فنزويلا نموذجًا ومادورو شاهدًا على البلطجة الأميركية في أبهى صورة!

18

ما حصل أمس للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، من اعتقال وامتهان للكرامة الإنسانية بتلك الصورة المهينة، يكشف، دون مواربة أو تزييف، حقيقة النظام الدولي القائم على شريعة “قوة الغاب الأميركي”، لا على القانون الدولي المزعوم، وعلى منطق الهيمنة الأميركية، لا على مبادئ السيادة والشرعية الدولية.

إن اعتقال رئيس دولة مستقلة منتخب شرعيًا، وإهانته ونقله قسرًا خارج بلاده بواسطة قوة عسكرية أجنبية، كما فعلت أميركا، يمثل سابقة غير مسبوقة في العصر الحديث، ويُسقط كليًا كل الخطابات الأميركية عن احترام الديمقراطية وشرعية الأنظمة المنتخبة وسيادة الدول وحقوق الإنسان، فما حدث هو انقلاب دولي مكتمل الأركان نفذته الولايات المتحدة بيدها العارية، وعلى مرأى ومسمع من العالم أجمع، دون أدنى اعتبار للقانون الدولي أو ميثاق الأمم المتحدة أو الأعراف الدبلوماسية التي تتغنى بها.

حيث دأبت واشنطن، لعقود طويلة، على تسويق نفسها بوصفها “راعية النظام الدولي” و”حامية الشرعية الدولية”، لكنها في كل محطة مفصلية في تاريخها تثبت أن هذه الشعارات ليست سوى أدوات ناعمة لتبرير عدوانها واحتلالها للدول من فيتنام، إلى أفغانستان، إلى العراق، وصولًا إلى فنزويلا، يتكرر المشهد ذاته، شيطنة النظام المستهدف، تلفيق الذرائع، ثم استخدام القوة المباشرة للسيطرة وإعادة تشكيل الدولة بما يخدم المطامع الأميركية.

إن الجريمة هنا لا تقتصر على اعتقال رئيس دولة وزوجته، بل تمتد إلى تكريس مبدأ بالغ الخطورة، أن أي دولة أو زعيم أو ملك يرفض الخضوع للإملاءات والهيمنة الأميركية، ويصر على قرار وطني واستقلال بلاده، سيصبح خارجًا عن القانون “قانون الغاب” من المنظور الأميركي، ويُباح استهدافه، مهما كان موقعه أو شرعيته، واستباحة سيادة دولته أمام مرأى ومسمع العالم كله.

المختلف في الحالة الفنزويلية اليوم، أن واشنطن لم تكلف نفسها عناء اختلاق ذرائع كاذبة، لذلك أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بصراحة فاضحة، النفط الفنزويلي هو الهدف، وإدارة البلاد هي الغاية، حيث قال: “سندير فنزويلا وسنجعل النفط يتدفق كما ينبغي”، هذا الاعتراف العلني يُسقط أي ادعاء أخلاقي، ويضع ما حدث في إطاره الحقيقي، عملية سرقة وسطو وبلطجة أميركية دولية علنية على ثروات شعب، والهيمنة والتحكم بقرار دولة ذات سيادة مستقلة.

إن ما شجع واشنطن على الذهاب إلى هذا الحد هو غياب الردع الفنزويلي الحقيقي، فخلال الأشهر الماضية، تعرضت فنزويلا لسلسلة من الاعتداءات العسكرية والاستفزازات والبلطجة على سفنها النفطية من قبل أميركا، دون أن يُقابل ذلك برد عملي يغيّر معادلة المواجهة، واكتفت ببيانات الشجب والإدانة، وهذا منح الإدارة الأميركية إشارة واضحة بأن كلفة التصعيد ستكون منخفضة، فكانت الضربة القاصمة الكبرى لواشنطن “إسقاط رأس النظام بالقوة”.

كما أن غياب الحليف الاستراتيجي لفنزويلا القادر على الدخول في مواجهة حقيقية مع الولايات المتحدة، وتوفير مظلة ردع عسكرية وسياسية لكاراكاس جعلها هدفًا سهلًا في حسابات واشنطن، وهذا درس قاسٍ، لكنه واقعي، في عالم تحكمه القوة، فلا يحمي الاستقلال إلا توازن القوة، لا النوايا الحسنة ولا القوانين الدولية التي هي تصبح مجرد حبر على ورق عند حاكم البيت الأبيض ما دامت لا تحقق المصالح والمطامع الأميركية المطلوبة.

إن ما حدث مع مادورو ليس شأنًا فنزويليًا داخليًا، بل رسالة تهديد مفتوحة لكل دول العالم، مفادها أن الدور قد يأتي على أي دولة، أيًا كانت، إذا خرجت عن “قانون الغاب الأميركي”، لا استثناء في هذا المنطق لأحد، ولا أصدقاء دائمون لواشنطن، بل مصالح دائمة، ومن يظن نفسه بمنأى عن هذا المصير فهو واهم، بما في ذلك تلك الدول التي ترى نفسها حليفة لواشنطن وفي مقدمتها الدول الخليجية.

اليوم يقف العالم أمام محطة تاريخية صعبة تفرض خيارين لا ثالث لهما، أما القبول بنظام دولي قائم على الهيمنة الأميركية والعبودية السياسية والاقتصادية لواشنطن، أو الشروع الجاد في بناء نظام متعدد الأقطاب، قائم على التوازن والتحالفات الحقيقية والقدرة على الردع.

إن ما جرى يفرض على الدول المستهدفة أو المرشحة للاستهداف، وفي مقدمتها الدول الرافضة للهيمنة الأميركية كإيران والصين وروسيا،أن تتجاوز مرحلة البيانات المنددة إلى مرحلة الفعل، وأن تبني تحالفات صلبة، عسكرية واقتصادية وسياسية، قادرة على كبح جماح الطغيان والعنجهية الأميركية.

وما لم يحدث ذلك، فإن ما جرى في فنزويلا لن يكون الأخير، بل مجرد حلقة أولى في سلسلة طويلة من الاستباحة الأميركية، دولة بعد دولة، ونظامًا بعد نظام، حتى لا يبقى في هذا العالم من يجرؤ على قول كلمة “لا” في وجه الهيمنة الهمجية الأميركية.

النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع

التعليقات مغلقة.