الملاذات الضريبية.. هنا تختبئ الثروة عن أعين الحكومات

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

على مدار العقد الفائت خرجت العديد من الوثائق المسربة بداية من «وثائق بنما» مرورًا بـ«أوراق الجنة» وحتى التسريبات الأخيرة المعروفة باسم «وثائق باندورا»، كلها تدور حول الملاذات الضريبية التي يستخدمها الساسة ورجال الأعمال لإخفاء أموالهم عن الأعين.

وتعمل تلك الملاذات على مساعدة الشركات متعددة الجنسيات في دفع ضرائب أقل، أو في التهرب الضريبي الكامل أحيانًا، فما الملاذات الضريبية وكيف تساعد الشركات في تخطي لوائح الضرائب العالمية؟

الملاذات الضريبية.. لماذا هي آمنة؟
كثيرًا ما نسمع عن ساسة ورجال أعمال ومشاهير يقومون بتهريب أموالهم خارج البلاد، إلى بنوك سويسرا على سبيل المثال، في ظل سرية حسابات العملاء، وعدم القدرة على تتبع الأموال في بلدانهم الأصلية، لكن هذا يعد وجهًا واحدًا من وجوه الملاذات الضريبية حول العالم، والتي تمنح حصانة وحماية لأموال الأثرياء من الضرائب المفروضة في بلدانهم.

وعادةً ما يرتبط نشاط الملاذات الضريبية بالفساد المالي، وكذلك تمثل ملجًأ آمنًا لأموال العصابات وتجار المخدرات، لما توفره من سرية للعملاء، وترتبط أيضًا بالشركات التي تسعى لتخطي لوائح الضرائب العالمية، فقد كانت تلك الملاذات مسؤولة عن 68% من تجاوزات ضرائب الشركات في جميع أنحاء العالم عام 2021.

والملاذ الضريبي هو مركز مالي خارجي يعمل على توفير هيكل ضريبي يجذب الأثرياء لما يوفره من قوانين وتدابير تساعدهم على التهرب من الضرائب، ويجنبهم في الوقت نفسه القوانين المعمول بها في بلدانهم، وتتميز تلك المراكز بقوانين تدعم الشركات متعددة الجنسيات من خلال ضرائب منخفضة أو معدومة، وهو ما يعمل على تشجيع إقامة أعمال تجارية هناك بسهولة، وفي الوقتِ ذاته لا تفصح الملاذات الضريبية عن أية معلومات حول عملائها من أصحاب الشركات؛ مما يوفر للعملاء السرية التي يحتاجونها.

وتقترن الملاذات الضريبية في الغالب بشركات محاماة كبرى تعمل على ترتيب الأمور القانونية، وتساهم في بيع آلاف الشركات الوهمية للعملاء من جميع أنحاء العالم، وخير مثال على ذلك هو شركة «موساك فونسيكا»، أكبر شركات المحاماة التي كشفت عنها وثائق بنما، بعدما باعت آلاف الشركات الوهمية في جزر فيرجن البريطانية للعملاء من مختلف الدول لتجنب الضرائب.

والشركات الوهمية التي تبيعها الملاذات الضريبية عبارة عن كيانات قانونية يجري إنشاؤها على الورق دون وجود حقيقي لها على أرض الواقع، فهي شركات بلا مقر أو موظفين، فعلى سبيل المثال هناك مبنى مكتبي واحد في جزر كايمان بمنطقة البحر الكاريبي، وهي من أبرز الملاذات الضريبية، يعد مقرًا لحوالي 19 ألف شركة وهمية، وذلك دون أن تكشف وثائق المكتب عن أسماء المالكين الفعليين.

وتلعب تلك الشركات دورًا هامًا وحيويًا في تدفق الأموال غير المشروعة من جميع أنحاء العالم، وتوفر الغطاء القانوني اللازم لذلك التدفق، دون ذكر المالكين الفعليين، إذ إن بعض أصحاب الأموال من الأثرياء الذين يستخدمون الملاذات الضريبية لا يُعرف عنهم حتى أحيانًا أنهم يستثمرون في الخارج.

وبحسب الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين فإن 10% من إجمالي اقتصادات العالم يمثل إيرادات مفقودة رسميًا لكنها موجودة في مراكز مالية خارجية على شكل شركات وهمية، وتقدر تلك الإيرادات المفقودة في العام الواحد بحوالي 800 مليار دولار، يحتفظ بها الأثرياء بعيدًا عن الالتزامات الضريبية، ولأن تلك الأموال من المفترض أن يكون مكانها الأصلي هو الناتج المحلي الإجمالي للدول، فإن أكثر البلدان تضررًا هي الأفقر بحكم أنها الأكثر حاجة للعوائد الضريبية.

هكذا أصبحت «داكوتا الجنوبية» قِبلة أثرياء العالم
منذ بداية الكشف عن «وثائق بندورا» في 2 أكتوبر (تشرين الأول) 2021 عبر الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين، وولاية داكوتا الجنوبية بالولايات المتحدة الأمريكية باتت محل حديث لا ينقطع بعد أن كشفت الوثائق صعودها لتنافس اليوم الملاذات الضريبية الشهيرة في أوروبا ومنطقة البحر الكاريبي من حيث السرية المالية.

وكشفت «وثائق باندورا» طبيعة النظام السري الذي استخدمه الساسة والأثرياء لحماية أموالهم في داكوتا الجنوبية، بدءًا من التشريعات التى صيغت لحماية الشؤون المالية للعملاء، ووصولًا إلى ميزات إضافية جعلت الولاية تضاعف إجمالي الأموال الداخلة إليها أربعة مرات خلال العقد الفائت، لتصبح اليوم واحدة من أبرز «الملاذات الضريبية» حول العالم، جاذبةً العملاء الأثرياء الذين يبغون الأمان والسرية، والذين توفر لهم دخلًا أكبر وضرائب أقل من غيرها من الملاذات الضريبية الأخرى.

تخضع البنوك العادية لقوانين تفرض بها الحكومة ضرائب على الفائدة المكتسبة لحسابات العملاء، وفي الدول الغربية خاصةً قد تصبح تلك الحسابات عُرضة للمساءلة القانونية في حالة الديون أو قضايا الطلاق التي يحق فيها للزوجة أن تحظى بنصف ثروة زوجها، لكن في بنوك ولاية داكوتا، لا تطبق مثل هذه القوانين.

تعمل قوانين ولاية داكوتا على حماية أموال المودعين من أية دعاوي مدنية، ليس هذا فقط، بل لا توجد ضريبة على الدخل، أو على الميراث، أو أرباح رأس المال، وبالتالي تعد أموال المودعين محمية حتى من الحكومة ذاتها، فضلًا عن أنها تحافظ على المعلومات المتعلقة بالأصول المالية من التسرب إلى الجهات القانونية، وكل هذه الميزات جعلت داكوتا الجنوبية قِبلة الأثرياء من جميع أنحاء العالم.

ونظرًا لأن قوانين السرية المالية بالولاية ساعدت العملاء الأجانب على إخفاء وحماية أصولهم المالية، فقد تضاعف الإجمالي المالي للولاية في العشر سنوات الفائتة من 57.3 مليار دولار إلى 360 مليار دولار من الأصول المالية الموضوعة في صناديق ائتمانية، وتشير الوثائق الأخيرة أن الكثير منها مرتبط بأشخاص متهمين بجرائم فساد مالي وانتهاكات حقوق الإنسان.

لماذا تسعى بعض الدول لأن تصبح ملاذات ضريبية؟
الإجابة على هذا السؤال تمكن في جملة قصيرة للغاية: فتش عن المال، إذ أن تدفق الأموال حتى وإن كانت غير مشروعة، يصبح هدف وحيد بالنسبة إلى البعض، ويشير تقرير الصحافيين الاستقصائيين إلى أن الملاذات الضريبية تحقق دخلًا كبيرًا يعتمد على الرسوم التي تدفعها الشركات متعددة الجنسيات والأفراد من أجل إنشاء شركات وهمية تضمن تدفق أموالهم إلى الخارج.

وتوفر الملاذات الضريبية أيضًا فرص عمل للمحاميين والمحاسبين المخضرمين، الذين سيفقدون مورد رزقهم إن توقفت تلك البلاد عن كونها ملاذًا ضريبيًا، أما عن السبب الذي من أجله يسعى الأغنياء للبحث عن ملاذات آمنة لأموالهم، فهو ما توفره لهم تلك الملاذات من حماية للأموال، وحصانة وسرية المعلومات الخاصة بهم حتى من حكوماتهم نفسها، وبالتالي فإن تلك الأموال تصبح مخفية وبعيدة عن الأعين.

الأمير للّا حسناء
السياسيون حول العالم هم العملاء النموذجيين للملاذات الضريبية، من أجل تأمين ثروتهم الشخصية التي جنوها في العديد من الأحيان عبر وجودهم في السلطة، وكان أبرز المذكورين في تسريبات «وثائق باندورا» الملك عبد الله الثاني ملك الأردن الذي كشفت التسريبات الأخيرة حيازته لحوالي 36 شركة في ملاذات ضريبية سرية، كما نجد بين الأسماء الملكة إليزابيث الثانية التي كان اسمها حاضرًا في تسريبات «أوراق الجنة» عام 2017، جنبًا إلى جنب وزير التجارة الأمريكي ويلبر روس.

لكن الأمر لا يتوقف على الأشخاص أصحاب النفوذ السياسي المباشر، إذ نجد بين عملاء الملاذات الضريبية في التسريبات الجديدة العديد من أفراد العائلات الحاكمة، الراغبين في تأمين ثرواتهم بالخارج مثل سيدة الأعمال الأميرة للا حسناء شقيقة ملك المغرب الحالي، وكذلك ابنة الرئيس الأنغولي السابق خوسيه إدواردو دوس سانتوس، المليارديرة إيزابيل دوس.

ويستخدم أباطرة المخدرات، ورجال عصابات المافيا، والمتهمين بالفساد المالي، أيضًا شركات وهمية لإخفاء أموالهم عن الحكومات وإبعاد هوياتهم عن الصورة، كما يستخدمها الأشخاص العاديون، من التجار الذين يرغبون في حماية أموالهم من الدائنين المحتملين أو قضايا الطلاق.

وعادةً ما يستفيد رجال الأعمال من نشاطات الملاذات الضريبية بما توفره لهم من مدخرات هائلة، إذ توفر لهم الشركات الوهمية ثغرات قانونية يمكن استغلالها لتجنب دفع الضرائب، وتستخدم شركات الأدوية على سبيل المثال، الشركات الوهمية لتبيع من خلالها براءات الاختراع، وبالتالي تستفيد من ضرائب أقل؛ وقد تجنبت العديد من شركات الأدوية فعليًا دفع ضرائب بالمليارات عن طريق الكيانات الوهمية، وتتم العملية برمتها من خلال شركات المحاماة التابعة للملاذات الضريبية، التي تتولى الأمور القانونية نيابةً عن أصحاب الأموال الفعليين مع إخفاء هوياتهم.

على الرغم من سرية المعلومات التي تحيط عادةً بتلك الممارسات؛ فإنه في الآونة الأخيرة لم يعد الاحتفاظ بالمعلومات السرية أمرًا سهلًا كما كان في السابق؛ إذ تعمل بعض حكومات الدول الكبرى اليوم على تلقي المعلومات تلقائيًا من الملاذات الضريبية، والدول الأخرى حول الحسابات المصرفية الأجنبية لمواطنيها، مثل حكومة الولايات المتحدة الأمريكية، التي تستطيع فعل ذلك مع أنها من أفضل الملاذات الضريبية في نفس الوقت بالنسبة لأثرياء الدول الفقيرة.

نهاد زكي – ساسة بوست

النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.