الخطاب السياسي لخصوم المقاومة في لبنان: إلى أين؟
يحتلّ الخطاب السياسي لخصوم المقاومة في لبنان موقعًا مركزيًا في المشهد العام، إذ لم يعد مجرّد تعبير عن تباين في المواقف، بل تحوّل إلى عنصر في الانقسام السياسي والوطني. هذا الخطاب يتغذّى من تعقيدات الواقع اللبناني، ومن التداخل بين العوامل الداخلية والضغوط الإقليمية والدولية، ما يجعله خطابًا متحوّلًا، متشنّجًا في أغلب الأحيان، ومفتقرًا إلى رؤية في بناء وطن بمختلف مقوماته أحيانًا أخرى.
منذ نشأة المقاومة في سياق مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، شكّلت هذه الظاهرة مادة خلافية داخل الساحة اللبنانية. غير أنّ التحوّل الأبرز في خطاب خصوم المقاومة جاء بعد انسحاب الاحتلال عام 2000، ثم بعد حرب تموز 2006، حيث انتقل النقاش من مشروعية المقاومة إلى دورها وسلاحها وموقعها داخل الدولة. ومع مرور الوقت، أصبح هذا الخطاب أكثر حدّة، وجرى ربط المقاومة بمجمل الإخفاقات السياسية والاقتصادية، في مقاربة تبسيطية تتجاهل التركيبة المعقّدة للنظام اللبناني ومسؤوليات القوى التي حكمت البلاد لعقود.
يرتكز خطاب خصوم المقاومة على عناوين كبرى مثل السيادة، وبسط سلطة الدولة، والالتزام بالشرعية الدولية. وهي عناوين تحمل في جوهرها مطالب مشروعة، غير أنّ الإشكالية تكمن في توظيفها السياسي لخدمة مشاريع خارجية. إذ غالبًا ما يُطرح مفهوم السيادة بصورة مجتزأة، تُستخدم لمواجهة المقاومة، بينما يتم التغاضي عن انتهاكات خارجية مستمرة لدول محددة، أو عن أشكال أخرى من الارتهان السياسي والاقتصادي التي قيّدت القرار الوطني وأضعفت الدولة من الداخل.
إعلاميًا، لعبت المنصّات التقليدية والرقمية دورًا محوريًا في تصعيد هذا الخطاب، حيث انتقلت المواجهة من الفضاء السياسي إلى معركة سرديات. فتمّ تكريس لغة التخوين، والتشكيك بالانتماء الوطني، وربط المقاومة بمحاور خارجية، في مقابل تبرئة منظومات الفساد والإدارة الفاشلة. هذا الأسلوب لم يسهم في إنتاج وعي نقدي بقدر ما عمّق الشرخ الاجتماعي.
كما يواجه خطاب خصوم المقاومة مأزقًا واضحًا في غياب البديل الاستراتيجي. فالدعوة إلى نزع السلاح أو تحييد لبنان لا تُرفق عادة بخطة دفاعية واضحة، ولا بإجابات مقنعة حول كيفية حماية البلاد في ظل عدو لا يزال يحتل أراضي لبنانية ويهدّد الأمن الوطني بشكل دائم. هذا الفراغ في الرؤية يجعل الخطاب أقرب إلى موقف احتجاجي منه إلى مشروع سياسي متكامل.
في المقابل، لا يمكن تجاهل أنّ استمرار الانقسام حول المقاومة يعكس أزمة أعمق تتعلّق بطبيعة الدولة اللبنانية نفسها: دولة ضعيفة، منقسمة، عاجزة عن بلورة استراتيجية وطنية جامعة. ومن هنا، فإنّ السؤال الحقيقي لا يقتصر على مستقبل خطاب خصوم المقاومة، بل يمتد إلى قدرة الطبقة السياسية برمّتها على إنتاج عقد وطني جديد يعالج مسألة الدفاع، والسيادة، وبناء الدولة خارج منطق الاستقطاب.
إنّ مستقبل هذا الخطاب يقف عند مفترق طرق: إما الاستمرار في التصعيد والمواجهة، بما يخدم الانقسام ويُبقي لبنان ساحة مفتوحة للتجاذبات، أو الانتقال إلى خطاب أكثر نضجًا وواقعية، يعترف بتعقيدات التوازنات الداخلية، ويفتح باب النقاش الجدي حول استراتيجية دفاعية وطنية، تُبنى بالحوار لا بالإقصاء.
في الخلاصة، يبقى السؤال “إلى أين؟” اختبارًا لمدى مسؤولية الخطاب السياسي في لبنان. فإما أن يكون أداة هدم إضافية في بلد منهك، أو أن يتحوّل إلى مدخل لإعادة التفكير بالمصلحة الوطنية العليا، بعيدًا عن الشعبوية والارتهان، وباتجاه شراكة حقيقية تحفظ لبنان وسيادته واستقراره.
النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع

التعليقات مغلقة.