عن الدعوة إلى التعقّل…

11

يعيد التاريخ نفسه، فالمدعوون اليوم إلى التعقّل، كانوا قد وُصفوا بالمغامرين ذات تموز، وانتصروا، وبالمجانين الذين يريدون للعين أن تقاوم المخرز حين قارعوا الاحتلال بلحمهم الحيّ وبالطلقات القليلة، وحرّروا. لا بأس، ففي كلّ زمان ثمّة وجهتان، واحدة تستطيب الموت وقوفًا وعزّة، وأخرى تحسب الأمر مجرّد “لا تعقّل”. من جهة أخرى، لطالما ظنّ البعض أن المسعى إلى الحريّة محض جنون، ولطالما واجه الأحرار أعتى العسكرة المعادية بصدورهم فيما تتلقّى ظهورهم طعنات خناجر مسكونة بالهزيمة وبالخوف، ولطالما ظنّ الذين يتمترسون في دشمة العجز الدبلوماسي، أنّ القتال انتحار، وأنّ مواجهة القوّة بالقوّة موتٌ وفناء.

يا أيها “المجانين”، طوبى لكم، ففي ظلّ تشوّه المفاهيم في بلادنا، عاديّ أن يُسمّى الشرف جنونًا، والشجاعة جنونًا، والعزّة جنونًا، والقوّة. وجميل أن تُحسبوا ممّن رفضوا الخضوع باسم التعقّل، والانبطاح باسم الحكمة، والذلّ باسم الواقعية، والضعف باسم العقلانية. والأجمل أنّ جنونكم الذي حرّر وصان وحمى وانتصر وصبر على أعتى المواجع، فاق بحكمته وتعقّله كلّ الآخرين.

طوبى لكم.. ما مسّكم ضرّ “التعقّل” الذي يبرّر المحاباة والمسايرة على الدّم.

طوبى لكم، فمنكم فتية ثوريّون شبّوا على الشرف المصان، وقاتلوا عدوهم حتى صار اسمهم يرادف رعب الأمريكي ويثير قلق “إسرائيل” على وجودها حدّ استشعار الزوال. منكم الحاج عماد، منكم السيد ذو الفقار، منكم السيّد محسن، وكثر كثر، لا يتسّع جنون القلب عشقًا لذكر أسمائهم كلّهم. منكم عمامات قارعت المحتلّ بجنون العاشقين الموقنين وانتصرت بدمها على السيف المسموم، منذ الشيخ راغب والسيد الموسويّ إلى السيّد حسن، وما بينهم من فيوض رحمانية تمثّلت في طهر العمامة ورفقة البندقية. طوبى لكم، فمنكم صلاح غندور، وعلي أشمر، وسائر الاستشهاديين الذين حوّلوا الأجساد الفانية إلى قنابل تتفجّر في صدر العدو، وتحرّر، يوم كان حلم التحرير جنونًا صرفًا. طوبى لكم، فمنكم أيها العاشقون الصادقون عوائل آلاف الشهداء، ممّن ما رأوا في بذلهم إلا جميلًا، ومنكم أيّها الطيّبون الترابيون أيتام آلاف الأحرار الذين منذ الثمانينيات حتى الساعة، ما سئموا البذل ولا تعبوا، ولا ارتضوا عن طريق الحقّ بديلًا، ممّن “وما بدّلوا تبديلا”، ومنكم أيّها الأشراف الأعزاء، سيّدات حاربن بما أوتيت بيوتهنّ من أدوات، كالزيت والسكاكين، وبما أوتيت قلوبهنّ من حبّ وفطرة، وفتيات، بكلّ ما اختزنّ من عزّة التراب في صدورهنّ، أن يصرن عرائس الجنوب، سناء محيدلي ولولا عبود، وغيرهما، وأمهات عرفن أن بيوتهنّ كهف المقاومة، وأنّ المقاومة فطرة، وإن سمّى المهزومون الفطرة جنونًا!

على هذه الأرض، كثر المهزومون باسم التعقّل، والتائهون في فضاءات الخضوع بدون وجهة، والهائمون في أزقة المداراة بلا جدوى. أمّا نحن، “الطرف الآخر”، وليكن كلّ العالم طرفًا مقابلًا، فإن طريق الحقّ سالكوه، وما أجملنا من “طرف آخر”، يترفّع عن بؤس الانبطاح وبشاعة الحياد، يتمسّك بإنسانيّته في مواجهة الوحشية البهيمية، يدرك معنى كرامة الإنسان المولود حرًّا، في زمن استساغ فيه الآخرون طعم الخضوع، الذي به يجرّهم فرعونهم إلى الهاوية. نعم، نحن الطرف الآخر الذي تعرفه الأرض ابنًا لها، ويعرفه التراب رفيقًا له، وتعرفه الحريّة.

النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع

التعليقات مغلقة.