المعركة بين الحروب.. إخفاق استراتيجية إسرائيل في سوريا

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

مقدمة

“المعركة بين الحروب”، هو العنوان للمعركة التي تخوضها “إسرائيل” في سوريا، وتهدف من خلالها إلى منع تعاظم قوة المقاومة في لبنان، ومنع أي تموضع عسكري لمحور المقاومة في سوريا والمنطقة، يتعلق بحرب قد تخاض في مواجهتها، ومنع دمشق من استعادة قدراتها العسكرية (التسليحية منها والتجهيزية)، التي يعتقد الإسرائيليون والأميركيون أنها تعرضت لضربات كنتيجة للحرب الدائرة على مدى عقد من الزمن.
الحرب التي تخوضها “إسرائيل” لم تكن أحادية، فهي استعانت بالولايات المتحدة الأميركية وقوى إقليمية، وفصائل إرهابية مسلحة لتحقيقها.

بدءًا من عام ألفين وأحد عشر، أخذ الإسرائيليون على عاتقهم تمهيد الأرضية لمعركتهم، والتي ببعدها الاستراتيجي، إن نجحت، يفترض أن تؤدي إلى منع تعاظم قوة المقاومة في لبنان، وتسلحها بسلاح “كاسر للتوازن” وقطع الطريق بينها وبين الحلفاء في إيران، وبالتالي تهيئة الظروف لتوجيه ضربة قاصمة لها، في حال تحققت الأهداف الرئيسية التي تكمن خلف إشعال الحرب في سوريا والعدوان عليها.

مرت “المعركة بين الحروب” التي تخوضها “إسرائيل” بمراحل عدة، مع اتساع دائرة الحرب في سوريا، وازدياد القوى المشاركة فيها، ودخول حزب الله تحديدا على خط الاشتباك، وتقديم إيران الدعم المادي والعسكري والاستشاري، ودخول روسيا الاتحادية إلى ساحة القتال، كل هذه العوامل أدت إلى تبعثر الآمال الاسرائيلية المعقودة على ما يجري هناك، وعلى الضربات التي كانت توجهها بين الحين والآخر.

ما أعلنه رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو، منتصف عام 2020، عن وجود صواريخ دقيقة تصنع في لبنان، يؤكد أن الكيان فشل في هذه الحرب، ناهيك عن أن مشهد المنطقة والتحولات التي تحصل فيها، لا سيما ما كشفته معركة سيف القدس، يشير إلى أن “إسرائيل” تعرضت لعدة ضربات وعلى رأسها الضربات الاستخباراتية.

في هذه الدراسة التوثيقية، نتناول المراحل التي مرت فيها “المعركة بين الحروب”، وكيف مهد الإسرائيليون لها؟ وبالتعاون مع من؟ كذلك نبين مكامن الفشل فيها، خاصة وفق ما أتى على لسان الإسرائيليين أنفسهم، وتقييم مدى تحقق الأهداف التي خيضت من أجلها، لنصل إلى خلاصة وواقعية المشهد، بعد عشر سنوات من بدئها.

تمهيد
مع بدء العدوان على سوريا عام 2011، اجتمعت القوى الإقليمية والغربية، على تحقيق مجموعة من الأهداف المشتركة وغير المشتركة في تلك الساحة. ترأست الولايات المتحدة الأميركية إدارة الهجوم، فحوصرت سوريا وأوعز لدول العالم، خاصة التي تدور في الفلك الأميركي، مقاطعة دمشق دبلوماسيًا وسياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا. ومنذ الشهور الأولى، توفر أمام دمشق وحلفائها قراءة معمقة لأهداف كل دولة تشارك في هذا العدوان. كانت الخلاصات واضحة، وبالتالي يجب تهيئة الأرضية للتعامل مع هدف كل دولة تعادي دمشق. من بين تلك الأهداف التي لوحظت هي إسقاط الدولة ككل وتفتيتها، وهو الهدف الأقصى الذي يحقق، إن تم، مجمل الأهداف لمختلف دول العدوان.

“إسرائيل” الكيان المقام على أرض فلسطين المحتلة، والذي تربطه عداوة تارخية ومنذ نشأته مع سوريا، وضع أمامه رزمة من الأهداف التي يريد تحصيلها وهي:

  • ضرب قدرات الجيش السوري التسليحية والنوعية.
  • قطع طريق إمداد المقاومة في لبنان وكشف ظهرها.
  • منع وصول سلاح “كاسر للتوازن” إلى المقاومة (أسلحة دقيقة – أنظمة دفاع جوي – صواريخ نوعية تتعلق بالبحر – تقنيات عسكرية متطورة – وتكنولوجيا تصنيع)
  • إبعاد الجمهورية الإسلامية عن “حدوده” (كما يصف).
  • إنشاء منطقة “حزام أمني” مع الجولان السوري المحتل تمتد إلى عمق ما بين 40 و80 كيلومترا (مرتبطة بالمتغيرات).

ولتحقيق هذه الأهداف، كان لا بد من الانخراط في العدوان بشكل غير مباشر ولاحقا بشكل مباشر.
عمل الإسرائيليون على دعم مجموعات إرهابية مسلحة، من بينها “جبهة النصرة” وفصائل أخرى في جنوب البلاد، لتحقق لهم عدة أهداف تمهد الطريق للدخول المباشر على خط الصراع، وهو ما تمثل عام 2013 ببدء تنفيذ سلاح الجو الإسرائيلي ضربات في العمق السوري، وصل إلى حد تحليق طائراته في أجواء العاصمة السورية دمشق.

الخطوة الأولى: تمهيد الأرضية ودعم الإرهابيين جنوبًا
مع بدء الأحداث في سوريا، ووضوح التدخل الخارجي الدافع نحو العنف المسلح، بدأت تتبلور نواة مجموعات إرهابية مسلحة، تحت مسميات مختلفة، ترفع شعارات لها بعدها الطائفي والمذهبي الواضح، والداعية عملا وقولا إلى إسقاط الدولة وكشفها أمام القوى الخارجية.

أواخر عام 2011 ومع تطور وتوسع رقعة سيطرة المجموعات الإرهابية المسلحة، وارتفاع وتيرة الدعم الخارجي التسليحي لها، في مختلف أنحاء البلاد، وتصعيد عملياتها وهجماتها ضد مواقع الجيش العربي السوري وقواعده العسكرية، بدأت دمشق وحلفاؤها يتلمسون سرعة سعي الإسرائيليين إلى تحقيق أهدافهم.
في تلك المرحلة – أي ما بين 2011 و2012 – تركز جزء من عمل المجموعات الإرهابية المسلحة على ضرب القواعد العسكرية السورية، ومنها كتائب الدفاع الجوي السوري، الذي سيسمح تحييده بكشف الأجواء السورية للطيران المعادي، سواء أتى من جهة الكيان الإسرائيلي جنوبا أو تركيا والناتو شمالا، أو الأميركي شمالا وغربا وشرقا.

وفي فترة وجيزة (أقل من سنة)، نجحت المجموعات الإرهابية المسلحة وبتنسيق كامل مع الإسرائيليين والأميركيين (غرفة الموك)، في تدمير مختلف قواعد أنظمة الدفاع الجوي السوري في جنوب البلاد، وصولا إلى تخوم العاصمة، وتزامن الأمر مع سقوط مختلف كتائب الدفاع الجوي في وسط البلاد، والمناطق القريبة من الحدود شمالا.

لم يكن عمل المجموعات الإرهابية عشوائيا، فالمعلومات تشير بشكل واضح إلى إدارة خارجية، من أجل تحقيق أهداف لا علاقة لها بما يجري في داخل سوريا، إنما تتعلق بأهداف استراتيجية تطمح “إسرائيل” إلى تحقيقها في أسرع وقت ممكن.

من بين الأمور التي كانت لافتة أيضا، هو تركيز المجموعات الإرهابية المسلحة على عمليات الاغتيال التي طالت ضباطا من رتب مختلفة، يعملون في إدارة الدفاعات الجوية السورية وسلاح الطيران، وهذا الأمر كان واضحا أنه يصب في خانة تعزيز الأوراق الإسرائيلية بشكل أساسي. في هذه النقطة تشير المعلومات إلى إدارة مشتركة لعدة دول، وأجهزة استخبارات عربية وغربية في عمليات التصفية.

وكما أسلفنا، فإن كشف العاصمة السورية دمشق، ومن عدة اتجاهات، سمح للإسرائيليين بالانتقال إلى مرحلة التدخل المباشر لضرب بنك أهداف وعلى عدة مراحل، بعدما أفقد العمل التخريبي – المشترك بين المجموعات الإرهابية وأجهزة الاستخبارات المعادية – سوريا القدرة على التعامل مع الأهداف الجوية.

الخطوة الثانية: بدء الانخراط المباشر وتنفيذ الغارات
إن كشف جنوب البلاد جويًّا، إلى ما بعد حدود العاصمة، دفع بالكيان الإسرائيلي إلى تنفيذ أول غارة جوية في جمرايا، القرية التي تقع إلى الشمال الغربي من مدينة دمشق.

وقد استهدفت الغارة، التي وقعت في ال 31 من كانون الثاني عام 2013، مركز البحوث العلمية. لم تعلن “إسرائيل” المسؤولية، لكن إعلامها وبعض الباحثين في مراكز دراسات عسكرية واستراتيجية في تل أبيب، لوحوا وألمحوا إلى أن الغارة نفذتها تل ابيب، واستهدفت شحنة أسلحة متطورة كانت في طريقها إلى حزب الله في لبنان. واقعا، تعاطى الإسرائيليون مع العدوان بشيء من التلميح، وكانت غارة جمرايا فاتحة الخطوة الثانية من “المعركة بين الحروب” التي بدأها الإسرائيليون.

يومها، حدد الإسرائيليون هدفهم؛ بمنع تزود المقاومة في لبنان بأسلحة كاسرة للتوازن، سواء تلك التي تشحن من مصانع الجيش السوري إلى لبنان، أو التي تأتيه من إيران عبر سوريا، بحسب زعم الإسرائيليين.

صحيح أن معركة منع تسلح المقاومة بأسلحة كاسرة للتوازن قد بدأتها “إسرائيل” عمليا عام 2011 لتوفر الظروف المساعدة، لكنها لطالما ألمحت لها قبل ذلك الزمن، يمكن أن نستذكر ما قاله “ايهودا باراك” عام 2009، وهو كان يشغل منصب وزير الحرب: “قلنا أكثر من مرة، هناك منظومات من السلاح إذا هربت من سوريا إلى لبنان، فإنها ستغير التوازن القائم على الأراضي اللبنانية وفي سمائها أيضاً، وهذا يوجب على إسرائيل أن تدرس ردها، وأكثر من ذلك لم نقل شيئا ومن الأفضل ألا نقول شيئاً”.

من هنا، يمكن الإشارة إلى توسع المعركة الأمنية بين محور المقاومة والكيان، والتي شكلت سوريا إحدى أهم ساحاتها.

مراحل المعركة بين الحروب وتطورها

المرحلة الأولى: كما أشرنا أعلاه، امتدت من عام 2011 إلى بداية عام 2013 ويمكن تسميتها بمرحلة “تمهيد الأرضية”، وتمثلت بدعم مجموعات إرهابية مسلحة؛ تسليحيًا، واستخباريًا وعسكريًا، وتكثيف عملية جمع المعلومات الاستخبارية.

المرحلة الثانية: امتدت من عام 2013 إلى نهاية عام 2016.
تركزت التصريحات والدراسات الإسرائيلية والتوصيات الأمنية في هذه المرحلة، على منع وصول سلاح “كاسر للتوازن” إلى المقاومة في لبنان. وعمد الإسرائيليون إلى تنفيذ غارات تستهدف مواقع عسكرية، ومراكز بحوث علمية وأحيانا شاحنات نقل، يزعم الإسرائيليون أنها تنقل سلاحا إلى لبنان.

وكانت الغارات الجوية الإسرائيلية في العمق السوري، تتزامن مع اعتداءات تتركز في جنوب البلاد، تحديدا في المناطق المتاخمة لحدود الجولان السوري المحتل، وكانت بمثابة دعم وإسناد للمجموعات الإرهابية المسلحة التي تحاول السيطرة على كامل المنطقة، وطرد الجيش السوري وحلفائه منها. وهو هدف إسرائيلي، يمهد الأرضية أمام تل أبيب لإنشاء “حزام أمني” على غرار ذلك الذي كانت شيدته في جنوب لبنان، بدءا من عام 1978 وسقط عام 2000، وهو أمر طرحه الإسرائيليون، وناقشوه في مراكز أبحاثهم في السنوات الأخيرة من الحرب السورية كمقترح.

في هذه المرحلة نفذ الإسرائيليون أربعين (40) “ضربة” جوية وبرية، توزعت في جنوب البلاد (القنيطرة، ريف دمشق، ومناطق الوسط في حماة وحمص).

المرحلة الثالثة: بدأت نهاية عام 2016 وهي ممتدة حتى الآن (2021). في هذه المرحلة، أي منذ نهاية عام 2016 وحتى كتابة هذه الدراسة التوثيقية، نفذ الإسرائيليون 158 ضربة توزعت على مختلف الأراضي السورية، وكانت إسرائيل تزعم، بعد الاعتراف بوقوفها وراء هذه الضربات على لسان بنيامين نتنياهو، أنها تستهدف قوافل سلاح قادمة إلى لبنان، وتموضعا “إيرانيا” في سوريا.

في نهاية عام 2016، ومع نجاح سوريا وحلفائها بمشاركة روسيا في تحرير مدينة حلب شمال البلاد، ووضوح دور قوى المقاومة، والدور الإيراني الكبير في عملية دحر الإرهاب، ومع مواصلة تأمين مناطق عدة داخل البلاد، شعر الإسرائيليون بشيء من الخيبة، فتل أبيب التي كانت تراهن على سقوط دمشق وإبعاد إيران عن “حدودها” بل وكامل سوريا، ومحاصرة حزب الله في لبنان، بدأت تتلمس نتائج عكسية، فمجريات الأحداث، في تلك المرحلة، كانت تبين انقلابا في موازين القوى لمصلحة سوريا وحلفائها، وهو ما يعني أن الوجود الإيراني الشرعي والاستشاري، ووجود المقاومة في سوريا، باق إلى جانب الحليفة دمشق، وسيعيد بناء منظومة محور المقاومة بشكل أدق وأعمق، لدرء المخاطر الداخلية والخارجية.

هنا، ومع مواصلة “تل أبيب” معركتها المنصبة على منع وصول سلاح كاسر للتوازن إلى المقاومة في لبنان، أطلقت معركة جديدة عنونتها كالتالي: “منع التموضع الإيراني في سوريا”.

عمل الاسرائيليون وفق هذه القاعدة على استهداف منشآت عسكرية ومدنية سورية، منها مطار دمشق، وكان الحديث يدور عن منع إيران من تعزيز وجودها العسكري. كانت تل أبيب تتحدث عن أنها لن تقبل بوجود إيران و”ميليشياتها” عند حدودها، لما يشكله ذلك من تهديد “وجودي” لها.

وكان الإسرائيليون -بحسب تصريحاتهم وأيضا الضربات التي كانت تنفذ- يتلمسون تموضعا إيرانيا- سوريا (ولقوى المقاومة في سوريا أيضًا)، لا علاقة له بالحرب ضد المجاميع الإرهابية المدعومة عربيا وغربيا وإسرائيليا، إنما يتعلق بإعداد وتجهيز الأرضية لحرب كبرى في المنطقة قد تقع في أية لحظة، وهذه الحرب إن وقعت، بحسب الإسرائيليين ونظرتهم، ستكون “إسرائيل” أكثر المتضررين منها، فهي ستحارب على مساحة جغرافية واسعة، ضد تنظيمات مقاومة وأيضا ضد دولتين، هما سوريا وإيران.

لم تكن المعركة في هذا المجال سهلة، تعامل الإسرائيليون معها وفق محاذير عدة، فالتمادي والخطأ في التقدير قد يشعلان حربا في المنطقة، رغم انشغال محور المقاومة في حربه على الإرهاب والتي كانت في ذروتها.

للتدليل على ما أوردناه يمكن ذكر ما أورده كل من: “غادي أيزنكوت”(شغل منصب رئيس الأركان في جيش العدو)، وزميله العقيد في الاحتياط والباحث في “معهد دراسات الأمني القومي”، حيث يدير برنامج الشؤون العسكرية والاستراتيجية والأمن السيبراني “غابي سيبوني”، في مقال بحثي لهما نشره “معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى”، تحت عنوان: “المعركة بين الحروب”: كيف أعادت “إسرائيل” رسم استراتيجيتها للتصدي للنفوذ الإيراني “الخبيث” في المنطقة.

في المقال، الذي نشر بتأريخ 4-9-2019، يقول الكاتبان: “تنبع معظم التحديات الأمنية الحالية لإسرائيل من تهديد واحد، وهو مطامع الهيمنة الإيرانية في الشرق الأوسط. ولا تتجلى هذه المطامع في أنشطة النظام النووية العسكرية فحسب، بل في مساعيه لنشر الأسلحة وبناء محاور نفوذ في اليمن والعراق وسوريا ولبنان وغزة ومناطق أخرى أيضاً. وعلى وجه الخصوص، سعت إيران إلى تحسين ترسانتها من الصواريخ الدقيقة ونيران المواجهة الأخرى وتوسيعها، ويعود ذلك جزئياً من أجل تصدير هذه الأسلحة إلى الفصائل الشيعية المسلحة في جميع أنحاء المنطقة.

ولكي تواجه إسرائيل مثل هذه التهديدات، وتعزز في الوقت نفسه قدرتها على التطور في أوقات الهدوء، دأبت إلى الحفاظ على ما تعتبره روتيناً أمنياً معقولاً. وجرت العادة بتطبيق هذا الروتين من خلال العمليات الدفاعية المناطقية، والمساعي التي تهدف إلى إبطال التهديدات دون أن ترقى إلى مستوى الحرب، ولكن تم تعزيز هذا الروتين في الآونة الأخيرة من خلال ما أسماه “جيش الدفاع الإسرائيلي” بـ “المعركة بين الحروب””.

فيما أورداه هنا، تتبين الزاوية التي انطلاقا منها لقراءة المشهد، وهي زاوية تصب جل اهتمامها على منع التهديدات الأمنية المستجدة الآتية من الشمال (أي لبنان وسوريا)، ودور قوة القدس في تعظيم وتطوير القوة التي تردع الكيان الإسرائيلي.

بغض النظر عن الاستنتاجات التي توصلا إليها، وحديثهما عن انجازات نوعية، حسبما يقولان، فإن المعركة بين الحروب، أطلقها الإسرائيليون لعجزهم عن خوض حرب شاملة، غير محسومة النتائج، وهذا ما تبينه الأحداث الجارية في المنطقة.

مدى نجاح “إسرائيل” في تحقيق أهداف حملتها
تشير المعطيات والوقائع كافة إلى أن أهداف هذه المعركة لم تتحقق إلى حد كبير، ويمكن الاستناد بذلك إلى تصريحات الإسرائيليين أنفسهم، تحديدا بنيامين نتنياهو الذي كان يستخدم الاستعراضات الإعلامية للتدليل على منجزات الكيان الإسرائيلي.

الهدف الأول: منع وصول السلاح الكاسر للتوازن
بتاريخ 29-9-2020، وفي مؤتمر صحافي له، يكشف رئيس وزراء العدو السابق “بنيامين نتنياهو” عن وجود منشأة لتصنيع صواريخ دقيقة تابعة لحزب الله في وسط بيروت، بالقرب من إحدى شركات الغاز. يومها وبعد وقت وجيز كان هناك خطاب لسماحة السيد حسن نصر الله، فطلب السيد خلاله مباشرة من وسائل الإعلام المحلية والعربية والعالمية، التوجه إلى المكان الذي أشار إليه نتنياهو، والتصوير مباشرة على الهواء. ونتيجة ذلك تبين أن المنشأة عبارة عن “مخرطة” يملكها شخص لبناني، ولا وجود لكل مزاعم نتنياهو التي استعرضها خلال مؤتمره الصحافي، وكان يخاطب فيه الولايات المتحدة الأميركية والرأيين اللبناني والعالمي، ويستغل انفجار مرفأ بيروت للتصويب على حزب الله، تماهيا مع الحملة التي كانت تشن ضد الحزب داخلياً وخارجياً، للتصويب عليه وتعمية حقيقة ما جرى في المرفأ.
ما قاله نتنياهو يومها، وعن قصد أو غير قصد، شكل مادة حقيقية واعترافاً واضحاً بفشل الكيان الإسرائيلي بشكل كبير في المعركة بين الحروب التي يديرها في سوريا، واعترف بعجز استخباري في هذا الصدد، فمجرد الحديث عن وجود صواريخ دقيقة في لبنان، والتأشير إلى نقاط مفترضة تصنع فيها، فهو يؤكد أن “المعركة بين الحروب”، التي كانت تهدف إلى منع وصول سلاح كاسر للتوازن إلى لبنان، قد فشلت وأن “السلاح الدقيق” بات في لبنان.

وعند الحديث عن الكميات، نستند إلى ما قاله السيد حسن نصر الله عندما أشار إلى تضاعف الكمية بمرتين على ما كانت عليه قبل عام، وهو كان يتحدث بتاريخ 28 من شهر كانون الأول عام 2020 في حوار العام على شاشة قناة الميادين.
ما كشف عنه السيد حسن نصر الله، الذي كان قد هدد قبل أعوام بإمكانية انشاء مصانع للصواريخ الدقيقة، في حال زج الأميركيون هذه المسألة في مفاوضة لبنان على حقوقه في النفط والغاز، وهو ما كان يتحدث به “دايفيد ساتيرفيلد”، الوسيط الأميركي في مرحلة معينة لدى لقائه المسؤولين اللبنانيين، يشكل أيضا مستندا يؤكد على عجز إسرائيلي واضح، في منع تسلح المقاومة بمختلف صنوف الأسلحة طيلة فترة “المعركة بين الحروب”.

الهدف الثاني: منع تموضع محور المقاومة في سوريا
أولا، يجب الإشارة إلى أن تموضع قوى المقاومة والمستشارين الإيرانيين في سوريا، تركز -وما زال- على ضرب “الإرهاب” أحد أهم الاسلحة الأميركية والخليجية والإقليمية والإسرائيلية لإسقاط سوريا.

كانت المعركة في سوريا تحتاج إلى إمداد لوجستي كبير، وإنشاء مواقع ومراكز لإدارة العمليات، وبعض صنوف الأسلحة التي يمكن وصفها بالاستراتيجية، وكذلك سلاح الطيران المسير، الذي أدارته مختلف القوى العاملة ضد الإرهاب في سوريا، وعلى رأسها المستشارون الإيرانيون.

للوصول الى نتيجة حول نجاح أو فشل الكيان الإسرائيلي في منع ما يسميه تموضع إيران و “ميليشياتها” في سوريا، يجب أن نستعرض بعض الحوادث التي حصلت بفعل العدوان وتبعاتها.

الحادثة الأولى: اعتداء القنيطرة
بتاريخ 18-1-2015 استهدفت مروحيات العدو الإسرائيلي موكباً يضم مقاتلين من حزب الله، وعددًا من القادة اللبنانيين، وآخرين من الحرس الثوري الإيراني. أسفر الهجوم الذي وقع في مزارع الأمل قرب مدينة القنيطرة جنوب البلاد، إلى استشهاد ستة عناصر من حزب الله بينهم القيادي البارز محمد عيسى، واستشهاد الجنرال في الحرس الثوري الإيراني محمد علي الله دادي.

هذا العدوان، كان خطأ في التقدير، حاول الإسرائيليون من خلاله تثيبت قواعد اشتباك، تمنحهم اليد العليا في استهداف عناصر المقاومة والمستشارين الإيرانيين في سوريا، لكن طموحهم هذا ضرب في مقتل بعد توعد حزب الله بالرد.

بعد عشرة أيام من العدوان، وفي صباح 28-1-2015، وحيث توقع العدو الإسرائيلي عند الحدود مع مزارع شبعا اللبنانية المحتلة، وفي ظل استنفار كبير له، نفذ حزب الله ضربة نوعية وموجعة، أسفرت عن مقتل جنديين وجرح ما يزيد عن العشرة بجروح مختلفة، وتدمير آليتين عسكريتين إسرائيليتين من نوع هامر باستخدام صواريخ “كورنيت”.

عملية حزب الله حملت أبعاد عدة، أبرزها أنها منعت تل أبيب من فرض قواعد اشتباك تمنحها وتسمح لها بالتمادي وحرية الحركة في سوريا. يومها، أعلن الأمين العام لحزب الله، أن أي استهداف إسرائيلي لأي من مقاتلي حزب الله وفي أي مكان، فإن المقاومة الإسلامية سترد وفي المكان الذي تريده.

نجحت المقاومة الإسلامية بفرض قواعد الاشتباك التي تكبل يد الإسرائيليين، الذين اكتفوا يومها بالصمت، واعترف معلقوهم بالفشل وحصد الخيبة.

هذه المعادلة، دفعت الإسرائيليين لاحقاً إلى احتساب خطواتهم بدقة قبل أي عمل يقدمون عليه في سوريا.

الحادثة الثانية: اغتيال القائد سمير القنطار
منذ تحريره من السجون الإسرائيلية، لم تخف “إسرائيل” نيتها الاقتصاص من سمير القنطار. ومع اشتعال الحرب في سوريا، اختار القيادي في المقاومة سمير القنطار العمل من أجل تحرير فلسطين.

عندما تحرر وقف في ملعب الراية في ضاحية بيروت الجنوبية، وأطلق عبارته الشهيرة “أنا لم آتي من فلسطين إلا كي أعود إلى فلسطين”.

وجد الشهيد القنطار في التهديد الذي تتعرض له سوريا، فرصة لتهيئة مقاومة شعبية مسلحة تقاتل لاستعادة الحقوق العربية في الجولان، ومنذ ذاك الحين صار القائد القنطار هدفا للإسرائيليين.
في أكثر من اعتداء، كان الإسرائيليون يسربون أنباء عن “مقتل القنطار”، كان الأمر يعطي إشارة عن نية حقيقية لديهم لاستهدافه.

وبعد جهد استخباري، غير عادي، تمكن الإسرائيليون من تنفيذ ما أعلنوه. فبتاريخ 19-12-2015، نفذت طائرات حربية إسرائيلية معادية غارة استهدفت شقة سكنية في مدينة جرمانا بريف دمشق.، وأطلقت طائرات العدو يومها صواريخها الغادرة من فوق بحيرة طبريا، دون الدخول إلى الأجواء السورية، مع الصباح تكشف الهدف، سمير القنطار شهيدا.

استشهاد القنطار وضع الإسرائيليين في حالة استنفار، وهم توقعوا ردا من جانب حزب الله.
بتاريخ 4-1-2016، أي بعد أقل من ثلاثة أسابيع، نفذت المقاومة الإسلامية عملية أمنية نوعية في عمق مزارع شبعا اللبنانية المحتلة، استهدفت بموجبها دورية عسكرية مؤللة، على مقربة من أحد أهم القواعد العسكرية الإسرائيلية، وأسفرت عن وقوع إصابات محققة في صفوف جنود العدو وتدمير آلية عسكرية.

حمل الرد طابعا أمنيا، فهمه الإسرائيليون جيدا، وقرأوه من زاوية القدرات والجرأة التي يتمتع بها حزب الله، وإمكانية توسيع دائرة رده وبأساليب مختلفة عما يعتقده الإسرائيليون.

يومها، اكتفى الاسرائيليون بالصمت أيضا، وفرض الرد نفسه على طاولة القراءة، وتقييم النتائج لدى المؤسستين الأمنية والعسكرية.

كان هدف حزب الله، تثبيت المعادلة التي سنها بعد رده على استشهاد مقاتليه في القنيطرة بداية عام 2018.

الحادثة الثالثة: غارة “التي فور” ورد المحور في الجولان
واصل الإسرائيليون معركتهم، لكنهم أخطأوا التقدير مرة أخرى، تحديداً عندما نفذوا عدوانا جويا استهدف مطار ال “تي فور” الواقع غرب مدينة “تدمر” في شرق محافظة حمص. أدى العدوان يومها إلى استشهاد 7 ضباط في الحرس الثوري الإيراني، كانوا يديرون سلاح الطيران المسير خلال العمليات العسكرية ضد تنظيم داعش الإرهابي، التي كانت تشهدها البادية شرقي سوريا.

وقع الهجوم الإسرائيلي المعادي في التاسع من شهر أبريل 2018، دون أن تتبناه “تل أبيب” التي اكتفت باستنفار قواتها في مرتفعات الهضبة المحتلة، ويومها علق أكثر من مسؤول إيراني في الحرس على العدوان مؤكدين أن رداً آت لا محالة.
وفي ليلة التاسع من حزيران من العام، ذاته، نفذ محور المقاومة ضربة صاروخية نوعية، استهدفت عشرة مواقع عسكرية وأمنية إسرائيلية في الهضبة السورية المحتلة، كانت الأهداف منتقاة بدقة وشملت توجيه رسائل عالية المستوى.

بحسب المعطيات، تلقفت تل أبيب الضربة بخشية من تصعيد، فتواصلت مع الروس لتهدئة الوضع، مع تنفيذ رد محدود لحفظ ماء الوجه.

وأيضا، وبعد منتصف تلك الليلة، تواصل الإسرائيليون مع قوات الأمم المتحدة في الجولان لإيصال رسالة للجهة المقابلة بأن تل أبيب لا تريد تصعيدا.

شكل ذلك الرد لجماً للتمادي الإسرائيلي، صحيح أن الضربات الإسرائيلية لم تتوقف لاحقا، لكنها أصبحت أكثر حذراً، خاصة إذا تواجد عسكريون روس أو مقاومون من حزب الله أو عناصر من الحرس الثوري الايراني.

الحادثة الرابعة: غارة عقربا وعملية “أفيفيم”
بتاريخ 24-آب-2019، نفذ العدو الإسرائيلي غارة في ريف دمشق، استهدفت مزرعة في منطقة “عقربا” المجاورة لمنطقة السيدة زينب. زعم الإسرائيليون أنهم استهدفوا مقرا للحرس الثوري الإيراني، وأنهم حققوا أهداف الضربة.

مع فجر اليوم الثاني، أتت النتائج عكس ما أعلن الإسرائيليون، ما دلل على خطأ استخباري وقعوا فيه ورطهم في مشكلة، فقد أسفر العدوان في عقربا عن استشهاد مقاومين من حزب الله.
هذا العدوان، وتنفيذا لقواعد الاشتباك التي فرضتها المقاومة، دفع الإسرائيليين إلى اتخاذ تدابير صارمة عند الحدود مع لبنان. وهي التدابير التي عرفت بتدبير الـ “إجر ونص”، وهي عبارة أطلقها السيد حسن نصر الله لحظة الإعلان عن سقوط الشهداء، وترك الجيش الإسرائيلي يغرق في حالة الاستنفار المتواصل.

بتاريخ 1-9-2019، أي بعد ثمانية أيام على العدوان الاسرائيلي في دمشق، نفذت المقاومة الإسلامية وعدها، واستهدفت آلية عسكرية في منطقة “أفيفيم” عند الحدود اللبنانية مع الأراضي المحتلة.

هذه العملية حملت بعداً أمنيا كما سابقاتها، بانتقاء المكان، أي خارج نطاق مزارع شبعا حيث وقعت الردود السابقة، أسقطت المقاومة هيبة الحدود، وبالتالي أضافت نقطة مهمة على قواعد الاشتباك مفادها: إن أي استهداف لمقاتلينا في سوريا أو أي مكان، فإن ردنا لن ينحصر في مزارع شبعا إنما على طول الحدود مع الأراضي المحتلة.

الحادثة الخامسة: استشهاد علي كامل محسن
بتاريخ 20-7-2020، أخطأ الاسرائيليون استخبارياً مرة جديدة، وأثناء شنهم غارة جوية استهدفت مقرا قرب مطار دمشق، تفاجأوا بأن مقاتلين من حزب الله يتواجدون في المكان، علم الإسرائيليون بذلك بعد تنفيذ الضربة، حيث أعلن حزب الله في اليوم التالي استشهاد أحد عناصره، متوعدا بالرد.

حتى الآن، لم يتم رد المقاومة، نتيجة لحساباتها، لكن قواعد الاشتباك ما زلت مثبتة. لكن اللافت أن حزب الله وقبل أن ينفذ رده، أضاف إلى معادلة الردع مع الإسرائيليين عنصرا جديدا وهو: القتل بالقتل، وتفسيره أن المقاومة يتم ردها وينتهي حين تقتل جنودا إسرائيليين.

استنتاج
في الحوادث الخمس، نلاحظ أن المقاومة ومحورها، نجحا في تقييد عمل الإسرائيليين بشكل كبير، فهو ثبت عدة معادلات، أدخلت “المعركة بين الحروب” التي يشنها العدو بعدة مطبات؛ هذه المطبات حدت بشكل كبير من تأثير الضربات الإسرائيلية في سوريا، والتي أصبح أي خطأ فيها قد يكلف الإسرائيليين كثيرا، بالتالي، فإن الردود التي نفذت أثرت بشكل كبير على خطط العدو، ما يعني أن أهداف حملته تتآكل.

العامل الروسي


تمهيد:
منذ دخول روسيا إلى سوريا، آب 2015، لمساندة دمشق في حربها على الإرهاب، تعاطى الإسرائيليون مع حضورها كأمر واقع لا يريدونه، ولا إمكانية لتخطيه.

وأول ما أزعج الإسرائيليين وهو ما حصل فعلا، كان تقييد حرية حركة سلاحهم الجوي في الأجواء السورية، فهم أجبروا على فتح خط ساخن مع قاعدة “حميميم” الروسية، وباتوا مضطرين للإبلاغ عن أي عمل قبل الإقدام عليه تجنبا للتصادم مع الروس.
لكن رغم تقييد حرية الحركة الإسرائيلية بشل كبير، لم يوقف الإسرائيليون ضرباتهم، وهي ما دفعتهم في أكثر من مرة إلى ارتكاب خطأ في التقدير.

قبل الولوج إلى بعض الحوادث التي شكلت متغيراً جوهرياً وأضرت بـ “المعركة بين الحروب” التي تشنها إسرائيل، لا بد من التأكيد على أن موسكو ومنذ قدومها إلى سوريا، عملت على إعادة ترميم منظومة الدفاع الجوي السورية، وهو ما أزعج تل أبيب بشكل كبير.

الحضور الروسي، ورغم عدم رغبة الإسرائيليين والأميركيين به، استغلته “تل أبيب” لتحويله إلى فرصة، علها تتمكن من خلاله الحد من الوجود الإيراني في سوريا، وعليه حط بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، في موسكو أكثر من عشر مرات، كان يحاول التأثير على موسكو للحد من الوجود الإيراني ووجود حزب الله في سوريا، وأخذ ضمانات روسية بعدم تعرض الكيان الإسرائيلي لضربات من الأراضي السورية.

هذه المساعي اصطدمت بممانعة روسية لأسباب عدة أبرزها؛ أن الإسرائيليين يريدون ضمانات عدم تعرضهم للنيران من سوريا، في مقابل الإبقاء على حرية عملهم في هذا البلد، وهو ما رفضته موسكو التي أكدت، بحسب ما سرب من معلومات، أنها تضمن عدم تعرض الكيان الإسرائيلي لأي نيران من سوريا ومن أي جهة كانت، مقابل وقف الإسرائيليين ضرباتهم وخرقهم المستمر للسيادة السورية. وهذا ما رفضته تل أبيب، وبالتالي فإن الفرصة التي رأى فيها نتنياهو إمكانية تحقيق شيء ما سقطت.

مع تدعيم موسكو وجودها في سوريا، ونصبها أنظمة دفاع جوية من طراز S400 لحماية قواتها، وقدرتها على مراقبة حركة الطائرات المعادية وتشخيصها، أخطأ الاسرائيليون التقدير وبشكل أغضب روسيا التي نفذت ردا استراتيجيا.

حادثة الـ إيل 20
بتاريخ 17-9-2018، وقبل انطلاق طائرات حربية إسرائيلية معادية من أجواء فلسطين المحتلة، بدقيقة واحدة، أبلغ الإسرائيليون نظراءهم الروس عبر الخط الساخن، عن نيتهم تنفيذ ضربة غرب سوريا، قرب محافظة اللاذقية.

عمدت الطائرات الإسرائيلية يومها إلى التستر بطائرة نقل روسية من طراز “إيل – 20″، كانت تقل 15 عسكريا روسيا، وتهم بالهبوط في قاعدة حميميم، لكن تستر الطيران الحربي الإسرائيلي بها، عرضها لنيران أرضية سورية ما أدى إلى إسقاطها ومقتل جميع من كان على متنها.

وصفت موسكو الحادثة “بالعمل غير المسؤول والعدائي”، وحاول الإسرائيليون التبرير لكنهم صدموا برفض روسي قاطع لرواياتهم، وحملت موسكو تل أبيب المسؤولية الكاملة.

يومها اعتبرت وزارة الدفاع الروسية أن التصرف الإسرائيلي لا يعدو كونه “استفزازا بمثابة تصرف عدائي”.

من جانبه، قال الرئيس الروسي: “إن إسرائيل لم تسقط الطائرة”، لكنه في ذات الوقت أعلن أنه صادق على بيان وزارة الدفاع الروسية، الذي وصف تصرف إسرائيل بالعمل العدائي وتوعد بحق الرد.

الرد الروسي
لم يتأخر الرد، وأتى بشكل استراتيجي، فبعد تأخير تسليم سوريا منظومة دفاع جوي من طراز أس ثلاثمئة لاحتجاج إسرائيل عليها، وضغط مارسته واشنطن، أعلنت موسكو بتاريخ 3-10- 2018 – أي بعد أسبوعين من حادثة ال “أيل 20” – تزويد دمشق بمنظومة S300 المتطورة، كذلك أعلن وزير الدفاع الروسي أن “نظام مراقبة الدفاع الجوي الموحد في سوريا سيتم تشغليه بالكامل بحلول 20 تشرين أول 2018”.

أثار الرد الروسي غضب في “تل أبيب” وطلب نتنياهو من الروس وقف تزويد دمشق بهذه المنظومة. كذلك طالبت واشنطن موسكو بإعادة النظر بالأمر، إلا أن الرد الروسي تم وهو ما تنظر إليه “تل أبيب” بخطورة، خاصة مع شعورها بتهديد لأمنها يتصاعد في المنطقة.

وبالتوازي مع تزويد دمشق بهذه المنظومة، واصلت موسكو تدعيم وإعادة تأهيل منظومة الدفاع الجوي السوري، وهو ما كان زاد من تقييد حركة الطيران الإسرائيلي المعادي الذي بات لا يدخل الأجواء السورية إلا ما ندر، وينفذ اعتداءاته من الأجواء اللبنانية والفلسطينية.

وكانت حركة الطيران المعادي في الأجواء السورية في الأصل تتراجع شيئا فشيئا خاصة بعد إسقاط مقاتلة إسرائيلية من طراز F16 بتاريخ 12-2-2018، عندما لاحقتها صواريخ الدفاعات الجوية السورية، وإسقاطها في أجواء نهاريا شمال فلسطين المحتلة.

تحرير الغوطة والجنوب السوري 2018: إسرائيل تخفق
لم يكن خافيا أن اليد الإسرائيلية كان لها دورها في الأحداث الجارية جنوب البلاد. فالكيان الذي يحتل هضبة الجولان، كان يعمل على دعم المجموعات الإرهابية في الجنوب السوري، بمختلف مسمياتها. كان الدعم لوجستيًا وتسليحيًا واستخباراتيًا أيضًا. كذلك تنسيق عالي المستوى في إدارة العمليات للمسلحين في المناطق المتاخمة للجولان المحتل.

أنشأ العدو لهذه الغاية، غرفة عمليات مشتركة مع المسلحين داخل الجولان المحتل. كان هدف الإسرائيليين إنشاء “حزام أمني” مشابه للشريط الحدودي المحرر مع جنوب لبنان سابقا.
حاول الإسرائيليون تحقيق هذا المكتسب في مفاصل عدة دون جدوى، وكان الأميركيون يحملون الأمر في أي محادثات مع الروس في الأردن وغيرها.

في عام 2018، وبعد تحرير الغوطة الشرقية من المجموعات الإرهابية المسلحة، بدأت دمشق ومحور المقاومة وروسيا العمل على تحرير جنوب البلاد. يومها استعرت المعركة بشكل كبير، وشعر الإسرائيليون بأن أمل تحقيق أهدافهم في الجنوب بدأ يضعف.

بحسب المعلومات، وفي اجتماع حصل في الأردن في العام نفسه، وحضره ضباط أميركيون وروس وضابط إسرائيلي وضباط من المخابرات الأردنية، طلب الإسرائيليون إبعاد “القوات الإيرانية” وعناصر “حزب الله”، وإخلاء قواعدهم في الجنوب إلى عمق يتراوح بين 40 و80 كيلو مترا. نقل الممثلون الروس الطرح إلى الجهات المعنية (دمشق، والمستشارين الإيرانيين وحزب الله)، فكان رد الحلفاء: لا مشكلة (…) إن كان هناك من قواعد لنا سنخليها.

عاد الروس بالنبأ إلى المعنيين، ففهم الإسرائيليون أن تحقيق ما يريدونه غير ممكن، فجواب الإيرانيين وحزب الله يعني أن لا قواعد خاصة بنا لنخليها.

يومها، علق وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان في الإعلام، محذرا من إخلاء التنف كونها كانت مادة بحث في تلك المفاوضات.

فُهم من تصريح ليبرمان أن دمشق وإيران والمقاومة في لبنان، ماضون بحملتهم العسكرية ضد المجموعات الإرهابية المسلحة جنوب البلاد، وأنهم جديون في الوصول إلى آخر نقطة عند الحدود، وبالتالي لا ضمانات لتل أبيب. والأهم، فهم الإسرائيليون أنه من غير المسموح التفريق بين حلفاء سوريا في المقاومة وإيران وبين الجيش العربي السوري.

وبالتالي، سقطت آخر المحاولات الإسرائيلية لإنشاء “حزام أمني”، ولم يحصّل الإسرائيليون أيّ ضمانات تحفظهم من نيران قد تأتي من سوريا.

وفي تلك المرحلة انطلقت عملية تحرير الجنوب السوري، دون التوصل إلى اتفاق روسي أميركي، يؤكد ذلك تعليق وزير الخارجية السوري الراحل “وليد المعلم” على تقارير إعلامية تحدثت عن اتفاق روسي أميركي، حول عمليات الجيش وحلفائه في الجنوب السوري بالقول: “لا تصدقوا أن هناك اتفاقا والأميركيون متواجدون في التنف”.

فعليا، كانت واشنطن -من ضمن مفاوضاتها- تفاوض لتحقيق أهداف إسرائيلية.

في خلاصة ما استعرضناه لأحداث 2018 والتي تركزت جنوب البلاد، ولما تعنيه الحالة الأمنية للإسرائيليين هناك، يمكن الاستنتاج، نسبة لما كان يعمل الإسرائيليون على تحقيقه، أن أحد أهداف “المعركة بين الحروب” سقط أيضا، وهو إنشاء منطقة “حزام أمني” في العمق السوري اليوم يرابض الجيش السوري عند أول نقطة محتلة في الجولان السوري العربي المحتل).

قواعد الاشتباك
لا شك بأن الإسرائيليين تمكنوا من فرض قواعد اشتباك في سوريا بدءا من عام 2013، باعتبار أن المجموعات المسلحة المدعومة عربيا وغربيا وإسرائيليا كانت تتوسع، وتسيطر على مقدرات ساعدت في إضعاف القدرات السورية، وهذا الأمر لم تخفيه دمشق التي تعاملت مع العدوان الإسرائيلي بواقعية.
مع بدء تبدل موازين القوى في الحرب على الإرهاب، تحديدا نهاية عام 2015، كانت هذه القواعد تتبدل شيئا فشيئا دون أن تميل كليًا لمصلحة محور المقاومة. فلدى الكيان الإسرائيلي استقرار مالي واقتصادي وقدرات عسكرية عالية المستوى، وأقوى سلاح جو في المنطقة، وذراع استخبارية طويلة، لا أحد يقلل من قدراته.

في المقابل، تعاني سوريا من حرب شنيعة تشن عليها، وتتعرض لحصار اقتصادي خانق، وتسرق وتنهب مقدراتها النفطية، وضرب اقتصادها الداخلي بشكل كبير، وتضررت قدراتها العسكرية إلى حد ما.

في المقارنة بين القدرات الإسرائيلية وما تعرضت له سوريا، يمكن فهم طبيعة تعاطي دمشق ومن خلفها محور المقاومة، والتي كان لها أولوياتها في محاربة الإرهاب وضربه وحصره، مع العدوان الإسرائيلي المستمر.

رغم ذلك، تمكنت قوى ودول محور المقاومة مجتمعة، من كبح للتمادي الإسرائيلي، وفرضت عليه قواعد اشتباك في لبنان، منعته من التمادي في سوريا كذلك في بعض الردود التي تمت من سوريا، والتي أيضا دفعت الإسرائيليين إلى احتساب خطواتهم بشكل أدق كي لا تنزلق الأمور إلى تصعيد شامل.

يجب الإشارة إلى أنه في ظل تمادي الكيان الإسرائيلي، ومحاولة التأثير في تلك الحرب لمصلحة الإرهاب وتحقيق مصالح “أمنية” تخصه، كان الجيش السوري والحلفاء يقاتلون على أكثر من 400 جبهة في الداخل.، وهو ما أخر ترتيب الأولويات بالنسبة لدمشق وحلفائها.

ويجب الإشارة أيضا إلى أنه مع كل انجاز لدمشق وحلفائها ضد الارهاب، كانت تتقدم خطوات نحو إعادة ترتيب الأولويات.
في مقابلة العام التي أجراها السيد حسن نصرالله مع قناة الميادين بداية عام 2019، قدم قراءة شاملة للوقائع الميدانية والعسكرية في سوريا وكيفية تبدل موازين القوى.

في تلك المقابلة أكد السيد نصرالله أن الاهتمام في سوريا كان منصبًّا على المعركة في الداخل، مع فرض قواعد اشتباك على “تل أبيب”. يومها، ومع إشارته إلى فشل إسرائيلي كبير في منع وصول أسلحة كاسرة للتوازن إلى المقاومة في لبنان، أوضح أن الأولويات قد تتبدل في التعامل مع الاعتداءات الإسرائيلية في سوريا.

نفهم من كلام وتصريحات سماحة السيد، أن الإسرائيليين فشلوا في معركتهم بين الحروب، وأن كل الأهداف التي وضعوها على الطاولة فشلوا في تحقيقها، ليس فقط فيما يتعلق بمنع وصول سلاح كاسر للتوازن، بل في تغيير وقائع على الأرض السورية، ومنع محور المقاومة من ترتيب أوضاعه الميدانية والسياسية.
بناء على ما تقدم، ومع تسلسل الأحداث وتبدل موازين القوى، وإعادة دمشق ترميم قدراتها العسكرية، وحشر الإرهاب في مناطق محددة عند الأطراف، فإن تطوير معادلة ردع في وجه الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة أمر قائم، وربما يعمل عليه.
كما يجب الإشارة إلى أن المعادلات التي فرضتها المقاومة في لبنان، وكذلك بعض الردود التي حصلت انطلاقا من سوريا، ساعدت كثيرا في لجم “تل أبيب” من التمادي دون منعها كليا، لذا يجب دائما مقاربة الأمور بواقعية، وفقا للظروف الآنية والأولويات التي ترى قيادة المحور ضرورة للعمل وفقها.
عدم وجود معادلة ردع واضحة لا يعني عجزا أو ضعفا، وكلما تقدم الوقت وحققت سوريا وحلفاؤها إنجازات ميدانية وسياسية، وكلما تم تفريغ المشاغبة الإسرائيلية من مضمونها وتعطيل أهدافها، كلما اقتربت الأمور من تحقيق الردع الشامل، وهذا أمر مرهون بوقت ليس بطويل، نقول ليس بطويل وفقا للمتغيرات التي حصلت وتحصل في سوريا، والتي تلعب لمصلحة محور المقاومة.

شهادات إسرائيلية
تكثر الشهادات الاسرائيلية حول فشل “المعركة بين الحروب” في تحقيق أهدافها، ويعترفون بأنها قد تكون أبطأت من سعة تنامي قدرات قوى المقاومة في المنطقة، لكنها لم تمنع الأمر.

ويقرون بأن المعركة التي اعتمدتها “إسرائيل” كاستراتيجية في العقد الماضي، على أقرب تقدير، بهدف منع الوصول الى الحرب أولا، وللتعويض عن تآكل قوة الردع ثانيا، ولمنع “الأعداء” من تعاظم القوة التسليحية، هي في طريقها إلى الإضمحلال.

يتحدث الإسرائيليون صراحة عن ضرورة تطوير “المعركة” وتوسيعها بشكل لا يضع “إسرائيل” أمام حرب شاملة، غير محسوبة النتائج، كما يؤكدون، مقرين في الوقت ذاته بفشل هذه الاستراتيجية في منع تعاظم قدرات المقاومة العسكرية أو ما يسمونه “التموضع الايراني” في سوريا، أو من استعادة سوريا لقدراتها الصاروخية.

1- بتاريخ 3-11-2019، أشار “بن كاسبيت” المحلل السياسي الإسرائيلي، وثيق الصلة بالمنظومة السياسية، إلى أن الفترة الحالية (أواخر 2019) قد تشهد نهايةً لإستراتيجية “المعركة بين الحروب” في ظل المعضلة العسكرية السياسية التي تواجه “إسرائيل” في هذه المرحلة (الصراع بين نتنياهو وخصومه في تلك المرحلة) لأنها باتت معضلة جوهرية نوعية.

وقال: “حتى هذه اللحظة يبدو أن المعركة بين الحروب في طريقها للاضمحلال، فقد انتهى زمنها، والتقارير عن الهجمات الإسرائيلية على قوافل الأسلحة أو مخازن البنية التحتية التابعة لإيران اختفت تقريبا، ومنذ فترة طويلة جدا، لكن هذا لا يعني أن الهجمات باتت غير ممكنة، أو أنها قد لا تظهر بين حين وآخر”.
وأوضح أن “المعطيات الميدانية لا تكذب، لأنه وفق كل المؤشرات فإن هذه الاستراتيجية التي انطلقت في 2016 آن أوان نهايتها في مثل هذه الفترة من أواخر العام الجاري 2019”.

ويومها، نقل عن مصدر عسكري إسرائيلي كبير قوله: “إن المعركة بين الحروب وصلت نهايتها، وهذا يحصل انطلاقا من عدة أسباب، أولها تعاظم العمليات الإيرانية في سوريا ولبنان، فإسرائيل لا تهاجم لبنان منذ 13 عاما، ثانيها الرسائل الروسية التي تحولت إلى إشكالية بالنسبة لإسرائيل، ثالثها الثقة الذاتية لدى الإيرانيين النابعة من ردود فعل أمريكية صفرية، والمغادرة المهينة لترامب من المنطقة”.

وأشار إلى أن “كل ذلك دعا إسرائيل للاقتناع بأن استمرار “المبام” -المعركة بين الحروب – يعني حربا شاملة، ولا أظن أحدا في تل أبيب مستعدا لتلقي هذا القرار”.

2- بتاريخ 28-12-2020، كتب مفوض شكاوى الجنود السابق في الجيش الإسرائيلي، اللواء احتياط اسحاق بريك، مقالا في موقع “ميدا” الإسرائيلي، أشار فيه إلى “طوق خانق من أكثر من مئتي ألف صاروخ مُحكم حول إسرائيل، بينها آلاف الصواريخ الدقيقة، كتلك التي أصابت منشآت النفط السعودية. الصواريخ والقذائف الصاروخية متموضعة حول إسرائيل: حماس في غزة، حزب الله في لبنان، والفصائل المسلحة في اليمن، في العراق وفي سوريا – وموجّهة إلى أهداف إستراتيجية في “إسرائيل” مثل محطات الكهرباء، منشآت تحلية المياه، قواعد جوية وبرية تابعة للجيش الإسرائيلي، مطارات، بنى تحتية اقتصادية، مراكز سلطة وغيرها”.

إشارة “بريك” وتصويبه على التموضع الصاروخي الذي يلف الكيان الاسرائيلي من عدة اتجاهات هو تصويب غير مباشر على عدم قدرة “المعركة بين الحروب” على منع “الخطر”، وهو إقرار بفشل هذه الاستراتيجية.

3- بتاريخ 3-6-2021 نقلت صحيفة “هآرتس” في تقرير تحت عنوان: “هزيمة المعركة بين الحروب”، عن خبراء من مركز “ميتافيم” للسياسات الخارجية والإقليمية لـ”إسرائيل” تشديدهم على أن “إيران وحزب الله وحماس يأخذون زمام المبادرة.. يدرسون ويتكيفون ويطورون شروط أنشطتهم قبيل الجولة القادمة”.

وبحسب الصحيفة، اعتبر الخبراء “أن السنوات الأخيرة أثبتت فشل سياسة الجيش الإسرائيلي في “المعركة بين الحروب” في تحقيق الأهداف العملانية البعيدة المدى في الساحة الفلسطينية”.
وأضاف الخبراء: “أن أصحاب التهديد نجحوا في تطوير قدرتهم على التسبب بأضرار للجبهة الداخلية الإسرائيلية على المستوى الكمي والنوعي، وبدلاً من أن تبلور “المعركة بين الحروب” الواقع الشامل، فإنَّ “إسرائيل” تشهد تراجعاً تدريجياً”.

4- بتاريخ27-10-2021، كتب الضابط الإسرائيلي “داني سيترينوفيتز” مقالا في موقع “زمن إسرائيل” أشار فيه إلى أن “ما يزيد من القلق الإسرائيلي أن ردود سوريا وإيران ومليشياتها على الهجمات الإسرائيلية في الأجواء السورية قد تتغير، وبالتالي فقد تزيد من حدة المخاطر الماثلة، لأنها ستعمل على مفاقمة التعقيد العملي لاستراتيجية المعركة بين الحروب، وتضع أمامها جملة من التحديات بشكل كبير، أهمها أن إيران وحزب الله يحاولان وينجحان بإيجاد طرق إبداعية للالتفاف على السلوك الإسرائيلي”.

وأضاف “سيترينوفيتز”، الذي خدم 25 عاما في مناصب قيادية متنوعة داخل الجيش منها في وحدات “التجميع والبحث” وملحقا عسكريا في السفارة الإسرائيلية بواشنطن: “إن سنوات الحرب الأخيرة، وما شهدته من هجمات إسرائيلية في عمق سوريا، لم يتضاءل نتيجة لها التزام بشار الأسد المستمر بحزب الله، بل إنه اشتد أكثر، ومع ذلك فإن العديد من دول الخليج مستعدة لتبييض الأسد، وإعادته إلى المجتمع الدولي، مما قد يعزز شرعيته، ويتحدى نشاط إسرائيل في سوريا مستقبلا”.

في المحصلة، هذه عينة قليلة جداً من شهادات إسرائيلية تشير بوضوح إلى أن “المعركة بين الحروب” لم تحقق إنجازا نوعيا، فكامل أهدافها التي أطلقت لأجلها لم تتحقق، وبالتالي فإن الكيان الاسرائيلي أمام خيارات صعبة إذا ما قرر مواصلة هذه الحملة أو تطويرها، كما تدعو بعض الأوساط الأمنية والعسكرية في جيش العدو.

تقييم خاص “للحملة بين الحروب” ومكامن الفشل
ببساطة، إذا وضعنا أمامنا الأهداف التي أراد الإسرائيليون تحقيقها عبر “المعركة بين الحروب” المستمرة في سوريا، من منع نقل سلاح كاسر للتوازن إلى حزب الله في لبنان، ومنع إيران وحلفائها من التموضع في سوريا، وإنشاء حزام أمني بعمق يتراوح من 40 إلى 80 كيلو متر في الجنوب السوري، والمشاركة في الحرب بشكل كلي، والرهان والعمل على إسقاط الدولة السورية، ومحاصرة المقاومة في لبنان، وإبعاد إيران كليا عن سوريا، نلحظ أن:

  • المقاومة في لبنان، راكمت سلاحا كاسرا للتوازن، وأعلنت عن ذلك صراحة على لسان أمينها العام، بل واعترف الإسرائيليون أنفسهم بأن الصواريخ الدقيقة وأنظمة الدفاع الجوي، وصلت فعلا إلى لبنان وهي تشكل تهديدا لوجودهم.
  • نجحت الجمهورية الإسلامية في تمتين علاقتها مع سوريا، ودخلت معها بشراكة دفاعية واضحة، تحمي سوريا داخليا وخارجيا. وأن الوجود الإيراني شرعي وبطلب من دمشق، والقيادة السورية رفضت عروضا لخروج إيران مقابل إخلاء الأميركيين قواعدهم والرحيل، لأنه قرار سيادي، وبالتالي إن إبعاد الإيرانيين عن “حدود” الكيان، كما يقول الإسرائيليون، قد تعزز بدلا من اقتلاعه، وهو فشل ذريع.
  • أن سوريا صمدت ونجحت في ضرب الإرهاب المدعوم غربيا وعربيا واسرائيليا في مقتل، وأن جيشها يستعيد قدراته العسكرية النوعية على الصعد كافة.
  • أن المقاومة ومحورها اكتسبوا خبرات عالية في هذه الحرب، ونجحوا في تحويل التهديد بالسقوط إلى فرصة للقيام، ونقلوا القلق من المحور إلى أروقة القرار في “تل أبيب”.
  • أن الجيش السوري عاد إلى أول نقطة عند الحدود مع هضبة الجولان المحتلة، ودون أي ترتيبات حاول الأميركيون والإسرائيليون فرضها.

أمام هذا الاستعراض السابق والوقائع التي نلمسها يوما بعد يوم، وحديث الإسرائيليين عن التهديد القائم، وإعلانهم مؤخرا عن ضرورة العمل على منع تعاظم السلاح الكاسر للتوازن في لبنان (ما يعني تسليما بوجوده)، والوقائع القائمة على الأرض السورية، وانزعاج الأميركيين وتصعيد “المشاغبة” بالمباشر وغير المباشر في هذا البلد، وربطهم للساحات بعضها ببعض، أمام كل هذا نصل إلى خلاصة بأن هذه المعركة فشلت بنسبة كبيرة جدا، وأن حظوظ تحقيق أي من أهدافها ضئيل جداً.

كذلك لا بد من الإشارة إلى أن معركة “سيف القدس”، أعطت مؤشرا واضحا وجليا على الفشل الإسرائيلي في هذه المعركة، التي كانت المقاومة الفلسطينية جزءاً من أهدافها، فالضربات التي شنت في سوريا و “غيرها” لم تحقق أهدافها، قد تكون أبطأت نسبيا من تسرع وتعاظم قدرات المقاومة ومحورها في سوريا ولبنان، لكنها لم تمنعه البتة.

وأيضاً، أعطت معركة سيف القدس مؤشرا على أن أمراً محدداً قد أنجز واكتمل، وهو لا يتعلق بالمقاومة في لبنان وحدها، بل بمحور يمتد من إيران إلى العراق فسوريا فلبنان فغزة، وأيضا اليمن.

وقد أعلنت العديد من قوى المحور ودوله على أنها جزء من المعادلة التي أعلنها السيد حسن نصرالله بعد معركة سيف القدس: القدس يعني حرباً إقليمية.

هذه المعادلة لا يمكن فرضها وخوض غمارها دون تحقيق بناء القوة في أكثر من ساحة، وهو ما حاولت وتحاول “إسرائيل” منعه عبر “المعركة بين الحروب”.

مستقبل “المعركة بين الحروب”
واقعا، إن الكيان الإسرائيلي سيواصل هذه المعركة، وربما يعطيها أهدافا اخرى أبعد من سوريا ولبنان وفلسطين، مع العلم أن توسيع رقعة المواجهة، سيؤدي إلى المزيد من الانشغال الإسرائيلي مع عدم حتمية تحقيق الأهداف. وهنا يجب الإشارة إلى التوصيات الأمنية التي ذكرتها تقارير إعلامية الإسرائيلية، بضرورة تهدئة الاشتباك البحري مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، لأن كلفته على “إسرائيل” أعلى من كلفته على الآخرين.

من وجهة نظرنا، ومن خلال متابعتنا للكثير من تفاصيل المعركة التي تخاض، وإعلان العديد من تفاصيلها، فإن المنطقة انتقلت إلى مرحلة مختلفة. وتشير الوقائع التي تفرض نفسها على الأرض، إلى أن هذه المرحلة لن تلعب في مصلحة المطامع الإسرائيلية.
وفي الختام، يجب الإشارة إلى أن مواصلة “المعركة” من قبل الإسرائيليين قد توقعهم في خطأ تقديري يدفعون ثمنه “حرباً شاملة”.

جدول بعدد الاعتداءات الإسرائيلية وفق كل سنة:

يوضح عدد الغارات من خلال التوزيع السنوي حسب الجدول أعلاه، أن ذروة الغارات الإسرائيلية العدوانية في سوريا كانت عام 2018. يعود الأمر إلى متغيرات ميدانية في سوريا من خلال حسم سوريا وحلفائها معظم مناطق الوسط السوري، والتوسع شرقا – 2017 – وصولا إلى دير الزور والبوكمال عند الحدود العراقية، ما دفع العدو الإسرائيلي إلى محاولة منع ما يسميه “التموضع الإيراني” في سوريا.

أيضا، عام 2018 شهد حسم المعارك انطلاقا من الغوطة الشرقية إلى الحدود مع الأردن والأراضي المحتلة في الجولان. في هذه المرحلة صعد الإسرائيليون من ضرباتهم جنوبا إسنادا للمجموعات الإرهابية المسلحة، مع استكمال الغارات في العمق السوري.

ملاحظة، إن عدد الغارات العدوانية أخذ مسارا انحداريا في السنوات اللاحقة، جزء منه يعود إلى توقف المعارك في جنوب سوريا.

في المحصلة، إن مسار ارتفاع عدد الغارات وانخفاضها -حسب الأعوام في الجدول- لا يعني زيادة في فعالية “المعركة بين الحروب”. فزيادة عدد الغارات، في بعض الأحيان، يعود إلى فشل في تحقيق الأهداف، خصوصا أن العدو نفذ غارات على أماكن محددة لمرات تخطت العشرة.

خليل نصر الله – مركز الاتحاد للابحاث والتطوير

النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.