من التوقع إلى الواقع: صراع المضايق وعسكرة البحار في ضوء رؤية 2018
في عام 2018، ومن على شاشة قناة “الهوية” بصنعاء، كانت القراءة للمشهد الجيوسياسي تشير بوضوح إلى انفجار وشيك فيما أسميناه “حرب المضايق”. آنذاك، اعتبر البعض الحديث عن معركة كبرى في باب المندب، وتزاحم الأساطيل في بحر العرب، مجرد سيناريوهات استشرافية بعيدة المدى. اليوم، وبنظرة سريعة على خارطة التوترات من مضيق هرمز وصولًا إلى البحر الأحمر، نجد أن تلك الرؤية لم تكن مجرد توقعات، بل كانت قراءة دقيقة لمخاض صراع دولي قادم تجلت ملامحه بوضوح.
عسكرة الممرات المائية: باب المندب في قلب العاصفة
ما نشهده اليوم في مضيق هرمز وباب المندب والبحر المفتوح والمحيط الهندي هو تجسيد حي لما حذرنا منه؛ حيث تحول المضيق من ممر تجاري عالمي إلى ساحة مواجهة مباشرة. إن “المعركة الكبرى” التي تحدثنا عنها قبل سنوات تتجلى الآن في تداخل العمليات العسكرية، وظهور التحالفات الدولية التي تسعى لفرض واقع جديد تحت شعار حماية الملاحة، بينما هي في العمق صراع على النفوذ والسيطرة الإستراتيجية. كما أن حشد القطع البحرية في بحر العرب والمحيط الهندي يثبت أن استراتيجية “تطويق المضايق” قد دخلت حيز التنفيذ، حيث انتقل ثقل الصدام من اليابسة إلى عرض البحر المفتوح.
الزلزال الاقتصادي: كلفة الصراع في الممرات الحيوية
لم تكن هذه الحرب التي استشرفناها عسكرية فحسب، بل هي في جوهرها حرب استنزاف اقتصادية طالت مفاصل التجارة العالمية. إن تحول المنطقة إلى ساحة اشتباك أدى إلى نتائج كارثية ملموسة، أبرزها ارتباك سلاسل الإمداد واضطرار السفن لاتخاذ طريق “رأس الرجاء الصالح” الطويل، ما تسبب في تأخير وصول البضائع واضطراب الإنتاج العالمي.
هذا التوتر أدى أيضًا إلى انفجار تكاليف الشحن والتأمين؛ حيث ارتفعت الرسوم إلى مستويات قياسية نتيجة تصنيف المنطقة كـ “مخاطر عالية”، وهو ما تُرجم إلى موجات تضخمية يتحملها المستهلك النهائي. والأخطر من ذلك هو تهديد أمن الطاقة، حيث ترفع التوترات حول هرمز وباب المندب “علاوة المخاطر” على أسعار النفط والغاز، ما يضع استقرار الاقتصاد الدولي على المحك، ويحرم الموانئ الإقليمية من عوائد الخدمات اللوجستية والترانزيت التي كانت ركيزة أساسية لاقتصادات المنطقة.
الخلاصة: صدق القراءة الإستراتيجية
إن تحقق هذه الرؤى اليوم يضعنا أمام حقيقة واحدة: أن فهم طبيعة الصراع يتطلب تجاوز الأحداث اليومية والنظر إلى الأبعاد الجيوسياسية الكبرى. إن ما ذكرناه في 2018 يعاد إنتاجه اليوم كواقع مفروض، مؤكدًا أن عسكرة البحار لم تكسر هدوء الأمواج فحسب، بل كسرت استقرار الأسواق العالمية، وأثبتت أن أمن الممرات المائية هو الضامن الأول لرفاهية الاقتصاد العالمي.
خاتمة: نحو رؤية استراتيجية لاحتواء الصراع
إن استرجاع ما طرحناه في عام 2018 ليس لمجرد إثبات دقة الاستشراف، بل للتحذير من أن الاستمرار في نهج “العسكرة الشاملة” للممرات المائية سيقود العالم نحو نقطة لا عودة. إن الحل لا يكمن في تكديس الأساطيل في بحر العرب أو تحويل باب المندب إلى ثكنة عسكرية دولية، بل في صياغة منظومة أمن إقليمي تحترم سيادة الدول المشاطئة وتضمن تدفق التجارة بعيدًا عن صراعات النفوذ القطبية. إن تكلفة السلام وتأمين الملاحة عبر التفاهمات السياسية ستظل دائمًا أقل بكثير من فاتورة الحروب المفتوحة التي تنهك الاقتصاد العالمي وتزعزع استقرار الشعوب. لقد صدقت رؤية 2018 في توصيف الأزمة، والأمل اليوم أن تصدق الجهود في احتواء تداعياتها قبل أن تتحول “معركة الباب” إلى حريق عالمي يصعب إطفاؤه.
النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع

التعليقات مغلقة.