إيران تنتصر على الفوضى: الشعب يُسقط أدوات واشنطن

14

ما يجري في إيران لا يمكن قراءته خارج سياق الصراع المفتوح بين مشروع الهيمنة الأميركية ومحور الدول التي اختارت السيادة والاستقلال. فبعد سنوات من العقوبات والحصار والضغوط القصوى، انتقلت واشنطن إلى المرحلة الأخطر: محاولة تفجير الداخل، مستندةً إلى أدوات اعتادت استخدامها في المنطقة، من تمويل الفوضى، وتأهيل مجموعات تخريبية، وإطلاق ماكينة إعلامية ضخمة لتبرير الجريمة تحت عنوان “الدفاع عن الشعب”.

لا أحد يُنكر حق الناس في المطالبة بحقوقهم المعيشية، لكن ما شهدته بعض المناطق الإيرانية لا يمتّ إلى هذا الحق بصلة. الاعتداء على المساجد والحسينيات، تخريب المراكز الطبية، إحراق الممتلكات العامة، والقتل المنظم، ليست أفعال احتجاج، بل أعمال إرهابية مكتملة الأركان. هذا النمط من السلوك ليس جديدًا على المنطقة؛ هو ذاته الذي سبق أن اجتاح سوريا والعراق عندما فُتحت الأبواب أمام التنظيمات الداعشية وأشباهها، تحت مسميات مختلفة وبدعم خارجي مباشر.

الدور الأميركي في هذا المشهد لم يعد خافيًا ولا بحاجة إلى كثير من الإثبات. الإدارات الأميركية المتعاقبة، وفي مقدّمها إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب، أعلنت بوضوح أن زعزعة الاستقرار في إيران هدف استراتيجي. تصريحات ترامب المتكررة، الموثّقة خلال ولايته، لم تكتفِ بالتحريض السياسي، بل شرعنت علنًا دعم أي تحرك يُضعف الدولة الإيرانية، ولو كان تخريبيًا أو دمويًا. التهديد بالتدخل “عند اللزوم” لم يكن سوى رسالة دعم مفتوحة لهذه المجموعات، وتأكيدًا على أن ما يجري جزء من مخطط مُدار، لا انفجارًا عفويًا.

والأخطر في الخطاب الأميركي أنه يتلطّى خلف شعارات العدالة وحقوق الإنسان، في وقت تعجز فيه الولايات المتحدة عن معالجة أزماتها الداخلية. من شوارع تغلي بالعنصرية، إلى عنف الشرطة، إلى قمع التظاهرات، تبدو واشنطن آخر من يحقّ له الحديث عن العدالة. الدولة التي لم تنجح في إصلاح بيتها الداخلي، ولا في حماية مواطنيها من الانقسام والفوضى، لا تملك أي شرعية أخلاقية للتدخل في شؤون الشعوب الأخرى، ولا لتسويق التخريب كفعلٍ إنساني.

في مواجهة هذا المشروع، جاء الرد الإيراني من حيث لا تتوقع واشنطن: من الشعب نفسه. المظاهرات التي خرجت اليوم في إيران شكّلت لحظة سياسية مفصلية، أكدت أن الغالبية الشعبية تقف مع الدولة، ومع خيار الاستقرار، وترفض أن تُستَخدم كوقود لمشاريع أميركية فاشلة. هذه التظاهرات لم تكن إنكارًا للمطالب، بل فصلًا واضحًا بين الاعتراض المشروع والفوضى الموجّهة.

إن التفاف الشارع الإيراني حول دولته لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة وعيٍ متراكم، وقيادة شكّلت عبر العقود صمّام أمان حقيقي، يتقدّمها المرجع الأعلى والمرشد السيد علي الخامنئي. حضور القيادة، مقرونًا بوعي الشعب، أحبط رهان تحويل إيران إلى ساحة مستباحة، وأسقط محاولة استنساخ السيناريو السوري والعراقي على أرضها.

إيران اليوم قالت كلمتها بوضوح لا لبس فيه: نعم للإصلاح من داخل الدولة، لا للفوضى المصنّعة في غرف الاستخبارات. من يريد العيش الكريم فطريقه معروف، ومن يحمل السلاح ويحرق المقدسات ويقتل الأبرياء، لا يمثّل إلا نفسه ومن يقف خلفه. هذه المظاهرة لم تكن حدثًا عابرًا، بل إعلان سيادة، ورسالة مباشرة إلى واشنطن بأن إيران ليست خاصرة رخوة، وأن شعبها يعرف أصدقاءه من أعدائه، ويعرف أن التخريب حين يأتي بثوب الاحتجاج، يبقى تخريبًا، مهما كانت الرايات.

النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع

التعليقات مغلقة.