هكذا يفكر ترامب.. قراءة في نرجسيته الخبيثة

20

إن محاولة فهم سلوكيات الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضمن النماذج التقليدية للقيادة لهو أمر شاق جدًّا، بل تكاد تكون مستحيلة؛ لأن سلوكياته بالجملة لا تعبّر عن رجل دولة بالمفهوم المؤسسي، بل تؤشر لـ”ظاهرة هجينة” تجمع بين عقلية المقاول العقاري، ونرجسية نجم تلفزيون الواقع، والنزعة الإمبراطورية التي لا تعترف بالسيادة الوطنية للدول إذا تعارضت مع “الصفقة”.
هذا التداخل الهجين بين منطق “السمسار” وشهوة “التسلط” أنتج نوعًا من النزعة الشخصانية التي لا تعبأ بالأعراف ولا بالقوانين الدولية؛ فالرجل الذي أمضى حياته يضع اسمه بحروف ذهبية فوق ناطحات السحاب، انتقل اليوم ليطبّق نفس إستراتيجية “البراندينغ” على الخريطة العالمية، حيث لم تعد بعض الأقاليم الجغرافية في نظره سوى مساحات خام تنتظر توقيعه لتكتسب “شرعيتها” وقيمتها.
وفق هذا المنطلق، تتجلى سلوكيات ترامب بنرجسيته التي ظهرت جليّةً في أكثر من موضع من بينها محاولاته “تأميم” الجغرافيا لصالح مجده الشخصي. ومثاله، تسمية ممر “أرمينيا – أذربيجان” المعروف أيضًا باسم “ممر زنغزور” بـ”طريق ترامب للسلام الدولي والازدهار” (TRIPP) في آب/أغسطس 2025، حيث لا يمكن فهم هذه الخطوة في إطار الجهود الدبلوماسية، بل هي محاولة لـ”وسم” الأرض باسمه، متجاوزًا بذلك الذاكرة الجماعية لأصحاب الأرض، ليختزل الحلّ التاريخي المعقّد بـ”علامة تجارية فردية” يفرضها بمنطق القوّة على أطراف الصراع المتصارعة.
هذا المنطق نفسه ينسحب على رؤيته لغزّة؛ فبينما شهدت مأساة إنسانية بمنظور عالمي، رأى ترامب فيها “فرصة استثمارية”. لكن بمثال غزة يتضح أمر آخر يؤكد هوسه ونمطه الاستكباري. إن إعلانه، المتسرّع، في شباط/فبراير 2025 عن رغبته في تحويل غزّة إلى “ريفييرا الشرق الأوسط”، وفرض “مجلس سلام” عليها، هو في الحقيقة عملية تهدف لتفريغ القضية من محتواها السياسي، وتحويل قطاع منكوب إلى منتجع سياحي يحمل بصمته، ضاربًا عرض الحائط بحقوق أصحاب الأرض التاريخية. ولم يتوقف الأمر عند حدود هذا الشطط العقاري، بل كشفت واقعة غزة عن فجوة أخرى في تفكير ترامب؛ وهي أن اندفاعه “العقاري” كان متسرعًا أمام تعقيدات الواقع وصلابة الرفض العربي والدولي، فسارع ترامب، وتحت ضغط الانتقادات الواسعة، إلى التراجع التدريجي عن تصريحاته الصادمة، ليبدأ في آذار/مارس 2025 بتقديم خطاب “مُلطّف” يدّعي فيه أن أحدًا لن يُطرد من أرضه، محاولًا الالتفاف على تصريحه الذي روّج له في البداية، وهو ما يؤكد أن قراراته ليست سوى “بالونات اختبار” يطلقها بغريزة المقاول، فإذا وجد الجدار صلبًا، ارتدّ عنها بحبكة ممثل يغيّر جلده ليناسب العرض الجديد.
واقعًا، لا نبالغ في توصيفنا حين نقول إن سمة “التسرع في إطلاق الأحكام” هي القاسم المشترك في قراراته؛ فمن إعلانه القدرة على إنهاء حرب أوكرانيا في “24 ساعة” (وهو ما ثبت بطلانه مع استنزاف الوقت والجهد وتخبّطه حتى اللحظة في متابعة القضية الأوكرانية)، إلى قراره “المرتجل” مؤخرًا بضرب إيران ثمّ التراجع عنه في اللحظة الأخيرة، كل ذلك يظهر ترامب كـ “إمبراطور” يقود سياساته بـ”الغرائز” لا بالتفكير الاستراتيجي.
وهذا التسرع وضعه في مناوشات سياسية مستمرة مع المستشارين الذين يخشى سماع نصائحهم بالتريث، مفضلًا “النزعة الفردية” التي يظن أنها تصنع المجد. ولعل الدليل الأكبر على هذا التعجرف هو تصريحه الذي لخص فيه رؤيته الأحادية للسلطة حين قال منذ أيام بزهو واعتزاز بـ”الأنا” المتضخمة: “لم يقنعني أحد بالتراجع عن توجيه ضربة عسكرية لإيران بل أقنعت نفسي”، وهو ما ينسف تمامًا قيمة غرف العمليات وتقديرات الأجهزة الاستخباراتية والمشورة العسكرية، ليؤكد للعالم أنه يرى في نفسه المبتدأ والخبر، والقرار والعدول عنه، كأن الدولة بكل ثقلها ليست سوى صدى لصوته الداخلي ومزاجه المتقلب الذي يتحكم بمصير السلم والحرب بعيدًا عن أي حسابات استراتيجية.
كما يُمارس ترامب ما يُمكن تسميته “سلطة البلطجة تحت شعار السلام”، حيث يُحوّل الأدوات الاقتصادية إلى وسائل للإكراه السياسي. تهديده الأخير في كانون الثاني/يناير 2026 بفرض رسوم جمركية تصل إلى 25% على حلفاء تاريخيين مثل الدنمارك وبريطانيا وألمانيا “حتّى يتم إبرام صفقة بيع غرينلاند”، هو نموذج صارخ لتدمير مفهوم “الحلف الدولي”. بالنسبة لترامب، “الناتو” ليس شراكة أمنية، بل هو “شركة حماية”، فمن لا يدفع الثمن أو لا يتنازل عن أراضيه (مثل غرينلاند)، ليس له حق الحماية.
وفي أميركا اللاتينية، تجسّدت هذه العقلية في عمل عسكري “صلب” باختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو مطلع كانون الثاني/يناير 2026، حيث كشف ترامب نفسه عن الدافع الحقيقي لهذه العملية المتمثل بالاستيلاء على النفط، بعيدًا عن الذرائع التي روّج لها. إن مجاهرة ترامب بنواياه في وضع اليد على ثروات دولة أخرى دون أي وازع أخلاقي أو دبلوماسي، تعكس شخصية بلغت ذروة العجرفة والتعالي؛ فهو لا يتورع عن التصريح برغبته في “سرقة” النفط جهارًا، ضاربًا عرض الحائط بالقوانين الدولية والمحاسبة الأممية التي لا يراها سوى عوائق “تافهة” أمام طموحاته. يُعدّ هذا السلوك برهانًا جليًا يعزز ما ذهبنا إليه في طيات هذه المقالة؛ فنحن لسنا أمام رجل دولة بالمعنى التقليدي، بل أمام شخصية ترتهن كليًا لسطوة “الأنا” المتضخمة، التي تُحيل الأطماع المادية المحضة إلى خطاب علني فجّ يفتقر لأدنى هوامش الحياء السياسي. إن مجاهرة ترامب بنواياه في السلب والنهب السيادي تؤكد أن المنظومة الدولية في نظره ليست سوى “ساحة مشاع” لقوته الغاشمة، حيث تتبخر قيمة سيادة الدول وتتهاوى قدسية القوانين أمام عتبة رغباته الشخصية، ما يجعل من “النزوة الفردية” هي المحرك الفعلي للسياسة الخارجية، بعيدًا عن أي اعتبارات أخلاقية أو استراتيجية متزنة.
يتجاوز تعجرف ترامب حدود الأطماع المادية ليلامس جذرًا نفسيًّا أعمق في تكوينه، حيث يعيش حالة انفصال تام عن مفهوم المؤسسات، فلا يجد في قاموسه مكانًا للاحترام إلا لمن يخاطبه بلغة التبجيل والانحناء البروتوكولي الذي يُشبع نزعته الإمبراطورية. ويُفسّر هذا الانجذاب العلني الذي أبداه تجاه قادة يراهم “أقوياء” مثل محمد بن سلمان وأحمد الشرع؛ فقد وصف الأول في عام 2025 بأنه “رجل لا يضاهى” و”عبقري رائع” يقود رؤية اقتصادية عالمية، بل وقال له بوضوح: “أنا أحبك أكثر من اللازم”. أما الثاني فقد أشاد به بأنه “شاب جذاب وقوي” و”مقاتل يمتلك فرصة لتحقيق العظمة” في سورية، مبررًا رفع العقوبات بكونه فرصة لتمكينه. إن كل هذا المديح لم يكن نابعًا من تقدير بقدر ما كان اعترافًا بمنحه ما يريد وانصياعهم لمنطقه دون تردد؛ فهو يرى في هؤلاء تجسيدًا لسلطة الفرد المطلقة التي يفتتن بها، بينما يزدري الزعماء الذين يجادلونه بلغة القانون الدولي أو المواثيق الأممية، معتبرًا إياهم “ضعفاء” لا يستحقون الاحترام لعجزهم عن فرض إرادتهم خارج إطار المؤسسات التي يمقتها في قرارة نفسه.
ولا تقتصر تناقضات ترامب على الساحة الدولية فحسب، بل تتجلى بوضوح في الداخل الأميركي من خلال علاقته المتقلبة مع خصومه السياسيين. ولعل ما حدث مع رئاسة بلدية نيويورك يختصر المشهد، فقد بدأ ترامب عهده بحرب ضروس وهجوم شخصي كاسح ضد زهران ممداني في طروحاته التقدمية، محاولًا تشويه صورته وتصويره كخطر على استقرار المدينة، لكن المثير للدهشة هو الانقلاب الجذري في موقف ترامب بمجرد حسم المعركة الانتخابية لصالح ممداني الذي فاز برئاسة البلدية، إذ سارع إلى استقبال خصمه “اللدود” بحفاوة بالغة في البيت الأبيض، معلنًا أمام وسائل الإعلام إعجابه الشديد بشخصيته وذكائه، وهو سلوك يبرهن على أن ترامب لا يملك خصومات ثابتة ولا مبادئ أخلاقية تحكم علاقاته، بل هو “راديكالي” بامتياز، ينحني لمن يصل إلى سدة الحكم ويحاول استقطاب أي قوة صاعدة لتكون تحت مظلته الإمبراطورية.
يمكن القول أيضًا، إن تسرّع ترامب في إطلاق الأحكام وتبديل مواقفه بشكل راديكالي كما فعل مع ممداني، على سبيل المثال، ينبع من كونه يفتقر لمكوّن الثبات كمؤطّر لعلاقاته، فهو لا يرى البشر ككيانات مستقلة بل كـ”أدوات وظيفية” تنتهي قيمتها بمجرد انتهاء المصلحة، وهذا النمط النفسي هو الذي سيقوده نحو حافة الانحدار، لأن العقل الذي لا يرى سوى نفسه ينتهي به المطاف إلى الانفصال عن الواقع وتدمير جسور الثقة مع العالم، ليتحول من “زعيم” إلى “أسير نرجسيته” التي تلتهم منجزاته يومًا بعد يوم.
تتجلى هذه النزعة السلطوية، أيضًا، في عدائه الشديد والممنهج للصحافة؛ فحين يُواجه بسؤال لا يتفق مع “أجندته”، يسارع ترامب إلى ممارسة الإيذاء الشخصي واللفظي، كما حدث في صداماته مع بيتر ألكسندر وجيم أكوستا، حيث يَسِم معارضيه بـ “الفاشلين” في محاولة لاغتيالهم معنويًا، في سلوك يعكس عجرفة إمبراطورية ترى في النقد “خيانة عظمى” لشخصه. وفي خضم هذا الاستهداف الممنهج، وجه أكوستا في كلمة وداعية على الهواء، عقب إقالته من شبكة CNN رسالة للعالم قائلًا: “لا تنحنوا للطغاة.. لا تستسلموا للأكاذيب أو الخوف”؛ وهي عبارة تكشف أن هذا الصحافي قد أدرك مبكرًا حقيقة السلوك النفسي لترامب، فاستطاع تلخيص جوهر نرجسيته في كلمات تنبّه الرأي العام لمواجهة عقليّة ترامب الاستبدادية.
في الإجمال، إذا ما أردنا تفكيك هذه السلوكيات من منظور سيكولوجي بنظرة أوليّة لعدم معرفتي الكافية بهذا العلم، فإننا نجد أنفسنا أمام حالة لما يُعرف بـ “النرجسية الخبيثة” التي تمتزج فيها شهوة السلطة المفرطة مع غياب تام للنظرة إلى الواقع بما هو واقع، حيث يرى المصاب بهذا الاضطراب أن العالم ليس إلا مرآة تعكس عظمته المتخيّلة، فكل فعل يقوم به، وكل “صفقة” يبرمها هي في الحقيقة محاولة لترميم شعور داخلي بالنقص من خلال الاستعلاء الخارجي، وهذا يفسر لجوءه الدائم لإهانة خصومه بكلمات جارحة كنوع من “الإسقاط النفسي” لإضعافهم وشعوره بالسيادة فوقهم.
لكن ما فات ترامب، أن شخصيته القائمة على الهيمنة المطلقة واحتقار الشركاء، تحمل في طياتها بذور دمارها. فمن خلال تدمير شبكة التحالفات الدولية، وابتزاز الجيران، وتحويل السياسة الخارجية إلى “عروض تلفزيونية” وصراعات شخصية، يضع ترامب الولايات المتحدة على مسار “الانحدار الذاتي”.
وفق ما تقدّم، نشير من باب العبرة إلى أن التاريخ يعلمنا دروسًا قاسية بأن القادة الذين يرون أنفسهم أكبر من الدولة وأعلى من القانون ينتهي بهم المطاف دائمًا بتدمير أنفسهم وتفتيت الإمبراطوريات التي يقودونها. ولعل في مصير الإمبراطور الروماني كاليغولا الذي ظن أن نزواته الشخصية أقوى من مؤسسات الدولة عبرة لكل من استهان بمستوى محيطه، أو في نهاية الملك تشارلز الأول الذي وجد نفسه أمام المقصلة بعد اعتقاده بأن مزاعمه بـ”الحق الإلهي” تمنحه حصانة ضد المحاسبة، وصولًا إلى روبسبير الذي التهمته نيران “الفضيلة المتسلطة” التي صنعها بنفسه.
فكل هؤلاء تشابهوا في “العمى النرجسي” الذي جعلهم يظنون أن العالم يدور في فلك أهوائهم، وهو الجنون ذاته الذي استحضره أدولف هتلر حين اعتقد أن إرادته هي قدر التاريخ، فحوّل الدول المجاورة إلى مجرد “مساحة حيوية” يحق له ضمها كعقارات تابعة لإمبراطوريته، لتنتهي نرجسيته العمياء في قبو تحت أنقاض برلين المحطمة، وهو المصير الذي شاطره فيه حليفه بينيتو موسوليني الذي حاول تقمص دور القيصر الجديد بـ “البلطجة” العسكرية والخطابات الرنانة لينتهي به الأمر معلقًا في ساحة عامة في ميلانو، ليكون هؤلاء جميعًا الشاهد الأكبر على أن المتسلط الذي يرى العالم من منظور صفقات عسكرية وتوسعية، وينتشي بتصفيق الجماهير بينما يحطم المؤسسات، إنما يمهد الطريق لنهاية درامية ينهار فيها المعبد فوق رأسه ورؤوس من صدقوا أوهامه.

النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع

التعليقات مغلقة.