تصريح بلا قرار
جاء تصريح رئيس الحكومة اللبنانية عقب التصعيد الأمني الأخير على الحدود الجنوبية، ليؤكد “حرص الحكومة على الاستقرار” و“التمسّك بالمسار الدبلوماسي لتجنيب لبنان تداعيات المواجهة”. غير أن هذا التصريح، على أهميته الشكلية، بدا امتدادًا لنهج حكومي بات مألوفًا: موقف سياسي محسوب لغويًا، لكنه خالٍ من أي إجراءات عملية تُثبت أن الدولة تمسك بزمام المبادرة.
في لحظة كان يفترض أن تبادر فيها الحكومة إلى خطوات واضحة سياسية أو أمنية أو حتى تنظيمية اكتفت بإعادة إنتاج خطاب التهدئة نفسه. لا اجتماع طارئًا يُترجم بقرارات، ولا إجراءات استثنائية تُظهر أن الدولة حاضرة في إدارة المخاطر. هكذا تحوّل الحدث من اختبار لقدرة الحكومة على الفعل، إلى دليل إضافي على عجزها عن الخروج من دائرة البيانات.
وكانت قدّمت الحكومة خيار “الدبلوماسية” بوصفه البديل الواقعي عن أي تحرّك آخر، لكن المشكلة لم تكن في الدبلوماسية بحد ذاتها، بل في استخدامها كغطاء لغياب القرار. فالدبلوماسية من دون أوراق قوة داخلية، ومن دون خطوات سيادية ملموسة، تصبح مجرّد مسار نظري لا يغيّر في الوقائع شيئًا.
وقد جاء ردّ الحاج محمد رعد ليأخذ طابعًا أكثر حدّة ووضوحًا، معتبرًا أن الاكتفاء بالتصريحات في لحظة حساسة كهذه يفرّغ موقع الدولة من مضمونه. رعد ربط بين الحدث والتقصير الرسمي، مشيرًا إلى أن الفراغ الذي تتركه الحكومة بعدم اتخاذها إجراءات، لا يبقى فراغًا طويلًا، بل يُملأ تلقائيًا بقوى أخرى تتحرّك وفق تقديرها للمخاطر.
خطاب الحاج رعد لم يكن منفصلًا عن الحدث، بل جاء كتعليق مباشر عليه، وكأنه يقول إن الدولة التي لا تُدير أزماتها بأدوات فعلية، تفقد حقها في مطالبة الآخرين بضبط إيقاع تحرّكاتهم.
وما كشفه هذا التصعيد، وما تبعه من تصريحات، هو أن أزمة الحكومة ليست أزمة نوايا بل أزمة قدرة على اتخاذ القرار. فالخوف من الانقسام الداخلي، أو من الضغوط الخارجية، شلّ الحكومة إلى حدّ جعلها غير قادرة حتى على استخدام هامشها المتاح.
إن تحوّل التصريح الحكومي بعد الحدث إلى رمز لمرحلة كاملة: دولة تراقب، تُعلّق، وتناشد، لكنها لا تُقرّر. وبين حدث خطير وتصريح حذر، جاء ردّ محمد رعد ليملأ فراغًا تركته السلطة التنفيذية بنفسها. وفي بلد مأزوم، لا يكون الخطر في اختلاف المواقف، بل في أن يصبح غياب الإجراءات هو القاعدة.
النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع

التعليقات مغلقة.