ما وراء “سايكس بيكو”: الشرق الإسلامي في مواجهة “المخاض الكبير” ورؤية “التسوية التاريخية”
تعيش منطقة المشرق الإسلامي اليوم مخاضًا جيوسياسيًا عسيرًا يشي بأن “الصيغة” التي حكمتها لأكثر من قرن، منذ توازنات ما بعد الحرب العالمية الأولى (سايكس بيكو) وصولًا إلى التسويات الإقليمية الهشة، لم تعد قادرة على استيعاب التحولات الراهنة. إن فكرة “الانتصار” في صراع الإرادات لم تعد مجرد غلبة عسكرية، بل هي إعادة صياغة كاملة للجغرافيا السياسية بناءً على مراكز قوى إقليمية أصيلة، بعيدًا عن منطق الوصاية الدولية التي أثبتت عقمها في حماية الاستقرار.
الهلال الخصيب: الدورة الاقتصادية المتكاملة والعمق الاستراتيجي
يمثل الهلال الخصيب تاريخيًا وجغرافيًا القلب النابض لهذه المنطقة، ليس فقط كساحة سياسية، بل كدورة اقتصادية متكاملة تمتلك كافة عناصر الاكتفاء والنمو. إن التكامل بين الموارد المائية والزراعية الوفيرة، والاحتياطيات الهائلة من الطاقة، والموقع البحري الممتاز، يخلق ثقلًا اقتصاديًا قادرًا على صياغة معادلة تكافؤ مع القوى الكبرى. هذا العمق لا يعمل كأطراف تابعة، بل كمركز جذب وتفاعل يربط البحر المتوسط بالمناطق المجاورة، ويحول الترابط الجغرافي إلى شبكة من المصالح الحيوية المتبادلة التي تؤمن الأمن الغذائي والطاقوي، ما يجعل استقرار هذا الحوض ضرورة حتمية لاستمرار الدورة الاقتصادية الإقليمية الكبرى.
الكتلة الجيوسياسية المتصلة وسعي طهران نحو التكامل الإقليمي
تنطلق طهران في رؤيتها للمنطقة من مفهوم الكتلة الجيوسياسية المتصلة التي تسعى في حال انحسار النفوذ الأمريكي إلى التحول من حالة “الدفاع والمواجهة” إلى حالة التكامل البنيوي الشامل. فعلى الصعيد الإقليمي، تهدف إيران إلى تأسيس نظام أمني تقوده القوى المحلية الكبرى مثل إيران والعراق وسوريا وتركيا، حيث يقوم هذا النظام على مبدأ التكامل الاقتصادي والتنموي الذي يسمح بتدفق الموارد من طهران عبر بغداد ودمشق وصولًا إلى شواطئ المتوسط بلا عوائق سياسية أو أمنية. وفي هذا الفضاء، لا تعود الدول المحورية مساحات لتصفية الحسابات، بل تتحول إلى أجزاء عضوية من منظومة سيادية كبرى لا تستهدف إلغاء الكيانات الوطنية، بل تقويتها عبر ربطها استراتيجيًا بعمقها المشرقي.
البرغماتية الاستراتيجية ووحدة الموقف التركي الإيراني
رغم التنافس التاريخي، يبرز اليوم تقاطع مصالح استراتيجي بين أنقرة وطهران يتجاوز الخلافات الأيديولوجية ليركز على الأمن القومي المشترك، حيث يمثل الرفض القاطع لمشاريع التجزئة والانفصال في الشمال السوري والعراقي الركيزة الأساسية التي تربط العواصم الكبرى. ويمكن للطرفين الوصول إلى صيغ تعاونية تضمن الهواجس الأمنية الحدودية مقابل الاعتراف الكامل بشرعية الدول المركزية وبسط سيادتها، مما يغلق الباب أمام التدخلات الأجنبية العابرة للحدود.
التكامل الاقتصادي كضمانة لاستقرار الحدود التاريخية
إن التاريخ يثبت أن الجغرافيا فرضت على الأتراك والإيرانيين تعايشًا طويلًا استند إلى معاهدات تاريخية رصينة مثل معاهدة “قصر شيرين”، واليوم يمر تجنب الصدام عبر بوابة التكامل المصلحي؛ فتركيا تمثل الممر الحيوي للسلع الإيرانية نحو الأسواق العالمية، بينما تمثل إيران الخزان الطاقوي الذي تحتاجه النهضة الصناعية التركية. هذا الربط الاقتصادي، مع احترام المجالات الحيوية في الهلال الخصيب كأراضي تأثير مشترك لا استحواذ أحادي، هو الضمانة لعدم الانزلاق إلى نزاعات استنزافية تخدم القوى الخارجية.
مصر كمرساة للاعتدال وضمانة التوازن العربي الإسلامي
في هذا المشهد، تبرز مصر كمرساة للاعتدال والشرعية الإسلامية، حيث تمثل بيضة القبان القادرة على موازنة الطموحات الإقليمية. إن دور مصر الرائد يتجلى في ثقلها المتوازن القادر على منع الانقسامات المذهبية، وهي التي تفرض المشروع العربي كشريك ندّي في أي نظام إقليمي جديد. وبفضل موقعها كجسر بين أفريقيا وآسيا، يمكن لمصر أن تقود التوافقات الكبرى التي تضمن عدم تفتت الدول الصغيرة، وتوفر مظلة جامعة لأي تسوية شاملة تحمي النسيج الاجتماعي للمنطقة بعيدًا عن الاستقطابات الحادة.
المبادرة الإيرانية وفرص صناعة الاستقرار المستدام
تبدو إيران اليوم هي الطرف الأكثر تأهيلًا لتقديم مبادرة تسوية تاريخية شاملة للمنطقة نظرًا لامتلاكها روابط مباشرة وحلفاء فاعلين في مراكز قرار متعددة، مما يجعل مبادرتها تمتلك أدوات تنفيذية قادرة على ترجمة الاتفاقات إلى واقع ملموس. كما أثبتت طهران قدرة عالية على الصبر الاستراتيجي، وهي تدرك أن استثمار التحولات الكبرى يتطلب الانتقال من لغة إدارة الأزمات إلى لغة صناعة الاستقرار المستدام. ولتحويل ثقلها السياسي إلى ازدهار داخلي، تبرز حاجتها لإقليم مستقر ومنفتح تجاريًا، مما يدفعها لتقديم مبادرات تكاملية تضمن أمن الجميع مقابل الاعتراف بدورها كقطب أساسي.
نحو مظلة أمنية إسلامية وإنهاء عهد سايكس بيكو
إن العائق الأكبر أمام هذا الواقع الجديد هو أزمة الثقة المتبادلة، إلا أن الرؤية التي تحافظ على العمق الجغرافي دون الغرق في النزاعات الجانبية هي التي تحول إيران وتركيا ومصر من أقطاب متنافرة إلى أعمدة لمظلة أمنية إسلامية مشتركة. في هذه المظلة، تتحول الدول من ساحات مستباحة إلى شركاء في البناء، ويصبح الانتماء للوطن جزءًا لا يتجزأ من الانتماء لأمة قوية تملك قرارها بيدها، معلنةً بذلك الوفاة السريرية لخرائط سايكس بيكو وولادة فضاء سياسي جديد تشكله إرادة شعوب المنطقة ومصالحها العليا.
النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع

التعليقات مغلقة.