الولايات المتحدة في حلقة «حسم الصراع»: إدارة الفوضى لا تعني التخلي عن الحسم
يبدو أن السلوك الأميركي في العقد الأخير لا يمكن فهمه خارج إطار حلقة مركّبة تجمع بين المرونة التكتيكية والحسم الاستراتيجي. واشنطن تتحرك داخل مضمار واحد، لكنها تُشعر جميع الأطراف -صديقًا كان أم خصمًا- بأنها ما زالت في مرحلة التفاوض، بينما هي عمليًا تسابق الزمن لإنجاز إعادة التموضع الكبرى.
الفرق بين “التفاوض” و”الحسم” في العقيدة الأميركية ليس فرقًا في الجوهر، بل فرق في عامل الوقت الذي تدير فيه أزماتها بأدوات مختلفة: مرة عبر حكومات تابعة، مرة عبر “الفوضى الخلاقة”، مرة عبر التدخل العسكري المباشر، لكن النتيجة النهائية في معظم المسارح المشتعلة تحاكي بدرجة عالية أهداف الدولة العليا وسياساتها الخارجيّة الحاكمة.
ماذا حدث إذًا؟ وهل نحن أمام صدمة؟ أم أمر متوقّع؟
واشنطن تشعر اليوم أن البيئة الدولية مختلطة الأوراق، مهيّأة للتصعيد، وغير قادرة على إنتاج توازن مستقر، ما يدفعها إلى تسريع خطواتها غير آبهة بالكلفة الأخلاقية أو السياسية.
في خطابه الأخير، أعاد دونالد ترامب -بصراحة فظة تميّز خطابه- إحياء مبدأ مونرو بصيغة القرن الحادي والعشرين: “نصف الكرة الأرضية الغربي ليس ساحة مفتوحة لخصومنا”. لم يكن حديثه عن كوبا ولا عن فنزويلا خطابًا انتخابيًا فقط، بل إعلان نوايا صريحًا: أميركا اللاتينية يجب أن تعود “الحديقة الخلفية”، أي وجود روسي أو صيني أو إيراني هناك هو تحدٍّ مباشر للأمن القومي الأميركي.
خطف نيكولاس مادورو لا يمكن فصله عن هذا السياق. هي ليست عملية أمنية فحسب، بل رسالة تشبه -في رمزيتها- اغتيال تشي غيفارا: ليس الهدف إسقاط رجل فقط، بل كسر فكرة التمرّد الدائم على الهيمنة الأميركية في القارة.
أهمية فنزويلا لا تختزل في موقعها الجغرافي فقط ولا حتى موقعها من المواقف الدوليّة الكبرى، بل في كونها: الخزان النفطي الاستراتيجي الأكبر في العالم والقادر على تزويد الصين بكميات ضخمة خارج المنظومة الغربية، وفنزويلا مدماك أساسي في تحرير بكين من الابتزاز الطاقوي الأميركي، لذلك، فإن ضرب فنزويلا هو في أحد أبعاده ضرب غير مباشر لأمن الطاقة الصيني، ومحاولة لإعادة ضبط تدفقات النفط بما يخدم المعادلة الأميركية في المحيطين الأطلسي والهادئ معًا. فضلًا عن ذلك، فإنّ الأميركي أدرك الخطر القائم على القرب من حدوده حيث تخطّى مادورو الخطوط الحمراء الأميركية: “من يقترب من بنما يقترب من القلب الأميركي”، حيث إن فنزويلا تشرف على المدخل الكاريبي المؤدي إلى قناة بنما، وما أدراك ما بنما! الشريان الذي يُبقي أميركا قوة بحرية عالمية أولى مرتبطة بشكل مباشر بأمن “إسرائيل” متمسّكةً بعقيدة “ماهان البحريّة”.
للتذكير والربط، أهداف أميركا وسياساتها الواردة في وثائق الأمن القومي وعقيدة الردع الموسع تركّز على: أمن الطاقة، أمن البحار، أمن “إسرائيل”، احتواء ايران وروسيا والصين. ويمكن للمطّلع على الأحداث العالميّة ربط ما ورد أعلاه بما يجري مع فهم المرونة الأميركية العالية في الحراك ضمن هذه العناوين دون ترتيب زمني أو مكاني.
بناءً عليه، تعتبر إيران المدخل الإجباري لأي إعادة تشكيل للنظام الدولي، لذلك تتلقى الضغط الأكبر عبر: ضرب سلاح حزب الله وخنقه داخليًا لإفراغه من الردع الإقليمي، إسقاط سوريا أو تحييدها نهائيًا لمنع تشكّل عمق استراتيجي متصل من طهران إلى المتوسط، ضرب إيران مباشرة مع إبقاء خيار “الثورة الملوّنة” مفتوحًا، الضغط السياسي على الحشد الشعبي العراقي، الفوضى المدارة في اليمن عبر السعودية والمجلس الانتقالي، بما يفتح الأفق لتأمين البحر الأحمر، الصومال كحلقة مكملة لحصار اليمن وضرب المصالح الإيرانية البحرية وحلّ عقدة باب المندب، إطلاق يد “إسرائيل” باعتبارها أداة متقدمة “لاختبار الخطوط الحمراء”، تفكيك شبكة العلاقات الدولية الإيرانية عبر تقاربات أميركية غير مسبوقة مع باكستان، وأذربيجان، وأرمينيا، وتركيا، حيث شكّل مؤتمر شرم الشيخ الأخير نموذجًا لهذا المسار، هنا تدخل فنزويلا كجبهة بعيدة جغرافيًا، لكنها شديدة الحساسية استراتيجيًا.
ومن الشواهد على احتواء روسيا: إبقاء الصراع الأوكراني بلا حسم، واستنزاف موسكو سياسيًا وعسكريًا (واستهداف مركز إقامة بوتين ليس صدفة)، تجربة فنزويلا نموذج لتطويع الدول المعاندة للتموضع الأميركي وضرب مشروع البريكس في مهد تمدده، الحديث الجدي عن الوجود العسكري في غرينلاند ليس تفصيلًا، بل جزء من تطويق روسيا، احتواء إيران مقدّمة مهمّة لهذا المسار.
إيران وروسيا بوابتان إلزاميتان لاحتواء الصين، ومن الشواهد على احتواء الصين: تايوان رأس الحربة والفتيل الجاهز عند الحاجة، إخضاع أنظمة بحر الصين الجنوبي لمنطق التبعية أو الردع الخشن، مواجهة ائتلاف البركس، التأثير على أمن الطاقة عبر تحييد فنزويلا، المناورة الاقتصادية واختبار الخطوط الحمراء الاقتصاديّة بشكل دوريّ، دعم أنظمة حكوميّة وإجراء اتفاقات استراتيجية وتكتيكية بالاستفادة من عداءات قديمة مع الصين أو صراع حول الدور (مثل: كوريا الجنوبية، اليابان، الفيليبين، فيتنام، استراليا)، كبح مشروع الحزام والطريق عبر الشراكة الأميركية الهندية.
في الختام، ما نشهده هو محاولة لشراء عمر ثانٍ للهيمنة الأميركية، حتى لو كان ذلك عبر حروب غير محسومة، وفوضى طويلة الأمد، وتفكيك بطيء لمراكز القوة الصاعدة. فالإدارة الأميركية باتت مقتنعة أن اللحظة السياسية العالمية مواتية لتسريع خطواتها نحو أهدافها وأنّ الخطأ في هذه المرحلة لا يعني تراجع السيطرة والهيمنة بل السقوط المدوّي الذي يجرّ خلفه سقوط أوروبا وتسارع نموّ القوى الصاعدة بطريقة تعقّد مسألة المواجهة لاحقًا.
إيران تتلقى الضربات الأشد لأنها الحجر الأول في هذا الدومينو العالمي. إذًا،
هل وصل النظام الدولي إلى ذروة الحرب الباردة الجديدة، الأكثر قذارة والأكثر لا مركزية؟ هل سينجح الأميركي في تقطيع الخصوم واحدًا واحدًا؟ أم سينجح الخصوم في جرّه إلى لحظة خطأ واحدة كبرى؟ هل ستعود العمليات الأمنية غير المنضبطة إلى الساحة العالمية كونها المؤثر الأكبر تاريخيًّا على السياسات الأميركية خصوصًا الخارجيّة منها؟ التاريخ يقول: الإمبراطوريات لا تسقط حين تُحاصر بل حين تُخطئ التقدير.
النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع

التعليقات مغلقة.