ما هي طبيعة وظيفة البرلمان اللبناني؟.. عن انتخاب “مشروعيّة” المقاومة

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

تشكّلت النسخة “الحديثة” من الـ “لبنان” هذا عام 1920، يوم قرّرت الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى، الاستيلاء المباشر على المناطق الخاضعة للدول المهزومة في الحرب، والتي كانت تتمثّل في إقليمنا بالامبراطورية العثمانية، بعدما حكمت لأكثر من خمسة قرون.

من جهة أخرى، بالتآزُر، كان يجري تحضير الأرضية المناسبة “لاحتضان” المشروع الصهيوني المنشود، الذي يبني أُسُسَ دولته القادمة، والتي سيُعلن عن إقامتها على أرض فلسطين في أيار عام 1948.

قبلها بحوالي 7 سنوات، “أُعطي” لبنان استقلالًا شكليًا، ما كان إلا تبادلًا للأدوار بعد الحرب العالمية الثانية، وشكلًا من أشكال انقلاب موازين القوى بين دول الغرب المتحالفة، مع صعود نجم الولايات المتحدة الأميركية بشكل كبير، وتنامي قدراتها وقوّتها العسكرية والسياسية والاقتصادية، ما خلق واقعًا جديدًا في العالم، واستمرّ صراعًا على السيطرة حتى تاريخ 1991، عام إعلان سقوط الاتحاد السوفياتي، القطب المشارِك في حكم العالم، وبالتالي نجاح الولايات المتّحدة في التفرّد بالهَيمنة والسيطرة على العالم، وجعل أوروبا، مهد الامبراطوريّات التي حكمت العالم عبر آلاف السنين، خاضعةً لها بالكامل.

كانت أولويّة أميركا، كما باقي الامبراطوريّات التي سبقتها، السيطرة على الموارد العالمية الفاعلة، وخصوصًا النفط والتكنولوجيا، ولسوء الحظ -أو حُسنِه- تختزن منطقتنا الاحتياطي الأكبر من النفط الخام، كما وتضمّ -مؤقتًا- “إسرائيل”، الطفل المدلّل لدى الامبراطورية الجديدة.

في خضمّ المشهد، كان لبنان لا يمتلك الكيان المستقل الذي يحدّد دوره في الصراعات بنفسه، بل كان كيانًا مستَتبعًا يُستخدم كقاعدة انطلاق للدول المستعمرة التي تتشارك المنطقة وتنهب ثرواتها تحت قيادة الولايات المتحدة الأميركية.

ومنذ العام 1948، عام إعلان قيام دولة الاحتلال الاسرائيلي بشكل رسمي، أصبح لبنان حُكمًا خاضعًا لحسابات المصلحة الإسرائيلية عند الدول الغربية التي ترعى دولة الاحتلال، وتسيطر في نفس الوقت على الكيان اللبناني. وقد ارتكبت “اسرائيل” منذ تلك الفترة مئات المجازر بحق المدنيّين الجنوبيّين العزّل في ذلك الوقت، وكان أوّلها مجزرة بلدة حولا الجنوبية عقب النكبة، والتي راح ضحيّتها عشرات الأطفال والنساء والشيوخ. وفي حزيران عام 1982، احتلّ العدو الاسرائيلي لبنان بشكل مباشر، وسيطر عسكريًا على جزء كبير من أرض الوطن، وبدأت في حينها نواة مقاومة حزب الله.

في الحقيقة، إن الحديث عن أي استحقاق وطني، كانتخابات نيابية أو تسمية حكومة أو انتخاب رئيس جمهورية، أو أي نشاط يخصّ إدارة الكيان اللبناني، يجب أن يأخذ في عين الاعتبار عند قراءته، السّردية التاريخيّة الحديثة منذ عام 1920، ولا تنتهي في 17 تشرين عام 2019، فتلك محطّات اعتيادية في كيانٍ مصنوع، لم يشارك أهله في صنعِه.

من هذا المنطلق، يأتي استحقاق الانتخابات البرلمانية الأسبوع المقبل، والتي ستُنتج مجلسًا جديدًا، بنفس المضمون والأشخاص، وسط جوٍّ مشحون لدى كافة الأفرقاء المعنية بالاستحقاق، وظهور لاعب جديد، غير فعال، هو المجتمع المدني بنسخته التشرينيّة.

وكما في كل مناسبة، ينقسم اللبنانيون حول الخيارات السياسية، وتصطفّ الفرق المتنافسة حول مشاريعها، ويكون الخطاب الطاغي سياسيًا تعبويًا يحمل بين طيّاته استهداف المشروع الآخر ومحاولة اقصائه انتخابيًا وانتزاع الشرعية الشعبية عنه.

هكذا إذًا، يصبح المشهد الانتخابي صراعًا مشاريعيًا ليس تشريعيًا، وليس صراعًا “تقنيًّا” حول إدارة النظام. وهذه هي الحقيقة الفعلية للانتخابات النيابية في لبنان، أو لأي دولة تقبع تحت سيطرة دول الهيمنة ولا تمتلك قرارها بيدها. فدور المجلس النيابي لدينا يختلف عن دور الجمعية الاتحادية السويسرية مثلًا (السلطة التشريعية السويسرية)، ويختلف أيضًا عن مجلس البرلمان السويدي، إذ إننا دولة مستَتبعة، تهيمن عليها الدول الغربية التي تسيطر على العالم، ولا نمتلك قرار وظيفة التشريع وإقرار النظام، ولا مسموح لنا أن نتخطّى الخطوط الحمر الاستراتيجية على حدود اسرائيل. فممنوع أن نسلّح الجيش، وممنوع أن نعطي رأينا إذا شنّت السعودية حربًا هوجاء على أطفال اليمن، وممنوع وممنوع… حتى أن النظام الحالي اشتُقَّ من تسوية سياسية عربية دولية، شارك في الطبخة دولٌ عدة، على رأسها أميركا والسعودية وبمشاركة فعالة من سوريا.

ربما يتنطّح جهبذٌ من هنا أو هناك متهكّمًا، ليسألني “هل التشريعات الصغيرة تحتاج إلى موافقة أميركية”؟ ليكون جوابي له “كلا” بالطبع، لكن أزمتنا ليست هنا، ليست في إقرار الكابيتال كونترول (على وجوب إقراره من بداية الأزمة) وإقرار قانون الإثراء غير المشروع مثلًا، معظم تلك القوانين مقرّة، في لبنان قانون لمكافحة الفساد، هل تصدقون؟ المشكلة في مكان آخر كليًا، في السلوك الاستراتيجي الذي يكوِّن دور لبنان في المنطقة، ودوره في صراع أميركا ضد دول المنطقة. المطلوب من لبنان أن يكون خاضعًا بالكامل، فاقدًا لصلاحية اتخاذ القرار وإبداء الموقف.

في لبنان، لا زال بعض الشباب لا يصدّقون أننا قابعون تحت حصار الامبراطورية، لا بل يبنون سرديّاتهم على أن الأزمة باطنها تقني، تحتاج فقط إلى فنجان من القهوة على شرفةٍ مطلّة، وكتابة خطة نهوض خيالية كأننا نعيش في مدينة فاضلة معزولة عن اهتمامات دول المركز. وهنا تكمن الأزمة البنيوية، الوعي، منشأه ومصدر تركيبته. تخيّل أن بعض المجموعات التي ظهرت عقب حراك 17 تشرين، كوّنت وعيَها من خلال حاويات الاعلام المدفوع، والسوشل ميديا الموبوءة، وبولا يعقوبيان وديما صادق وغيرهما من “أعلام” الثورة المزعومة.

تخيّل أن النخب التي استفادت لأعوامٍ طوال من أركان النظام اللبناني الفعلي، رفعت أعلام الثورة وصارت في موقع التأثير. لذلك لا يمكن أن نقود معركة الخيار السياسي الذي نتّبعه من دون وعي وحكمة ومعرفة واطلاع.

بالعودة إلى استحقاق الانتخابات، وكما قال سماحة السيد حسن نصر الله إن المعركة التي تواجه المقاومة لا تحتاج هذه السنة إلى الشرح (انتهى الاقتباس من حديث سماحة السيد)، بل إنها جليّة أمام ناظرنا. ونرى أن الحملات الانتخابية لخصوم المقاومة قائمة على تحدّي من لديه طريقة أسرع للتخلّص من سلاح حزب الله، وهي العقبة التي لا زالت تقف في وجه مشروع التطبيع والسلام مع العدو الاسرائيلي.

الفريق الآخر يريد الانتخابات محطة لمحاصرة المقاومة عبر التحشيد ضدها ومحاولة عزلها وتثبيت عدم شرعيتها الشعبية (وسيخيب ظنهم طبعًا)، ويريد أن يحصل في السياسة على ما لم يحصل عليه في حرب تموز.

السعودية، كما هو معلوم، تضخ أموالها على القوات اللبنانية، وأميركا تدير مجموعات المجتمع المدني بغالبيتهم الساحقة، ويصبّ الاثنان في مجرى مواجهة حزب الله خدمة للمشاريع المعادية، والتي تهدف بنهاية المطافة إلى إقامة السلام المزعوم مع العدو الصهيوني. وبذلك يصبح الصوت في الانتخابات بمثابة رصاصة في صدر العدو المتربّص، واللائحة التي تدعمها المقاومة تمثّل جزءًا من حلفها داخل المجلس.

وهنا يُفتح الباب على نقاش آخر، هناك من يقول “حسنًا، نحن نلبّي المقاومة بالدم، لكن ماذا عن مكوّنات اللائحة الأخرى؟”، وماذا عن بعض الحلفاء الذين يشكّلون رمز النظام منذ عشرات السنين؟ وماذا عن المصرفيين في اللوائح؟

بكل بساطة، اللوائح الانتخابية عند الجميع يجب أن تراعي المكوّنات الاجتماعية داخل النظاق الجغرافي، والبديل عنها هو الفوضى والتشتُّت، وصبغة ذلك التحالف محصورة في الانتخابات فقط، وقد تبيّن ذلك في المجلس النيابي الحالي والمجالس السابقة، حيث لا وجود لأكثرية فعلية سوى حول موضوع المقاومة، إن كان متبنّيًا أو خصمًا، وهذه هي فكرة “الالتقاء الاستراتيجي” لأعضاء اللائحة، حول تبنّي مشروع المقاومة أو تبنّي المشروع المعادي، إذ إن لكل جهة سياسية رؤيتها السياسية الخاصة، قد تلتقي مع الآخرين من الحلفاء والخصوم. ومن جهة أخرى، ومن حيث التجربة، لا يُحكم لبنان بأكثرية وأقليّة، هو نظام مبني على التوافق، ربما هي نقطة ضعف في حسابات معيّنة، لكنها تشكّل الإجراء الواجب في بلدٍ يحتوي على كل هذا التنوّع.

شاءت الظروف أن نُخلَق في لبنان، في المنطقة التي زرعت لنا دول الغرب فيها كيانًا توسّعيًا يريد الاستيلاء عليها وسرقة خيراتها ومقدّراتها، وصار هذا المشروع الوُجهة والهدف لكافة الدول الغربية التي تهيمن على العالم والمنطقة، وبما أن المقاومة أسقطت هذا المشروع المنشود، صارت هي محطّ أنظار الدول المعادية المتربّصة بنا، وعندها أصبح الطبيعي أن يكون الفرز مع مشروعها وضدّه. هذه هي حقيقة الصراع في لبنان، مهما حاولنا التعامي أو التخفّي وراء أصابعنا، وهذه هي طبيعة الاستحقاقات فيه.

أما عن دور المجلس النيابي في إصلاح الأزمة الداخلية، فربما يتم التطرّق إليه في مقال آخر، وهو مرتبط أيضًا بمسار الهيمنة والاستعمار السياسي، إذ إن النظرية المنطقية تقول لا مكان للإصلاح في منطقتنا إلا من خلال الاستقلال والتخلّص من الهيمنة السياسية، وإنشاء قوة الردع مع العدو الصهيوني، المُفعّلة حاليًا، والمحافظة عليها لأنها العنصر الأبرز في بناء الدولة والتقدّم.

بناءً عليه، يُصبح المجلس النيابي جزءًا من مسار الحكم في لبنان، وله تأثير محدود، هذه هي طبيعة النظام “المصنوع”، الذي لم نشارك نحن اللبنانيون في صناعته إلا من حيث الشكل، وتم إسقاط المضامين علينا من فوق، بما يتناسب مع مصالح المشاريع المتربّصة بنا، ويضمن الهيمنة على القرار السياسي بحيث لا يشكل خطرًا على مصلحة اسرائيل.

وبناءً عليه أيضًا، يصبح الاقتراع في لبنان مرتبطًا بدعم مشروع على حساب مشروع آخر، ويصبح اقتراع لوائح المقاومة فعلًا داعمًا لشرعيّتها وحامًا لمشروعيّتها ووجودها. يريد الفريق الآخر محاصرة المقاومة ومواجهتها بشكل مباشر من خلال المؤسسات الشرعية اللبنانية. وللصدفة، مرت منذ يومين ذكرى 7 أيار، حين اضطرّت المقاومة للدفاع عن سلاحها، بعد قرار حكومة السنيورة عام 2008 ملاحقة كل من له صلة بشبكة الاتصالات التابعة للمقاومة، وإعطاء التوجيه للجيش بتوقيفه، وهذا ما كان سيجرّ إلى خطر محدق، ليس على السلاح فحسب، بل إن الامور كانت ستتدحرج إلى مواجهة بين المقاومة والجيش، مع ما لها من تبعات كارثية على السلم الأهلي اللبناني.

وإن كانت المقاومة تحمينا من خلال إرساء معادلة ردع قائمة مع العدو الاسرائيلية تجعله يرتدع عن استهدافنا، فإن واجبنا الأخلاقي كجمهور لها أن نلبّي نداءها حين تحتاجنا، ونحن الذين نحتاجها كأصل لوجودنا، ونلتف حولها متمسّكين بمشروعها، ومساندين مسارها في كل المراحل، لأنه، وبكل بساطة، لا وجود لنا من دون المقاومة، ولا وجود للدولة من دون المقاومة.

النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.