقذائف والصواريخ الموجهة، ما أدى إلى تدمير دبابة وسقوط إصابات في صفوف القوة.
هذا النوع من العمليات يحمل دلالات استراتيجية عميقة:
•أن خطوط التماس ليست ثابتة.
•أن أي نقطة يصل إليها العدو يمكن أن تتحول إلى ساحة اشتباك.
•أن عنصر المفاجأة ما زال بيد المقاومة.
تكتيك مقابل تكتيك: من التقدم إلى عدم الاستقرار
ما تعكسه هذه العمليات هو أن المعركة لم تعد دفاعًا عن الأرض بقدر ما أصبحت هجومًا على فكرة السيطرة نفسها. فالعدو قد يصل إلى نقطة ما، لكنه لا يستطيع تحويلها إلى موقع آمن، وكل تموضع يتحول إلى هدف محتمل لإغارة أو كمين، وهذا ينسف عمليًا فكرة إنشاء منطقة عازلة، لأن أي منطقة لا يمكن تأمينها بشكل دائم، لا يمكن اعتبارها منطقة سيطرة حقيقية.
أزمة العدو: بين الصورة والواقع
رغم الحديث عن تقدم في بعض النقاط، إلا أن الواقع الميداني يظهر أن هذا التقدم لا يُترجم إلى تثبيت، بل إن القوات تضطر إلى الانسحاب أو إعادة التموضع تحت الضغط، ما يعني أن السيطرة الفعلية غير متحققة.
في المقابل، تستمر العمليات الهجومية المركّزة، من تسلل وكمائن وضرب آليات، لتؤكد أن المعركة تتحول تدريجيًا إلى حرب استنزاف مفتوحة، تمتد من خط الحدود إلى أي نقطة يحاول العدو الوصول إليها.
الخلاصة: معركة إسقاط السيطرة
ما يجري ليس مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل صراع بين نموذجين: نموذج يسعى إلى التقدم السريع وصناعة صورة إنجاز ونموذج يعمل على تفريغ هذا التقدم من مضمونه وتحويله إلى عبء. وهنا تتبلور القاعدة الحاكمة: ليس المهم أين يصل العدو، بل هل يستطيع البقاء حيث وصل؟
وفي ظل هذا النمط من العمليات، يبدو أن كل نقطة يصل إليها، تتحول تلقائيًا إلى نقطة استنزاف جديدة.
النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع

التعليقات مغلقة.